موضوع: الدكتور على الغتيت يرد على محمد حسنين هيكل الكذاب

موضوع: الدكتور على الغتيت  يرد على  محمد حسنين هيكل الكذاب  

2, الضربة الهائلة التي وجهها الفقيه القانوني الدولي الأستاذ الدكتور على الغتيت إلى محمد حسنين هيكل وقناة الجزيرة أصابتني أنا بالدوار فهل شعرا بها؟! لقد قتل الدكتور الغتيت محمد حسنين هيكل.. وفجر قناة الجزيرة.. ولقد نقل موقع صوت المقاومة للأستاذ صلاح بديوي ما نشرته صحيفة المسائية عن تصريحات خطيرة للدكتور على الغتيت، وهو من كبار أساطين القانون و حجة عالمية في القانون الدولي وعضو المجلس الرئاسي للاتحاد الدولي للمحامين، وهو قيمة وطنية كبرى وعقل منهجي جبار، عزوف عن الشهرة بعيد عن الأضواء إلا إذا اضطر مثلما حدث عندما كان هو المحامي العربي الوحيد الذي تطوع للدفاع عن الفيلسوف الفرنسي المسلم رجاء جارودي. إن النص من الخطورة بحيث لا يجدي اختصاره أو الاستشهاد بفقرات منه.. إنه حكم بالإعدام لابد من قراءته كله.. ذلك أن القارئ هو المكلف بتنفيذ حكم الإعدام!!

قال الدكتور على الغتيت بالنص:

” فوجئت وغيري كثيرون بما أعلنه الأستاذ محمد حسنين هيكل في قناة «الجزيرة» طيلة فبراير الماضي عن أن مصر أممت شركة قناة السويس فقط، أما المرفق نفسه فيخضع لاتفاقية القسطنطينية، وهو كلام بالغ الخطورة لأنه يمس السيادة المصرية في الصميم، فالمرفق متواجد في ثلاث محافظات مصرية وهذا الكلام مضمونه الإلغاء العملي لتأميم قناة السويس، كحق مصري أصيل، خاصة وأن خطورة هذا الكلام تتزايد عندما نعلم أن هناك مؤامرة دولية تجري الآن في الظلام، وتستهدف قناة السويس كهدف استعماري أصيل وكجزء من الحملة التي تستهدف استعادة النفوذ الاستعماري القديم في المستعمرات السابقة ويكفي أن نعلم أنه تم تكوين شركة في باريس من أحفاد فرديناند دي ليسبس تستهدف استعادة قناة السويس من المصريين أصحاب القناة والبلد والمؤسف أن لهذه الشركة وكلاء مصريين في القاهرة يعملون لحسابها علنا، ويؤسفني أن أقول أن ما ادعاه الأستاذ هيكل في قناة «الجزيرة» عار من الصحة ويفتح الطريق لعودة قناة السويس للأجانب، وللعلم فقد أثارني ما أعلنه هيكل علي مدار أربع حلقات في الجزيرة طيلة فبراير من تشكيك في أحقية مصر في قناة السويس ودفعني ذلك إلي إرسال خطاب رسمي إلي وضاح خنفر مدير عام قناة الجزيرة بتاريخ 12 مارس 2008، وأطالبه بعرض الرأي الآخر وإتاحة الفرصة لي للرد تليفزيونيا علي هيكل من نفس المنبر، خاصة وأن كلام هيكل شكل تشويشاً خطيراً علي السيادة المصرية علي قناة السويس وطالبت قناة الجزيرة بإتاحة الفرصة لي لتوضيح الوضع القانوني الصحيح لقناة السويس بعد تشويش هيكل، لكن لم أتلق رداً من قناة «الجزيرة» مما دفعني لإرسال خطاب آخر إلي وضاح خنفر أيضاً بتاريخ 27 مارس الماضي أطالبه للمرة الثانية بإتاحة الفرصة للرد علي مزاعم هيكل دون فائدة، مما جعلني أتيقن من أن «الجزيرة» تلعب دوراً في مخطط التشويه والتشويش علي مصر في قضية قناة السويس، خاصة وأنه تشويش يفتقر للحقائق القانونية الدولية المحسوم جوهرها وشكلها منذ أكثر من 120 عاماً. ورغم ذلك رفضت الجزيرة إتاحة الفرصة للدفاع المصري، ومن جانبي أرسلت خطاباً شخصياً إلي الأستاذ محمد حسنين هيكل بتاريخ 18 فبراير 2008 أكدت فيه حق مصر التاريخي والقانوني في قناة السويس شركة ومرفق وأن اتفاقية القسطنطينية لا تتضمن سوي ضمان مصر لحرية الملاحة لأي دولة في قناة السويس؛ طالما أن هذه الدولة ليست في حالة حرب مع مصر؛ أما خلاف ذلك فليس هناك أي التزامات علي مصر ومما يؤسفني أن مزاعم الأستاذ هيكل تأتي في وقت تتعاظم فيه مؤامرات دولية مهددة لمصر ومشروعات صهيونية بحرية مهددة لمصر في قناة السويس وسيناء وبأحداث وشيكة في لبنان وفلسطين وسوريا؛ فضلاً عن أن هذا الكلام يعد استدعاء غريباً لمعركة استعمارية بين انجلترا والدول الاستعمارية ألمانيا وفرنسا وروسيا والنمسا بعد الاحتلال البريطاني لمصر مباشرة خلال الفترة من 1882 إلي 1888 عموماً المعركة مستمرة ولن نسمح بتنفيذ مخططات شركة أحفاد ديليسبس.” *** الدكتور على الغتيت من أبرز الشخصيات الحيادية المتوازنة ذات الثقل الدولي في العالم العربي، وقد قدمته قناة الجزيرة في حلقات عديدة خاصة مع المذيع المشهور أحمد منصور، الذي وصفه في إحدي حلقات برنامجه:”أكثر من رأي” بما يلي: الدكتور على الغتيت عضو المجلس الرئاسي للاتحاد الدولي للمحامين، وُلد في القاهرة عام 1940، حصل على ليسانس الحقوق عام 1961 في جامعة القاهرة وعلى الماجستير في القانون في الجامعة وفي عام 1974 حصل على الدكتوراه في جامعة بريكلي في الولايات المتحدة الأميركية عام 1972، ثم عمل أستاذا مشاركا بها مع كبار أستاذة القانون لعلم الفلسفة الدستورية والمضمون الجوهري لقوانين المقارنة والمنازعات، متخصص في القانون الاقتصادي الدولي والمقارن وعضو بمجلس التحكيم الدولي ويعمل أستاذا لعلم الاقتصاد المقارَن والقانون الدولي الخاص بكلية الحقوق جامعة القاهرة ومعهد قانون الأعمال الدولي في جامعة السوربون في باريس، عضو بالمجلس الرئاسي للاتحاد الدولي للمحامين وعضو بمجلس إدارة المفوضية الدولية للمحاكمين في باريس، نائب رئيس الجمعية المصرية للقانون الدولي، رئيس مشارك لتحرير مجلة التحكيم الدولي التي تصدر ربع سنويا في كلٍ من ميلان والقاهرة، عضو نقابة المحامين بمدينة نيويورك الأميركية والمعهد البريطاني للقانون المقارن والقانون الدولي بمدينة لندن، عضو في المعهد الدولي لقانون الأعمال الدولي بباريس وعضو بجمعية القانون الدولي الأميركية وعضو سابق بلجنة تمثيل الدول العربية للجمعية الدولية للأعمال في لندن والممثل الإقليمي للمجموعة العربية بقسم القانون الدولي بالنقابة الدولية للمحامين، مستشار قانوني للجمعية العربية لمكافحة التمييز وعضو في اللجنة القانونية العليا للتحكيم الاقتصادي الدولي وعضو بمجلس إدارة مركز القاهرة الإقليمي للتحكيم الدولي وعضو في مجلس إدارة الجمعية الدولية للمرافعين أمام القضاء الدولي منذ العام 1980، ترافع في كثير من القضايا الدولية المعروفة ولعل أبرز مرافعاته كانت فيما يتعلق بالدفاع عن المفكر البارز روجيه غارودي في باريس، يجيد العربية والإنجليزية والفرنسية. *** لماذا لم تستجب قناة الجزيرة لرجاء هذا العالم الكبير بتصحيح الخطأ.. ولماذا لم يستجب هيكل؟! الإجابة عن السؤال تفضح الأمر كله.. *** =================

يتساءل عادل حمودة: هل كان الضباط الأحرار على علاقة تحت الأرض وقبل الثورة مع المخابرات المركزية الأمريكية؟ وأين موقع هيكل على هذه الخريطة؟ فبعد 35 سنة على الثورة وبعد 17 سنة على رحيل جمال عبد الناصر خرج من يقول علنا: (أن الثورة وقائدها هما (صناعة) أو (صنيعة) أمريكية, وان تغيير النظام في مصر في يوليو 1952 هو مسرحية ألفتها أخرجتها المخابرات المركزية, وقام ببطولتها جمال عبد الناصر ورفاقه, وجاءت هذه الاتهامات في وقت كانت معظم الأشياء في مصر مباحة ومهزوزة وبلا حصانة, كما أن الذين تحمسوا لذلك الاتهام وروجوا له كانوا من أنصار العقل مثل الدكتور فؤاد زكريا (كتابه: كم عمر الغضب؟) ومن أنصار التشهير وتصفية الحسابات مثل جلال كشك (كتابه: ثورة يوليو الأمريكية) وكان بعضهم طرفا مباشرا في اللعبة الرسمية للسلطة مثل حسن التهامي. ويواصل عادل حمودة: وفي الحقيقة كان ذلك الاتهام قديما, فقد سبق أن قاله رجل المخابرات المركزية (مايلز كوبلاند) في كتابه الشهير (لعبة الأمم) الذي صدر في عام 1969 كان (كوبلاند) الساعد الإقليمي لمسئول الوكالة في الشرق الأوسط (كيرميت روزفلت) أو (كيم) على حد اسم تدليله, وقد أثار كتاب (كوبلاند) الكثير من عواصف الغضب عليه, لكن المثير للدهشة انه طلب تأشيرة لدخول مصر وحصل عليها بعد نشره الكتاب, ولم يجد من يوقفه في مطار القاهرة, ووجد طريقة من دون مشقة إلى فندق (هيلتون ـ النيل) ولابد أن ذلك جعله يشعر بالزهو والغرور, فها هو جمال عبد الناصر الذي اتهمه في كتابه بأنه من إنتاجهم لا يقدر على منعه, أو الوقوف في وجهه, ثم إنها فرصة لان يكسب من ابتزازه, ولكن ذات ليلة وهو عائد إلى فندقه فوجئ بشاب قوي يعترض طريقه ويصر ـ في استفزاز واضح ـ على أن يبيع له بعض منتجات (خان الخليلي) التي يشتريها السياح, وبدا واضحا أن البائع (المزعوم) له هدف آخر, على أن تدخل بعض المارة أفسد خطته, في اليوم التالي في ميدان (العتبة) كان هناك من كان قادرا على تنفيذ الهدف, فقد عاد (كوبلاند) من جولة لم تكتمل في الميدان القديم وقد امتلأ وجهه بالجروح وجسده بالكدمات, لقد افتعل رجال الأمن السريون معه مشاجرة كان هو الوحيد الخاسر فيها وفهم (كوبلاند) الرسالة وغادر القاهرة على أول طائرة, ولم يعد إليها إلا بعد رحيل جمال عبد الناصر. وفي كتابه (قصة السويس) يقول هيكل: إن كوبلاند كغيره من موظفي الوكالة لا يستطيع أن يكتب أو ينشر بغير إذن (ومعنى ذلك أن ما كتبه ونشره كان محل موافقة من وكالة المخابرات المركزية التي يهمها تلطيخ الثورة المصرية والإساءة إلى قائدها جمال عبد الناصر.

وقد نشر كوبلاند في كتاب آخر هو (بلا خنجر وبلا عباءة) لم يحظ بشهرة كتابه (لعبة الأمم) وإن كان قد أضاف فيه بعض التفاصيل وكشف فيه بعض الأسرار, منها أن كيرميت روزفلت جاء إلى مصر قبل الثورة وحاول إقناع الملك فاروق بالقيام بثورة (سلمية) بيضاء لتقوية نظام حكمه المعتدل لتفويت الفرصة على قوى الشيوعيين والإخوان في القضاء عليه, وكانت الخطة ـ التي سميت في ملفات المخابرات المركزية بعملية (الزير السمين) ـ تقضي بأن يقوم الملك بحملة تطهير كبيرة للقضاء على الفساد المستشري في أوصال النظام, وبأن يعيد تقديم نفسه في صورة الحاكم التقي الورع, ولكن (كيم) شعر باليأس بعد أن قابل الملك فاروق أكثر من مرة, ووجده على حد وصفه (من أصحاب الأجسام الثقيلة والعقول الخفيفة) وهو ما جعل (كيم) يبحث عن بديل آخر, وهكذا اتجه بصره إلى الجيش, على حد رواية كوبلاند. ولم يمر وقت طويل حتى أدرك إن كيرميت روزفلت هو حفيد الرئيس الأمريكي تيودور روزفلت أن تحريك الأحداث في الظلام يجذبه ويثيره أكثر من مجرد جمع المعلومات, وانتقل بذلك من التحليل إلى التآمر, وحتى يقفز رجل مخابرات هذه الخطوة الواسعة فإن عليه أن يكون شبكة معقدة من العملاء والعلاقات تفيده في الوقت المناسب, وقد تحقق له ذلك عندما كوّن في عام 1951 جمعية الصداقة العربية الأمريكية التي اتخذت من بيروت مقرا رئيسيا لها وامتدت فروعها إلى القاهرة ودمشق وعمان وبنغازي وتونس والرباط, وكما يقول آلن جران في كتابه عن رجال المخابرات المركزية (ترجمه جورج عبدو ونشرته دار المروج في بيروت) فإنه تحت شعار تعزيز الروابط الثقافية والعلمية بين الولايات المتحدة والعالم العربي قام (مناضلو) هذه الجمعية بنشاط تجسسي خطير للغاية, وقد حانت الفرصة لكيرميت روزفلت لتجريب مواهبه في تدبير الانقلابات في إيران عندما طرد الدكتور محمد مصدق وأعاد الشاه للسلطة

===============

ما زلنا مع عادل حمودة: حسب رواية كوبلاند: فإن كيم أمضى في القاهرة الشهرين الأولين من عام 1952 مع الملك فاروق يلهوان بتنفيذ مخطط الثورة السلمية, وذلك بدفع رجل الحكم القوي مرتضى المراغي لخلق أزمة وزارية, وقام الملك بتكليف نجيب الهلالي (الذي كان هيكل على علاقة متينة به) لتسلم الوزارة, وقد اتصل به كيم وطلب منه تطهير جهاز الدولة من الفساد, فربما أصبح زعيم الثورة السلمية, لكن ما جرى هو أن الضباط الأحرار قد سارعوا بالاستيلاء على السلطة ولم يتسن لنجيب الهلالي تنفيذ مخطط محاربة الفساد, فهل كان كيرميت روزفلت وراء ما فعله الجيش كما يدعي خصوم جمال عبد الناصر؟

لقد قال كوبلاند أن كيم عرف بأمر تنظيم الضباط الأحرار في شهر مارس 1952, أي قبل الثورة بأربعة أشهر تقريبا, ويقول كوبلاند أيضا: (انه سعى إلى الاتصال بهذا التنظيم بعد أن أدرك أن المراهنة على الجيش هي الحل الوحيد المتاح) ولأن كيم لم يبدأ ـ حسب المصدر نفسه ـ في رهانه على الجيش إلا في شهر مايو 1952 فإن الفترة التي يكون قد تم فيها الاتصال بينه وبين تنظيم الضباط الأحرار هي ما بين مايو ويوليو أي حوالي الشهرين فقط. وفي الجزء الأول من كتابه الشهير (قصة ثورة يوليو) يقول أحمد حمروش: (إن منشورات الضباط الأحرار وانتصارهم في انتخابات نادي الضباط استثارت رجال المخابرات المركزية في القاهرة, فبذلوا غاية جهدهم للتعرف عليهم واكتشاف آرائهم ومحاولة اجتذابهم) . و(كانت حلقة الاتصال مع ضابط في المخابرات المصرية تسمح طبيعة عمله بالاتصال بالملحقين العسكريين الأجانب بينما هو مرتبط بالضباط الأحرار وبجمال عبد الناصر شخصيا) . لم يذكر أحمد حمروش اسم هذا الضابط.. وربما يكون علي صبري, وهو بالمناسبة سافر قبل عام 1952 في بعثة إلى الولايات المتحدة لدراسة المخابرات الحربية, وبصفة خاصة مخابرات الطيران, وعندما عاد عين مديرا لمخابرات الطيران, وأصبح على صلة بالملحق الجوي الأمريكي في القاهرة. *** يقول الدكتور فؤاد زكريا – وهو مفكر لا أحترمه ولا أحبه- أن هيكل لم يكن قادر لوحده أبدا أن يجمع كل المعلومات الوثائقية، ويرتبها بمنتهى الدقة.. ” ولكنني كلما أمعنت الفكر في هذه الظاهرة بدا لي أنها أعقد وأوسع نطاقا من إمكانات أي فرد، بل من إمكانات أي جهاز في دولة متخلفة، وخيل إلي أننا نجد أنفسنا هنا على مستوى يكاد يصل لأجهزة المخابرات في الدول الكبرى ” ..كما يقول أنه لاحظ عرضا لمرض خطير في كتابات هيكل، ذلك أنه يستثني نفسه تماما من اللوم وكأنه كان طوال الوقت مشاهدا محايدا، أو ناصحا أمينا لا يستمع إليه أحد.. *** ويقول سيار الجميل – أستاذ التاريخ في جامعة الموصل وفي الجامعات الأردنية والإمارتية- : ..”.. في الأرشيف قضايا كثيرة لهيكل لو استخدمت استخداما عاديا فستصيب مقتلا منه.. ذلك أن جملة كبيرة من الوثائق تتضمن معلومات خطيرة عنه، و أن هناك مادة أرشيفية هائلة يمكن أن تستخدم ضد هيكل بسهولة تامة. و أن الأشخاص الذين اتهمهم هيكل كونهم من الحاقدين عليه والحاسدين له، ويعتقد الباحثون الأكاديميون بأن كلاما قاله كل من: محمد نجيب ومايلز كوبلاند وخروتشوف..لم يصدر كونهم حقدوا عليه أو حسدوه، فلقد اتهمه الرئيس محمد نجيب بالخيانة لحساب دولة أجنبية.(كتابه: كلمتي للتاريخ ).. كما أتهمه مايلز كوبلاند بالعمالة المخلصة.. كما اتهمه خروتشوف بالتهمة نفسها، وذكره بالمبالغ والشيكات التي تسلمها من وكالة المخابرات- المركزية في اجتماع كان يعقد في موسكو أمام جمال عبد الناصر، مما اضطر هيكل إلى أن يقفل راجعا إلى مصرفي اليوم الثاني من الرحلة! ويذكر حسنين كروم في كتابه مقاطع من حوار أجرته مجلة الحوادث اللبنانية مع محمد نجيب أول رئيس جمهورية لمصر اثر سقوط النظام الملكي عام 1952 والذي أبعد عن الحكم عام 1954 من قبل عبد الناصر أنه رفض أن يقابل محمد حسنين هيكل أربع مرات لأن معلومات زوده بها جهاز الاستخبارات المصرية تقول بأن هيكل هو عميل لدوائر المخابرات.. ويواصل سيار الجميل: لعل أبرز ما يمكن أن يهتم به الباحثون والدارسون في قابل الأيام: مسألة التهم التي وجهت إلى محمد حسنين هيكل من قبل أكثر من جهة وطرف، حول ارتباطه بالمخابرات المركزية الأمريكية.. والتي لم يدافع عنها الرجل دفاعا قويا! وبرغم عدم وجود مستندات قوية بيد خصومه، فقد كان عليه أن يكون أقوى مما بدا عليه.. إذ وجدته ضعيفا إزاء ذلك! فلماذا يهرب من وجه خروتشوف مثلا؟ ولماذا لم يذكر قيمة الأجور التي تسلمها من الصحف الأمريكية لقاء نشر مقالاته فيها؟ ولكن الأمر الملفت للنظر، أن هذه التهم التي حبكها خصومه ضده.. لا تختلف في شيء من الأشياء عن التهم التي كان قد نسجها هو نفسه ضد كل من أساتذته في المهنة: علي أمين ومصطفى أمين..

لقد ثارت ثائرة هيكل بطبيعة الحال، إذ كتب عدة مقالات في جريدة الأهرام وكان لم يزل رئيسا لتحريرها، وطالب السادات أن يوقف توزيع مجلة الحوادث في مصر.. ولقد زادت الحوادث من تصعيدها للموقف خصوصا وان حدة الضجة الإعلامية ضد هيكل قد لها أبعادا جديدة بعد أن نشر مايلز كوبلاند كتابه الثاني الذي قدم أدلة جديدة.. فضلا عن أن مجلة الحوادث قامت بالكشف عن معلومات مضافة مستندة إلى مصادر سوفيتية.. إذ تقول تلك ” المعلومات ” أن نيكيتا خروتشوف رئيس مجلس السوفييت الأعلى اتهم محمد حسنين هيكل أثناء عقد أحد الاجتماعات في موسكو عام 1957 وكان في وفد يرأسه جمال عبد الناصر بأنه عميل لأجهزة المخابرات الأمريكية، إذ كانت السفارة الأمريكية تزوده بمعلومات ينتقد من خلالها الاتحاد السوفييتي، وأنه تلقى مبالغ من الأموال بشيكات إبان زيارته للولايات المتحدة الأمريكية.. وينقل سيار الجميل عن جمال الشلبي في أطروحته التي أعدها في جامعة باريس (السوربون) بفرنسا عام 1995، معتمدا على حوار شخصي مع هيكل أجراه معه بالإسكندرية عام :1995 “غير أن هيكل نفى هذه المعلومات وقال أن المال الذي تلقاه كان لقاء المقالات التي نشرها في نيويورك تايمز وواشنطن بوست حول حرب كوريا، لكن خروتشوف لم يقتنع بهذه التوضيحات مما اضطر هيكل إلي مغادرة الاتحاد السوفييتي في اليوم التالي”.. كما أن هيكل نفى التهمة عنه في أكثر من كتاب له مقدما حججه ضد أولئك الذين اتهموه، وخصوصا نيكيتا خروتشوف.. ولكنه لم يرد على مايلز كوبلاند وغيره من الخصوم المصريين الذين لم يكتفوا بمقالاتهم في الصحف المصرية ضده، بل وصل الأمر بأحدهم واسمه محمد جلال كشك أن يؤلف كتابا كاملا ضد التجربة الناصرية التي يتهمهما، مركزا على هيكل بشكل خاص وعنوان الكتاب: ” ثورة يوليو الأمريكية وعلاقة عبد الناصر مع المخابرات الأمريكية “). كما أن الصحف الرسمية المصرية إبان عهد السادات كانت توجه انتقاداتها واتهاماتها لهيكل.. ووصل الأمر إلى السادات نفسه الذي وصف هيكل دون أن يذكر أسمه علنا، بل قال بأن: (لهذا الصحفي موقف مختلف من السوفييت: فهو يطالب دائما بحوار مع الولايات المتحدة الأمريكية لأنه كان عميلا ذا علاقات منتظمة معها قبل عبد الناصر( الشلبي ص291- نقلا عن الأهرام 21 أبريل عام 1977) “” *** ===========

يقول سيار الجميل أن سر عقدة هيكل أنه يتوهم أنه يكشف أسرارا لم يكشفها سواه ولم يكن يعرفها غيره، و أنه صانع تاريخ لا كاتبه فقط، و أن الزعماء العرب لا دراية لهم من دون أن يوجههم محمد حسنين هيكل! وانه مستودع أسرارهم وحركاتهم وسكناتهم، وهو يعرف مخادع نومهم وتفصيلات برامجهم ومناهـج بروتوكولاتهم، لقد توضح لنا الآن عند نهايات عمر محمد حسنين هيكل ورؤية نتاجاته، مما كتبه من الأسرار والمعلومات والأفكار والأخبار والآراء التي قالها وحكاها له زعماء عديدون لم ينشرها في حياتهم، إنما أبقاها- إن كانت صحيحة كما يدعي- كي ينشرها بعد وفاتهم واحدا بعد الآخر، ومنهم: جمال عبد الناصر ومحمد رضا بهلوي، شاه إيران أنور السادات والملك الحسين بن طلال والملك الحسن الثاني وغيرهم من الزعماء والمسؤولين العرب وغير العرب.. وهو الآن، ينتظر أجل أحد من الزعماء العرب في دولة عربية كبيرة أو أكثر من دولة كي يبدأ بنشر تفصيلات وأسرار سياساته، وطبيعة علاقاته.. ثم يكرس الصفحات الطوال لتدبيج لقاءاته به، وما حكاه إليه، وما ساقه عنه.. إلي آخره من البضاعة المعهودة .. ناهيكم عن دور هيكل في رسم طريق تلك الدولة فضلا عن دوره في الكشف عن أسرار زعيمها وعلاقاته وارتباطاته وزياراته! وعليه، لماذا تمكث المعلومة الخطيرة حسب ما يراه هيكل، طويلا في أرشيفه الخاص ولا يفكر بنشرها إلا حين يكون شهودها غائبين. يضع هيكل نفسه باستمرار في مركزية الأشياء محاولا أن يضع الآخرين من حوله مهما بلغت قيمة ذلك الآخر؟ انه دوما يختارهم أو بالأحرى يلتقطهم من ذوي الكاريزمات التاريخية الباهرة.. وسرعان ما يضعهم جميعا في نقاط خلاف سياسية معه، بعد أن يجعلهم مهتمين به أشد الاهتمام وان لا عمل لديهم إلا السعي لملاقاته والتحدث إليه ساعات وساعات.. وانه يستجيب لذلك من خلال المهام الموكولة إليه، يدخل معهم في جدل مصورا إياهم كونه في مستواهم.. فيعطي لنفسه الحق في أن يجيبهم بحدة!! كما ويحرص على أن يشعر القراء أنه يعرفهم منذ زمن طويل وان ثمة ذكريات يحملها حتى عن مشتريات خاصة بهم من أحد أسواق القاهرة.. *** من أجل ذلك كله دقت أجراس الخطر داخل رأسي.. واشتعلت المصابيح الحمراء تنذر.. لماذا لم يبدأ هيكل – وكان أولي به أن يفعل- أن يبين لنا موقع الإسلام من منظومته الفكرية وموقعه في مشروع إنقاذ الأمة.. هل يعترف له بدور خارج نطاق المسلمين الفقراء؟.. بل كان عليه أن يقول لنا خاصة بعدما اتهمه الرئيس السادات و آخرون بالإلحاد، كان من حقنا عليه أن يقول لنا هل ما زال مسلما، فذلك هام لتقبل مشروعه أو لرفضه، و أعترف، أنا شخصيا، أنه مما قربه كثيرا إلى قلبي ذات يوم إجابته على سائل سأله: هل قرأت القرآن؟ فإذا به يجيب إجابة أذهلتني: تقول قرأته؟.. بل حفظته كله!!.. جزء مهم من مشروعه الفكري إذن أن يحدثنا عن منطلقاته ومرجعياته والأسس التي سنتحاسب في النهاية عليها. لا أعتقد أنني مجبر على كثير من الاعتذارات لأنني أسأل الرجل عن دينه، فقد تفضل هو نفسه بإباحة هذا، وبإبراز أهميته في التأثير على الرأي العام وعلى رأس الحكم، وذلك عندما كتب في العديد من كتبه متهما الملكة نازلي بالخيانة الزوجية والعلاقات غير الشرعية والارتداد عن الإسلام.. واتهام ابنتيها باتهامات مماثلة.. هيكل إذن يهتم بدين الشخصية العامة لانعكاساتها السياسية.. إذن.. الحديث عن الشخصية العامة لا يعتبر السؤال عن الدين كفرا يُذهب إلى النار أو إرهابا يرسل إلى جوانتانامو. دعنا الآن من باقي الاتهامات الجنسية التي لم يكتف هيكل بالرمز إليها بل ذكرها في تفصيل مقزز، كما ذكرت في مقالة سابقة ( من ذلك وعذرا للغثيان الذي سأسببه للقارئ كتابته عن أن الملك فاروق كان مصابا بالتهاب صديدي في اللثة، و أنه بسبب كراهيته لناريمان، كان يتعمد نقل العدوى إلى لثتها أثناء علاقتهما الخاصة.. وهو ما أقصده بأنه لا يمكنه إثبات ذلك ولو كان شريكهما في الفراش).. دعنا من ذلك، فالأهم هو المنهج الذي واجه به هذه الاتهامات، هل قدم الدليل؟ هل قدم الشهود؟ هل قدم الإقرار؟ بل من الأصل: هل يمكن إثبات أي من ذلك بصورة تستحق أي قدر من التقدير والاحترام.. ودعنا من الأدلة الشرعية الآن فالمسافة بعيدة بعد المشرقين.. والإجابة عن السؤال : لا.. عدا رواية يتيمه مصدر الثقة الوحيدة فيها عند هيكل أن كاتبها “خواجة”.. وهذه واحدة أخرى.. فلو أننا تناولنا ما كتبه مايلز كوبلاند .. الموظف الكبير في المخابرات المركزية الأمريكية، في كتابه الشهير: ” لعبة الأمم” والذي نفدت طبعته اللندنية الأولى في ثلاثة أيام.. لوجدنا أن اتهاماته لهيكل مستندة إلى أدلة وقرائن أقوى بمئات المرات من أدلة وقرائن هيكل حين يكتب التاريخ. إذن.. مع كل احترامنا للأستاذ إلا أننا نقرر أن قرائنه ضعيفة و أدلته مشكوك فيها ورواياته بذلك يمكن أن تكون مطعونا عليها. لكننا قبل أن نترك هذا الجزء نذكر عرضا تعليق صحافي عربي على ما كتبه هيكل عن التفاصيل الجنسية لحياة الأسرة المالكة بحجة أن ذلك كان له تأثيره البعيد على السياسة. يقول الصحافي العربي: ولماذا لم يتحدث هيكل عن الفضائح الجنسية التي كان المشير وحاشيته أبطالها، وتأثيرها على السياسة كان أفدح بكثير من تأثير والدة الملك وشقيقتيه. *** كنت أود أن يبدأ هيكل حديثه عن أمة الإسلام ببيان موقفه من الإسلام.. لكن هيكل لا يريد أن يراه على الإطلاق.. لسبب جوهري.. أدركته فجاشت مشاعري.. ذلك أن هيكل ينظر إليه كبقايا جسم جريمة.. هو فاعلها.. وكالقاضي.. كان يجب أن يستشعر حرجا يجعله يتنحى عن نظر القضية.. أقصد عن إلقاء المحاضرات.. *** ============  الموضوع الرئيسي لكتاب مايلز كوبلاند هو ثورة يوليو الأمريكية وتجنيد هيكل بواسطة المخابرات الأمريكية.. ============ ما يلز كوبلاند ليس صعلوكا إذن ولا مبتزا، إنه واحد من كبار المسئولين في المخابرات الأمريكية وقد استمرت علاقته بكل الضباط الأحرار وهيكل ومصطفي أمين لفترة طويلة. يقول إيفيلاند، وهو ضابط مخابرات أمريكي آخر، مؤيدا كوبلاند: منذ أوائل الخمسينيات جند كيم روزفيلت ومحطة السي آي إيه في القاهرة ثلاثة من الصحفيين المصريين البارزين كعملاء للمخابرات الأمريكية هم محمد حسنين هيكل والأخوان أمين.. مصطفى وعلى.. و أن عبد الناصر كان يعرف ذلك . *** ما زال التساؤل يطاردني : لماذا لم يحدد هيكل موقفه من الإسلام.. أو على الأقل دور الإسلام في الصراع.. هل نشهره؟.. هل نقتله؟؟ هل نخفيه كعوره؟؟!! ولككني أقرأ في لعبة الأمم: ” وقد بذلت المخابرات الأمريكية كل جهودها في استبعاد الإسلام عن أي سلطة، فقد أشار مايلز كوبلاند عميل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، والذي أشرف على تنفيذ كثير من الانقلابات في العالم العربي، أشار في كتابه الشهير (لعبة الأمم) إلى أنهم قرروا أن يرفع جمال عبد الناصر في مصر شعار القومية العربية على الرغم من أن الشعار الإسلامي سيعطيه مساحة جماهيرية أكبر، ولكنهم خافوا من انتشار الإسلام، كما أرادوا أن تكون القومية العربية أداة لكبح جماح التيار الإسلامي المتنامي، فحصل المراد وتم ضرب ذلك التيار في مصر وكثير من الدول العربية ضربة كبيرة.” *** لا يثق سيار الجميل بصدق روايات هيكل ولا بقوة توثيقه ويرى أن كتاباته كلها تهدف إلى هدف سياسي بغرض معين .. والغرض مرض تموت فيه الحقيقة.. يقول سيار: دعونا نتوقف عن واحد من أبرز كتب محمد حسنين هيكل وأهمها.. عنوانه “سنوات الغليان ” في جزئه الأول الذي يتضمن حالة العرب وأوضاعهم، وخصوصا في المشرق العربي أبان عقدي الخمسينيات والستينيات، وقد عالج فيه صاحبه جملة من الموضوعات الساخنة التي عايشها عندما كان هو نفسه في قلب الأحداث على عهد الرئيس جمال عبد الناصر.. وقد آليت إلا أن أقف عندما أثارتني بعض النصوص التي أوردها هيكل، وكأنه كتب الكتاب على هواه دون أي مرجعيات ومصادر تاريخية ووثائقية.. (…) في مقدمته، يسهب هيكل في الحديث عن نفسه، ولم يستطع- كعادته- إلا أن يضفي عليه هالة من النوع الذي عرفناه في بقية كتبه.. فهو يكتب في مقدمته: ” وأتذكر أن الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران دعاني يوما إلى غداء كنا على مائدته وحدنا في مطعم ليب بـ: سان جرمان، وناولني نسخة من كتابه السنبلة وحبة القمح وهو يحوي طرفا من مذكراته وخواطره.. ” (سنوات الغليان، ص  وراح يكتب عن حوار بينه وبين ميتران حول فلسفة الحرب والسلام، حتى يصل إلى أن يقول: “ثم آثرت أن أغير الموضوع وانتقل منه إلى غيره! ” (سنوات الغليان، ص 9).. نعم، إنه لوحده على مائدة فرانسوا ميتران، وأنه أهداه نسخة من كتابه، وأنه حاوره في الحرب والسلم.. ولما لم يعجب هيكل بما قاله ميتران آثر أن يغير الموضوع، وينتقل منه إلى غيره! *** ========== يقول جلال كشك في كتابه ثورة يوليو الأمريكية – دار الثقافة الجديدة ط 3 – : ” كانت التقاليد المصرية العريقة تقضى بدفن الجثة بعد أربعين يوما، ولك هاهي رمة تاريخية مر عليها أربعون عاما ويرفض البعض أن نواريها التراب أو أن يفتح ملفها السري ليعرف المصريون سر ما حاق بدولتهم وأمتهم. سر هذه المعجزة- الكارثة التي غيرت خريطة الشرق الأوسط- وحسمت الصراع العربي الإسرائيلي فيما يبدو، وكأنه الهزيمة الشاملة لمصر والعرب والانتصار الإسرائيلي الساحق في حجمه وسهولته.. ولابد أن نواجه الحقيقة.. إن كان ثمة أمل في خلاص لابد أن نقول إن عبد الناصر كان ضرورة لقيام إمبراطورية إسرائيل، ولم يحدث أن تحقق خلال سبع عشرة سنة أن انهارت دولة وتألق خصمها مثلما حدث في عهد عبد الناصر بين مصر وإسرائيل. إن الصراع بين مصر و إسرائيل لم يكن أبدا مجرد غضبة لحقوق الشعب الفلسطيني، و إن دار فترة على أرض فلسطين، إنما المواجهة الرئيسية بين مصر و إسرائيل كانت حول الشرق الأوسط، (…) وقد استطاع انقلاب يوليو أن يمنع الشعب المصري من القيام بمهمته التاريخية، وهي التصدي للاستعمار الإسرائيلي.(…).. والآن بعد أربعين سنة تبدو النتيجة شديدة الوضوح غير قابلة للمكابرة. إسرائيل أقوى دولة في الشرق الأوسط، ومصر تراجعت إلى الدرجة الرابعة بعد أن تفوقت عليها إسرائيل وتركيا وإيران. (…) إسرائيل في رعاية الولايات المتحدة وبفص صدام التي أسقطت التكليف عن دول الخليج، تتفاوض من أجل التطبيع مع العرب كلهم وبلا أي تنازل من جانبها، بل لاقتسام ثروة وماء العرب، وأخذ حصة الأسد في أسواقهم. وما كان يمكن أن يتحقق ذلك إلا بفضل ثورة يوليو وما أفرخت من ثعابين! (…) *** يقول جلال كشك في مكان آخر من نفس الكتاب أن إسرائيل لم تكن تبحث عن دولة بل عن قاعدة لإمبراطورية. *** إنني أرجو القارئ أن يلاحظ أن تعبير الإمبراطورية الإسرائيلية ، والذي لا بد روع معجبي هيكل، فاعتبروه دليلا على نفاذ بصره وسعة بصيرته، هذا التعبير بحذافيره استعمله جلال كشك قبل هيكل بعشرين عاما على الأقل، أما محتواه ومضمونه فقد كان معروفا منذ الفراعنة، وأنه، قبل قيام دولة إسرائيل، كان هناك من يقول – لعله الشيخ مصطفي صبري- أنه طوال ألف و أربعمائة عام فإن المنطقة الممتدة من الصين إلى المغرب قد تعودت أن تعيش بعاصمة مركزية واحدة، و أنه يخشى أن تكون هذه العاصمة – بعد انهيار دولة الخلافة – دولة يهودية. ولقد أدرك كل المفكرين الإسلاميين هذه الحقيقة.. وكان منهم أولئك المفكرون الذي شارك هيكل في إعدامهم.. وعلى رأسهم الشهيدين سيد قطب وعبد القادر عودة. الإمبراطورية الإسرائيلية التي تمتد خارج العالم العربي ليست إذن اكتشافا عبقريا مذهلا لهيكل، وليست حتى سرا، إنما حقيقة جاهد هو أن يطمسها نصف قرن حتى لم يعد إلى طمسها سبيل فعاد ليطرحها بصورة أخرى. بل إن هيكل نفسه يعترف أن ثورة 23 يوليو نفسها كانت جزءا من هذا التصور والتطور، تطور الإمبراطورية الأمريكية وفي بؤبؤ العين منها إسرائيل وكان هذا شديد الوضوح منذ البداية، وليس الأمر وضوحه فقط، بل وتم الاتفاق عليه، فلماذا أجل هيكل اكتشافه خمسين عاما ليبدو لنا مزهوا باكتشافه ضائقا بغبائنا. *** لقد حاولت كثيرا يا قراء أن أنقل لكم وجهة نظر جلال كشك كاملة، لكن وجهة نظره تستعصي على التلخيص. لذلك أنتهز فرصة قيام الجميل بعرض فصل من فصول ثورة يوليو لأستعين به. وقد أورده الكاتب كدليل ليس على عدم مصداقية هيكل فقط، بل على تعمده التزوير.. يقول الجميل: التاريخ البلاستيك: وقفة عند اتهامات كشك لهيكل.. كان هذا هو عنوان الفصل الأول من كتاب محمد جلال كشك الذي خصصه في الهجوم الصارخ على محمد حسنين هيكل.. وخص الفصل الأول في نقد كتاب “ملفات السويس” في طبعتيه العربية والإنجليزية، علما بأن عنوان الطبعة الإنجليزية للكتاب هو: “السويس قطع ذيل الأسد: نظرة مصرية”. ويعد جلال كشك من أقسى المهاجمين الذين تعرضوا لهيكل ، فقد وصم كشك محمد حسنين هيكل بالكذب والتزوير والاستهتار والتهريج (المرجع نفسه، ص 37- 38)الكتاب بل ووصل في هجومه عليه ليصفه بالعمالة والخيانة والمأجورية والتجسس (المرجع نفسه، فصول الكتاب. يقول الجميل أنه راجع بدقة مقارنات جلال كشك، و أنه يشهد بأنها كلها صحيحة.. ملحوظة: ولعل القارئ يذكر ما نشرته منذ شهور، عندما تعرضت لكون لإصلاح الزراعي هو فكرة أمريكية، ألح بها الرئيس الأمريكي روزفيلت على الملك فاروق منذ عام 1945. وساعدني صديقي الأستاذ محمد طاهر في كندا في العثور على نسخة من الطبعة الإنجليزية كي أتأكد بنفسي من تعمد هيكل للتدليس.. ولقد تأكدت!! انتهت الملحوظة. نعود إلى سيار الجميل في قراءته لكتاب جلال كشك: ثورة يوليو الأمريكية:” 1. الطبعة العربية من كتاب ” ملفات السويس “- يقول كشك- ” هي التي سقطت منها وقائع وحقائق في غاية الأهمية، وأنها طالت بشقشقة اللسان والتهريج ببطولات كاذبة استحى هو أن يعرضها للقارئ الأجنبي، أو أخطر ناشرة الإنجليزي إلى حذفها تمسكا بشرف الكلمة، واحتراما لهذا القارئ الأجنبي.. الذي كان عند حسن ظنهما فاستقبل هذه الطبعة ببرود لم يجابه به أي كتاب لهيكل ذاته. يكتب هيكل في الطبعة العربية من ملفات السويس عن مجموعة من الناشرين الإنجليز والفرنسيين والأمريكان والألمان واليابانيين يطالبونه بكتاب عن السويس.. وهذا ما كرره هيكل في مقدمة كتاب قصة السويس (بالعربية)، وسنراه يكرره في مقدمة كتاب حرب الخليج (بالعربية).. أما في الطبعة الإنجليزية، فلا نجد فيها هكذا كلام وادعاءات .. لماذا؟ إن ذلك ببساطة هو جزء من صناعة دعائية واضحة للمؤلف هيكل بنفسه عن نفسه لترويج نفسه عربيا.. وقد نجح كثيرا في مهمته هذه، إذ كان معظم القراء العرب وما زالوا يصدقون ما يكتبه هيكل وما يروجه عن نفسه بنفسه.

2. لقد سجل الناقد على هيكل بعد مقارنته بين الطبعتين من ” الكتاب مسألة تشويه هيكل لوثيقة روزفلت والتي أرسلها إلي الملك فاروق، إذ حذف من الطبعة العربية جملة خطيرة جدا تقول: ” واقترح الرئيس الأمريكي على ملك غير متجاوب، اقترح تقسيم الملكيات الكبيرة في مصر وتسليمها للفلاحين لزراعتها (وكلمة الفلاحين بالأحرف اللاتينية إذ ظهرت بشكل Fellahin) ( ) السويس: قطع ذيل الأسد وقارن ذلك مع الطبعة العربية التي حذفت منها الفقرة كاملة، لا لسبب إلا لأن القارئ العربي سيعلم بأن مشروع الإصلاح الزراعي هو أصلا مطلب أمريكي منذ 13 فبراير / شباط 1945، أي قبل ثورة يوليو المصرية بسبع سنوات!

3. تشويه هيكل قضية الأمة العربية في صراعها الاستراتيجي ضد الصهيونية، واعتباره في النسخة الإنجليزية ” قطع ذيل الأسد ” بأن إسرائيل خاضت حربا ضد بريطانيا وعملاء بريطانيا من الحكام العرب وان الإنجليز أرادوا الدخول المصري في حرب فلسطين لحرف أنظار المصريين عن النزاع معهم، وكان في وسع الإنجليز الاعتماد أبدا في الطبعة العربية الموسعة. أما هذا الكلام الذي كتبه هيكل، فما هو إلا تشويه متعمد لطبيعة الصراع المبدئي بين العرب والصهاينة.

4. وبصدد وحدة وادي النيل، نرى هيكل يقول في كتابه ” قطع ذيل الأسد ” (بالإنجليزية): ” مسألة السودان أو ما يسمى بوحدة وادي النيل لعبت دورا هاما في مفاوضات ما بعد الحرب، فقد كان مفهوما أنها قضية عزيزة على قلب الملك فاروق، الأمر الذي لا يستطيع أحد من وزرائه تجاهله. لكن عندما اختفت الملكية أصبح الطريق سالكا للسودان لكي يستقل عن كل من مصر وبريطانيا ” (قطع ذيل الأسد) إلا أن هذا الكلام ينافي الحقيقة التاريخية، فلقد صوت السودانيون بأغلبية ساحقة مع وحدة وادي النيل في أول انتخابات حرة تشهدها بلادهم. وأن أول خطاب أذاعه محمد نجيب بصوته كان موجها إلي : “إخواني أبناء وادي النيل “. وان البرلمان المصري على امتداد عهده شهد مشروعية وحدة وادي النيل (ثورة يوليو)..

5. ونشهد قراءة النص التالي في الطبعة الإنجليزية ” قطع ذيل الأسد ” والمفتقد من الطبعة العربية، إذ يقول: ” كان ناصر وصحبه يتطلعون بأمل للأمريكيين، لم يكن عالم اتصال مباشر سابق مع الأمريكيين ” (قطع ذيل..، ص 33). ونسأل أيضا: لماذا لم نجد هذه “المعلومة” فعلا في الطبعة العربية “ملفات السويس، وإذا لم يكن هناك ثمة اتصال مباشر سابق.. معنى ذلك أن هناك اتصال غير مباشر سابق! علما بأن هيكل نفسه كتب قبل عشر سنوات من نشره هذا الكلام، وبالذات في كتابه “قصة السويس “، أي في سنة 1976 كتب يقول: لم يكن هناك اتصال بين الثورة (1952) والولايات المتحدة قبل ليلة 23 يوليو ” (قصة السويس، ص 68). في حين يغير النص في طبعة سنة 1986 المزيدة والمنقحة، ليقول: لم يكن لهم اتصال مباشر مع الأمريكيين (قطع ذيل الأسد، ص 33).

6. عندما يتحدث انتوني ايدن وزير خارجية بريطانيا عن ذكرياته مع الملك فاروق وباشوات مصر.. فان هيكل يخفي النص كاملا في الطبعة العربية ” ملفات السويس “، في حين ينشره كاملا في الطبعة الإنجليزية “قطع ذيل الأسد “، لماذا؟ لأن نص كلام إيدن يمتلأ بالكراهية للملك والاستصغار بمصطفى النحاس وتحذير ساسة مصر القدماء. إذ يقول انتوني ايدن بحكم معرفته بحكام مصر السابقين من طراز فاروق والنحاس، فان الثورة لم تفاجئه، وأنه طالما حذر السياسيين القدامى من اللعب بالنار بإثارة مشاعر الجماهير بالدعاية ، وكان واضحا أن هذا تحذير موجه للجدد أيضا ” (قطع ذيل..، ص 64).

7. في الطبعة العربية، يكتب هيكل بأن الولايات المتحدة هي المتبنية لحلف بغداد، وكانت مصممة على ضم مصر إليه، ولكن بسبب مقاومة مصر قررت عزلها فترة حتى “تستبعد مصر وتأثيرها عن الموضوع كله حتى يستقر رأيها على ما سوف تفعله، وسوف تجد نفسها (أي: مصر في النهاية مرغمة على اللحاق بالآخرين، وإلا وجدت نفسها معزولة” (ملفات السويس، ص 360). أما في الطبعة الإنجليزية، فلقد أقتصر هيكل على أن يقول: ” أكد الأمريكيون لعبد الناصر أنه لا نية لديهم في الانضمام لحلف بغداد ” (قطع ذيل الأسد، ص71).

8. ثمة انتقادات ومقارنات وتعليقات وملاحظات دقيقة أخرى سيجدها القارئ في الفصل الأول الموسوم: التاريخ البلاستيك وهيكل في كتاب ” ثورة يوليو.. ” لمحمد جلال كشك، وجميعها صحيحة بعد مطابقة الطبعات العربية من “ملفات السويس ” بالطبعة الإنجليزية من ” قطع ذيل الأسد ” ويستطرد سيار الجميل: وبرغم الأسلوب السياسي الذي هاجم فيه محمد جلال كشك عدوه اللدود محمد حسنين هيكل، واختلافي مع اللغة التي استخدمها كشك في هجومه على هيكل، في استخدام الأسلوب السياسي ضده، إلا أن في كتاب ” ثورة يوليو الأمريكية.. ” إدانات “واضحة ومقارنات صحيحة لا حصر لها في المعلومات التي سجلها المؤلف على كتب هيكل، وان كشك قد وثق جملة كبيرة من مقارناته التي سيستخدمها الباحثون في نقد هيكل بمتابعاتهم عنه مستقبلا.. علما بأن هيكل لم يرد حتى يومنا هذا على اتهامات كشك وغيره ، وهذا ما يضعف من كتابات الرجل، خصوصا وان الاتهامات لم تكن قليلة، فلقد بلغت عدد صفحات كتاب كشك (645) صفحة. ومن يقرأ كتاب محمد جلال كشك سيقف جائرا جدا ليست إزاء رجل اسمه محمد حسنين هيكل، بل إزاء جملة من الأسرار التاريخية في حياة العرب إبان النصف الثاني من القرن العشرين.. والتي اعتقد أن ألغازها ستحلها الأجيال العربية القادمة في القرن الحادي والعشرين. ***

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: