مقالة > صفحات مجهولة من تاريخ العلاقات السورية الأمريكية

     مقالة > صفحات مجهولة من تاريخ العلاقات السورية الأمريكية

صفحات مجهولة من تاريخ العلاقات السورية الأمريكية (1) (1865-1970م)

محمد فاروق الإمام moh2008_almam@yahoo.com كانت سورية على الدوام بطبيعة موقعها الإستراتيجي والحضارات التي تعاقبت على أرضها وإطلالتها على البحر المتوسط، والثروات الطبيعية الهائلة الدفينة في باطن أرضها، وديناميكية شعبها المبدع الخلاق، المتنوع الأعراق والأديان والمذاهب والمعتقدات واللغات، والتسامح والتعايش السلمي الفريد بينها، محط أنظار كثير من دول العالم وأطماعها منذ فجر التاريخ وإلى اليوم، الذي باتت فيه الولايات المتحدة الأمريكية هي الدولة الأعظم التي تستفرد بقيادة العالم وتفرض الهيمنة على معظم دول هذا العالم كبيرها وصغيرها بما تملكه من قوة عسكرية فتاكة، واقتصاد متين وقوي – رغم ما يعتريه من مشاكل – وتتحكم بمقادير العالم ومصائر شعوبه مشرقه ومغربه وتقرر ما تريد عبر الأمم المتحدة ومجلس الأمن الذي تهيمن عليه، وتصدر القوانين من مجالسها التشريعية لتغدو قوانين يُعمل بها في كل العالم، وكانت سورية على الدوام عصية على الولايات المتحدة منذ فجر استقلالها، وهي ترفض بإباء وشمم وصايتها ونفوذها على أرضها أو الارتباط بأحلافها، فهل ستظل سورية بنظامها الشمولي بعيداً عن أي لون من ألوان الوحدة الوطنية الصحيحة والقوية التي تمثل كل أطياف النسيج المجتمعي السوري بأعراقه ومعتقداته وأديانه ومذاهبه عصية على الولايات المتحدة ومؤامراتها؟! وإننا إذ نتمنى ذلك وننشد، نستعرض بإيجاز تاريخ العلاقات السورية الأمريكية منذ عام 1865 وحتى عام 1970م. كان بداية تدخل الولايات المتحدة في سورية عام 1865م، حيث بدأت بإرسال البعثات التبشيرية الإنجيلية وفتح المدارس في بعض المناطق السورية النائية، وأغرت السكان كي يبعثوا بأولادهم إليها دون أي مقابل، وبعد سقوط الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى التي بدأت عام 1914م وانتهت بانتصار الحلفاء عام 1944م، قررت عصبة الأمم الانتداب على منطقة الهلال الخصيب التي قسمت وفق اتفاقية (سايكس – بيكو) بين فرنسا وبريطانيا، وقد بعثت عصبة الأمم لجنة أمريكية سميت (لجنة كراين) عام 1920م للتعرف على رغبات السكان، على أساس اختيارهم للدولة المنتدبة التي يفضلونها على غيرها، وقد طالبت كل العرائض التي قدمت إلى اللجنة بالاستقلال النهائي ورفض اتفاقية (سايكس – بيكو)، وإذا لم يكن هناك بد من الانتداب، فقد فضل السكان الولايات المتحدة على غيرها من الدول باعتبارها صاحبة رسالة في العالم تستند على وحدانية البشر وريادة دورها العالمي، ولها تجارب في ذلك، فقد استقلت عن بريطانيا ووحدت أراضيها، وتقدمت في جميع العلوم، وأصبحت من أغنى دول العالم, فعشية الحرب العالمية الأولى كان دخلها يساوي دخل بقية دول العالم مجتمعة، وإن لم يكن فلا بأس من انتداب إنكلترا، والرفض التام لأن تكون الحماية فرنسية. لكن دخول الفرنسيين السريع إلى دمشق إثر معركة ميسلون، وقضائهم على استقلال سورية، وإبعادهم الملك فيصل عنها، كان له أثره في نفسية الشعب السوري الذي كان يحبذ تدخل الولايات المتحدة دون باقي الدول الأوروبية، وقد سمع بإعلان الرئيس (ولسون) ومبادئه الأربعة عشر، التي أنصف بها كل الشعوب وتمنى لها الحرية والاستقلال وتقرير المصير. ولدى دخول الولايات المتحدة الحرب إلى جانب الحلفاء ضد دول المحور، أيد الكثير من السياسيين السوريين، ومنهم الرئيس شكري القوتلي، الحرب على المحور، بل وأعلن الرئيس القوتلي الحرب على المحور عام 1945م باسم سورية ولبنان، وكان هذا الإعلان سبباً في دخولها مؤتمر سان فرنسيسكو عام 1945م، والمشاركة في تأسيس هيئة الأمم المتحدة، حيث أيدت الولايات المتحدة خروج القوات البريطانية والفرنسية عن سورية، مما كان له تأثيراً إيجابياً على الشعب السوري تجاه الولايات المتحدة الأمريكية. وبعد خروج القوات الفرنسية والبريطانية من سورية في نيسان عام 1946م، رفض الرئيس شكري القوتلي (اتفاقية التابلاين) التي تسمح بمرور النفط السعودي عبر الأراضي السورية إلى البحر المتوسط، الذي تملكه وتديره شركة (أرامكو، الأمريكية – السعودية)، كما رفض قرار الهدنة بين الدول العربية وإسرائيل الذي أصدرته الأمم المتحدة، وسلك مسلكاً متشدداً تجاه إسرائيل برفضه إجراء أية تسوية بالنسبة للاجئين الفلسطينيين، وطالب بلواء الاسكندرونة السوري الذي ضُم إلى تركيا أيام الانتداب الفرنسي. أمريكا – بقيادة الرئيس (هاري ترومان) – من جهتها كانت تنظر إلى سورية، داخل إطار إستراتيجيتها الإقليمية، بوصفها تمثل قلب الشرق الأوسط، ومرور خطوط أنابيب النفط في أراضيها، وطرقها الجوية الإستراتيجية، وضخامة كمية النفط والغاز فيها، إضافة للموارد الأخرى، وأهمية الاحتكارات الأمريكية فيها، ودورها الرئيسي في الأزمات السياسية بسبب موقعها كبوابة لشرق البحر المتوسط، ونشاطها الكبير حكومة وشعباً في الشؤون السياسية والثقافية للعالم العربي، فكانت المشكلات التي نتجت عن احتلال فلسطين، مثل مشكلات ترسيم الحدود، وموقفها من اللاجئين فيها منذ عام 1947م، قد قادت الولايات المتحدة إلى التدخل لتنصيب ديكتاتور أطلقت عليه اسم (ديكتاتور جمهورية الموز” ، وسمة هذا الديكتاتور بحسب رأي (ديفيد وليش) هي عداؤه للشيوعية، ورغبته بالسلام مع إسرائيل، ويحقق مصالحها الاقتصادية، وكان الجنرال (حسني الزعيم) هو الرجل المطلوب الذي يمكن أن تعتمد عليه أمريكا في تنفيذ أجندتها في المنطقة. فقام الزعيم بانقلابه المدبر ليلة 30 آذار عام 1949ممبتدئاً سلسلة الانقلابات التي كانت السبب المباشر لضياع فلسطين، مستغلاً تذمر الناس من النكبة التي حلت في فلسطين، ونقمة الناس على الجيش السوري الذي لم يقم بواجبه الأكمل تجاه فلسطين، والفساد الذي كان يعشعش بين قياداته، والتي كشفها النائب فيصل العسلي وطالب بمحاكمة الضباط الفاسدين في الجيش وعلى رأسهم حسني الزعيم. وفضَّ الزعيم فور نجاح انقلابه البرلمان وقبض على زمام الدولة، واعتقل قادة الأحزاب والسياسيين، ولاحق الوطنيين وكل الذين رفضوا التعاون معه، وتلقب بالمشير. وألف وزارة ودعا إلى انتخابه رئيساً للجمهورية.. فانتخبه الناس خوفاً في 26 حزيران عام 1949، وراح يتمثل في حكمه، بغرور وصلف وتجبر، نابليون وأتاتورك وهتلر. وهكذا نجحت أمريكا في تنصيب رجلها حسني الزعيم حاكماً على سورية ، فلبى سريعاً ما أرادته منه، فعمل على ما يلي: 1-       عقد اتفاقية الهدنة مع إسرائيل. 2-       القبول بالمساعدات الأمريكية التي رفضها شكري القوتلي. 3-       تحسين العلاقات مع تركيا حليفة الغرب. 4-       القضاء على الحياة الديمقراطية والدستورية في سورية. 5-   التصديق على امتياز شركة أرامكو القاضي بأن تقوم شركة التايلاين بنقل النفط السعودي إلى البحر المتوسط عبر سورية بشروط الشركة. وهذا ما أكده مسؤول المخابرات الأمريكية السي أي إيه في دمشق (مايلز كوبلاند) في كتابه (لعبة الأمم) بقوله: (انتهينا إلى نتيجتين بخصوص سورية، فهي مقبلة إما على ثورة دموية مسلحة يقودها الانتهازيون الاشتراكيون، أو حركة عسكرية بدعم سري منا، وبالطبع كنا مع خيارنا، وكان انقلاب الزعيم من إعدادنا وتنظيمنا، وقد حافظ الانقلاب كما رسمنا له، على صيغة سورية بحتة أمام الجميع). وبالفعل قامت المخابرات الأمريكية بالتخطيط لهذا الانقلاب في السفارة الأمريكية في دمشق، وتحت توجيهها، ثم قتلته بواسطة سامي الحناوي بعد أن تمرد على أوامرها، كما كان حسني الزعيم على علاقة جيدة مع الملحق العسكري الأمريكي قبيل الانقلاب، وعشية الانقلاب طاف حسني الزعيم مع السفير الأمريكي في شوارع دمشق على متن سيارة مكشوفة، إضافة لعلاقته بالسي أي إيه، وقد برر (مايلز كوبلاند) هذا الانقلاب بأنه كان ضرورياً من أجل الديمقراطية في سورية (هذه هي الديمقراطية التي يريدها لنا الغرب!!) وقررت الولايات المتحدة وحلفاءها فرنسا وبريطانيا عدم بيع السلاح لسورية قبيل حرب عام 1948م، لإدراكهم بأن سورية يمكن أن تلعب دوراً فاعلا في إفشال مخططات الغرب، وتحول دون استقرار المنطقة وتهديد أمن إسرائيل.   صفحات مجهولة من تاريخ العلاقات الأمريكية السورية(2) 1865-1970م محمد فاروق الإمام أطاح الجنرال سامي الحناوي فجر الرابع عشر من آب عام 1949 برجل أمريكا (أي بعد أقل من خمسة أشهر من انقلابه)، وسلم المدنيين الحكم وأعاد الجيش إلى ثكناته، وأشرف هو بنفسه على سياسة الحكومة، وناوأ الولايات المتحدة وسعى إلى إفشال مخططاتها في سورية، وسعى لإقامة وحدة بين سورية والعراق، فعملت أمريكا على استخدام عملائها لإيقاف نهجه باعتباره مؤيداً لمشروع الهلال الخصيب، وتسخيره الجيش لتحقيق هذا المطلب الشعبي، بعد فوز حزب الشعب بأغلبية مقاعد الجمعية التأسيسية، وهذا ما أكده وزير خارجية الولايات المتحدة (دين أشيسون). ونجحت الولايات المتحدة مجدداً بالإطاحة بخصمها اللدود سامي الحناوي، ودفعت بالجنرال أديب الشيشكلي لينفذ انقلابه الأول على الحناوي في 19 كانون الأول عام 1949 (أي بعد انقلاب الحناوي بنحو ثلاثة أشهر) ليكون حاكماً لسورية، وكان هذا على علاقة بـ(مايلز كوبلاند)، فكان انقلابه الأول في مصلحة الولايات المتحدة، وقد أكد على استعداده لقبول السلام مع إسرائيل، وتوطين اللاجئين الفلسطينيين في سورية، والتفاوض لإجراء اتفاقية دفاع مشترك مع تركيا، والسعي للتوصل إلى اتفاقية مع الولايات المتحدة، بشأن المساعدات العسكرية، بعد أن رفض الرئيس هاشم الأتاسي مشروع النقطة الرابعة الذي أطلقه الرئيس الأمريكي (هاري ترومان) ومفاده: (إمداد الدول الأقل نمواً بالمساعدات التكنولوجية، والعسكرية وفي إطار دعم هذه الدول وتقويتها اقتصادياً، لتتمكن من مواجهة واستئصال النفوذ السوفياتي الشيوعي)، إضافة لرفض هاشم الأتاسي الاشتراك في مشروع القيادة الشرق أوسطية التي لمحت إليه الدول الغربية. وعندما قامت الجماهير السورية بالتظاهر تنديداً بالعدوان الأمريكي على كوريا عام 1950م، أقدم الشيشكلي على حل الأحزاب السياسية، وشن حملة اعتقالات ضد كل معارضيه ومعارضي سياسته. كما أن الولايات المتحدة قد أصدرت في 29 أيار عام 1950م، بالاتفاق مع بريطانيا وفرنسا الإعلان الثلاثي الذي تضمن تعهد هذه الدول الثلاثة بتأمين الوجود الإسرائيلي، وبتحقيق التوازن في سباق التسلح بين الدول العربية من جهة، وإسرائيل من الجهة المقابلة، والتعهد بالتصدي لأي محاولة لتعديل الوضع القائم (تعديل إتفاقية سايكس – بيكو) أو تغيير في الحدود التي أرستها اتفاقية الهدنة بين العرب وإسرائيل عام 1949م، وقد زاد أعداد رجال السفارة الأمريكية في دمشق عقب الانقلاب الأول للشيشكلي، كما زاد عدد رجال الأعمال الأمريكيين في سورية، ووقعت سورية عدداً من الاتفاقيات التجارية مع الشركات الأمريكية مثل شركة باكتيل، وشركة نفط العراق البريطانية. وعندما شكل معروف الدواليبي في تشرين الثاني عام 1951م حكومة أعلنت أنها ستتبنى الحياد، وستشتري السلاح من الدول الشيوعية لكسر الاحتكار الغربي، ومعارضة تدخل الجيش في السياسة، وأن رئيس الوزراء نفسه سيتولى وزارة الدفاع إضافة لرئاسة الحكومة، ونادت بالإصلاحات، كما رفضت المساعدات الأمريكية المشروطة بتوطين مليون فلسطيني في سورية، وتفضيلها للسوفييت على الأمريكان إن تعلق الأمر بمسألة اللاجئين وبالتنازلات لإسرائيل، وهذا أدى إلى استياء الولايات المتحدة التي وصفت رئيس الحكومة بأنه أكبر زعيم عربي معاد للأمريكان، ولهذا السبب، دفعت الشيشكلي لتنفيذ انقلابه الثاني على الحكومة المدنية برئاسة عدوها الشيخ معروف الدواليبي في 31 تشرين الثاني عام 1951 وجاء تأييد أمريكا لأديب الشيشكلي في انقلابه الثاني بعد 24 ساعة من تشكيل حكومة الدواليبي، حيث اتهم الشيشكلي حزب الشعب بالعمل لبيع سورية وتخريب جيشها وإعادة الملكية، وسلم الشيشكلي السلطتين التشريعية والتنفيذية للزعيم فوزي سلو، على أن يساعده الأمناء العامون بدلاً من الوزراء، وبعد برهة من الزمن رشح نفسه للرئاسة، وفق استفتاء صوري في 9 تموز عام 1953م وفاز في 11 تموز عام 1953م. وكان أول المهنئين له السفير الأمريكي في دمشق، ثم قام الشيشكلي بإجراء انتخابات تشريعية في 9 تشرين الأول عام 1953م فازت فيها (حركة التحرير) – الحزب الذي شكله الشيشكلي –  بمعظم مقاعد البرلمان، أي بـ 72 مقعد من أصل 82 مقعد، ومقعد واحد فقط للحزب القومي السوري، وتسعة للمستقلين.   ابتعد الشيشكلي عن أمريكا والغرب بعد تسلمه مقاليد الحكم دستورياً، وعقد في 24 أيار عام 1953م معاهدة مع نظام محمد مصدق الإيراني القومي، وأعلن تضامنه مع إيران ضد مخططات الغرب، واشترط على الغرب أن يقوم التعاون معه على أسس عادلة ومتكافئة، ورفض مشروع النقطة الرابعة، وطالبه بزيادة المخصصات المقدمة لسورية من شركة البترول العراقية البريطانية التي تمر أنابيبها عبر سورية، إلى نسبة 45 بالمائة من الأرباح، واعتبر أن المساعدات الأمريكية المقدمة لسورية غير كافية، ورفض مشروع الدفاع الشرق أوسطي. وهدد بإلقاء إسرائيل بالبحر في ظل تأسيسه لجيش قوي متقدم على أحسن طراز، وأصر على أن تحل الولايات المتحدة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، مع ضرورة تدويل القدس، وترسيم الحدود، وجعل نصف الميزانية السورية تصرف على الجيش السوري، وصعد من لهجته المناهضة للغرب وللصهيونية. وفي الداخل عادى كل الأحزاب السياسية، ولاحق كل الزعماء الوطنيين، وهذا جعله يصاب بجنون العظمة، مما قللت هذه الأشياء من اعتماد الولايات المتحدة عليه ومهدت السبيل لإسقاطه في 25 شباط عام 1954م.   صفحات مجهولة من تاريخ العلاقات الأمريكية السورية(3) 1865-1970م محمد فاروق الإمام بعد سقوط الشيشكلي ازداد النشاط الشيوعي في سورية، لذلك قررت الولايات المتحدة تنفيذ نظرية (دالاس) على سورية، تلك النظرية التي تتعلق بمفهوم الحزام الإستراتيجي الجنوبي ومؤداه : (فصل مسؤولية الدفاع الإقليمي عن مسألة الصراع الإسرائيلي أو الصراعات العربية العربية، من خلال مفهوم الردع الشامل عبر قواعد إقليمية هامة، يشن منها الهجوم على مراكز القوة السوفيتية مع التعاون مع القواعد الإقليمية ضد هذه القواعد)، مما حذا بالأحزاب اليسارية والشيوعية إلى زيادة نفوذها من خلال إدعائها بأن الولايات المتحدة تدعم اليمين المحافظ الممثل بحزب الشعب ذي الأغلبية البرلمانية، وتشويه صورته وصورة الحزب الوطني، خاصة بعد سقوط نظام محمد مصدق في إيران عام 1953م ومقتله على يد الانقلابيين، من خلال الجنرال زاهدي، إضافة إلى انقلاب غواتمالا، وكلا الانقلابين، إيران وغواتمالا كانا بفعل المخابرات الأمريكية، وهذا أدى لزيادة قوة اليسار في المؤسسات السورية وخاصة المؤسسة العسكرية رغم أن اليمين ظل صاحب الشارع وصاحب الأغلبية في كل شيء يتعلق بالحياة السياسية السورية، لكن هذه الأغلبية ظلت أغلبية مجزأة ومفككة وغير منتظمة بعكس المعارضة اليسارية التي تتسم بالدقة والتنظيم الجيد، لذلك عملت الولايات المتحدة على الدخول في بعض المؤامرات الانقلابية تمهيداً لجر سورية إلى الوحدة مع مصر، كون مصر مخترقة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، وتكون فائدة الولايات المتحدة من ذلك ابتعاد سورية عن العراق أولاً والشيوعية ثانياً، لذلك عملت على اللعب بعدة أوراق فكانت تلعب مع المعارضة اليمينية من جهة، وتلعب مع القوى اليسارية القومية من جهة أخرى، وما يؤكد ذلك أن جميع محاولاتها الانقلابية سواءً التي دخلت فيها بمفردها أو مع دول أخرى لإسقاط النظام، وإقامة حكم موال لها بشكل ظاهري وواضح، باءت بالفشل، كما أن الوحدة بين سورية ومصر، حققت لها القضاء على الشيوعية في الدول المجاورة لسورية، إضافة لسورية نفسها، لذلك عملت الولايات المتحدة على تأكيد الدور المصري المعادي لبريطانيا وفرنسا في المنطقة، كما ضغطت اقتصادياً وتموينياً (النفط) على بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، لوقف العدوان الثلاثي على مصر في آب عام 1956م، وأكد على دورها في ذلك الرئيس جمال عبد الناصر بقوله: (إن الولايات المتحدة تبقى الصديق الوحيد لمصر بعد اشتراك فرنسا وبريطانيا في العدوان)، خاصة أن الولايات المتحدة كان لها الدور الأكبر في سقوط عرش الملك فاروق، وأن السفير الأمريكي هو الذي نصح الملك فاروق بالاستسلام على أساس تخوفه أن يسقط الحكم المصري بيد الإخوان المسلمين أو الشيوعيين، وهما القوتان الوحيدتان اللتان لم تتمكن الولايات المتحدة من اختراقهما. ومما أثار اليسار السوري أن الولايات المتحدة بعثت إلى سورية في حزيران عام 1954م برئيس المخابرات العسكرية الأمريكية الجنرال (تروده)، مما حذا باليسار إلى المطالبة بتغيير وزير الدفاع معروف الدواليبي والضغط على الرئيس هاشم الأتاسي لرفض المساعدات الأجنبية، وضرورة رفع المستوى المعيشي، وتحقيق إصلاحات ديمقراطية، ويبرز التناقض في هذه الآراء أنه لا يمكن رفع المستوى المعيشي إن لم تقبل المساعدات الأمريكية، وهنا يتبين دور اليسار في تحقيق الإستراتيجية الأمريكية بشكل غير مباشر، وبالفعل أدى ذلك لسقوط الحكومة في حزيران عام 1954م، فكانت بعض المحاولات الانقلابية التي تدخلت فيها الولايات المتحدة وأفشلتها في نفس الوقت، باعتبار أن عندها عملاء في الطرفين، (المعارضة والحكومة)، في نفس الوقت، بالرغم من دعوة السفير الأمريكي في دمشق على الدوام، بوضع حد للنشاط الشيوعي في سورية، الذي كان يؤيده اليسار القومي بشكل ظاهري، ومن أهم هذه المحاولات، خطة (ألفا) وتسمى أحياناً عملية التيه أو عملية الانتشار، وكانت عام 1956م حيث اجتمعت لجنة أمريكية بريطانية عراقية، لتدارس مخطط انقلاب عسكري، فقدمت الولايات المتحدة قسماً من الأسلحة للمتآمرين، كما قدم العراق قسماً آخر، إضافة إلى بعض الأموال، والرشاوى لبعض السياسيين، كما صرف زعيم الحزب الوطني في حلب ميخائيل إليان معظم ثروته لإنجاح الخطة التي ستكون نتائجها وحدة العراق وسورية، وفي تشرين الأول عام 1956م حشد العراق قسماً من قواته على الحدود الأردنية السورية بهدف دعم الانقلابيين، لكن كشفت المؤامرة نهاية عام 1956م، خاصة أن من بين المتآمرين كان محمد معروف الذي كان له علاقة قوية بالسي أي إيه وكان يقود تكتلاً عسكرياً في الجيش، إضافة إلى أن غسان جديد الذي كان يقود تكتلاً عسكرياً آخرً في الجيش، وهرب إلى لبنان بعد تورطه في قتل عدنان المالكي.كما نشرت صحيفة المنار التابعة لجماعة الإخوان المسلمين في الحادي عشر من نيسان من عام 1957م، أن الحوراني وعفلق اجتمعا بالسفير الأمريكي لمدة ساعة، وبعد فشل الخطة السابقة وازدياد المد الشيوعي إثرها، أعلن (آلن دالاس) رئيس المخابرات المركزية الأمريكية السي أي إيه، أنه لا توجد قيادة حقيقية في سورية، وعلى الولايات المتحدة أن تبدأ بخطة أخرى، فكانت (خطة أوين) التي اشترك فيها الشيشكلي، وإبراهيم الحسيني الذي كان ملحقاً عسكرياً في إيطاليا، عام 1957م، لكن كشفت الخطة أيضاً، وعلى إثر فشلها وتورط مسؤولين في السفارة الأمريكية فيها، أعلنت الحكومة السورية أن (هوارد ستون) مسؤول السي أي إيه في السفارة الأمريكية، وخبير انقلابات عسكرية شخص غير مرغوب فيه، باعتباره نفذ عدداً من الانقلابات العسكرية وآخرها انقلاب الجنرال زاهدي ضد الزعيم الإيراني محمد مصدق، إضافة إلى (فرانك جيتون) وهو مستشار السفير الأمريكي، ووضع الملحق العسكري الأمريكي بدمشق (روبرت مالوري)  تحت المراقبة الشديدة، فردت الولايات المتحدة بطرد السفير السوري من واشنطن، وبالطبع فهذه الإجراءات الروتينية والمسرحية غير مهمة مادامت الإستراتيجية الأمريكية تسير حسب الخطة الموضوعة. وفي كانون الثاني عام 1957م، أعلن الرئيس الأمريكي (أيزنهاور) عن مشروعه الذي سمي بمشروع أيزنهاور، والذي اتهم فيه الاتحاد السوفييتي برغبته في السيطرة على العالم من خلال نشره للشيوعية، وإن محور اهتمامه في الشرق الأوسط لهذا الغرض، كما رأى وزير خارجيته (جون فوستر دالاس) أن الولايات المتحدة تنظر إلى الدول المتخلفة، على أنها غير قادرة على المجابهة أمام الدول الكبرى، وأنها لابد أن تقع في شرك الشيوعية السوفيتية، وأنه يتوجب على الولايات المتحدة أن تتدخل لتضمن استقلال هذه الدول، وعلى هذا الأساس خول الكونجرس الأمريكي، الرئيس (أيزنهاور) إقامة نظام دفاعي من خلال بعض الدول الشرق أوسطية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، لوقف المد السوفيتي الذي يتهددها، وقد اشتركت عدة دول فيه أهمها العراق، وتركيا، ولبنان، فأرسلت الولايات المتحدة سكرتير وزير خارجيتها (لوي هندرسون)، إلى تركيا، وقابل كل من رئيس الحكومة التركية عدنان مندريس وملك العراق فيصل الثاني، وملك الأردن، الحسين بن طلال، في آب عام 1957م، ثم قابل، رئيس لبنان كميل شمعون، بعد ذلك صرح (هندرسون) قائلاً: (إن الولايات المتحدة مستعدة لتقديم الدعم الملائم لجيران سورية المسلمين في حالة تعرضهم للانتهاكات السورية)، وبما أن السي أي إيه مخترقة لمجلس قيادة الثورة المصرية، كما يؤكد ذلك (مايلز كوبلاند)، فقد تدخلت مصر وأعلنت شجبها للتدخل الأمريكي في الشؤون العربية، وإن ما ستقدمه من مساعدات هو عبارة عن رشوة للأقطار المشتركة معها في الحرب الباردة لتقويض القومية العربية، رغم أن مصر نفسها كانت منذ حركة محمد نجيب وحتى الآن تتلقى المساعدات الأمريكية، وبسبب هذه السياسة المصرية تجاه مشروع أيزنهاور، توترت العلاقات المصرية العراقية، باعتبار أن العراق ولبنان أيدا المشروع، وكانت مصر قد تكفلت بالقضاء على المد الشيوعي في سورية والعراق، وهذا أفسح المجال لها لتلقي المساعدات الأمريكية حيث منحتها الولايات المتحدة قرضاً من خلال صندوق النقد الدولي، لبناء السد العالي، ومن المعلوم أن هذه المساعدات تقع ضمن الإستراتيجية الأمريكية التي تقول: (إننا نستخدم برامجنا الاقتصادية والعسكرية، لدعم القائمين فعلاً أو نأتي بالنظام الذي يقدم وعداً بدعمنا)، لذلك ركزت الولايات المتحدة على دعم دور الزعيم الفرد الموالي لها باعتباره أقدر على معالجة الآثار المحلية والإقليمية المترتبة على سياسته، وحين يسقط هذا الزعيم فإن الولايات المتحدة، تركب موجة السخط النابعة من الشعب ضد نظام الحكم السابق، فكانت إستراتيجية الولايات المتحدة لإيقاف المد الشيوعي في سورية، إضافة لإستراتيجياتها السالفة الذكر، بشن حرب سرية بالوكالة من خلال مؤيدي حلفائها. وإخضاع سورية للهيمنة المصرية. بريطانيا العجوز التي بدأت تتطلع للعودة إلى المنطقة بعد أفول نجمها وسحب الولايات المتحدة البساط من تحتها دعت إلى قيام حلف بغداد عام 1955م، ليكون مركزا لقاعدة عودتها إلى المنطقة، لكن الولايات المتحدة عارضت هذا الحلف بشكل خفي، لعزمها في أن تحل محل بريطانيا ومحل فرنسا في الشرق الأوسط والعالم بشكل عام، وقد أدركت بريطانيا ذلك فاقتنعت بعدم قدرتها على منافسة الولايات المتحدة الأمريكية، فآثرت السير خلفها، وكانت الولايات المتحدة، ضمن إستراتيجيتها لتقويض الحلف، أن دخلت في اللجنة العسكرية لهذا الحلف في آذار عام 1957م، حيث بدت وكأنها تريد مهاجمة سورية، على أساس أن هذا الانضمام يتيح لها بالاتفاق مع دول الحلف على مهاجمة سورية، بحجة أنها تهدد أمن المنطقة، خاصة بعد أن اقترب الأسطول السادس من الشواطئ السورية، وتمركز قوات تركية على الحدود السورية، وكان هذا التصرف من أمريكا والحلف الجديد لدفع سورية للاقتراب من مصر والابتعاد عن العراق تمهيداً للسيطرة عليها، وإدخالها ضمن متطلبات السوق الرأسمالية العالمية الذي تقوده الولايات المتحدة، لأنه لا فائدة للولايات المتحدة بالتدخل العسكري في سورية، باعتبار أن ذلك سيفسح المجال لزيادة التدخل البريطاني في المنطقة، وهذا ما لا تريده الولايات المتحدة، التي ترغب بالانفراد بالسيطرة، وتقويض أي قوى منافسة لها في المنطقة، إضافة لما سببه هذا الحلف من عدم استقرار حكومي في سورية منذ قيامه عام 1954م وحتى الوحدة مع مصر عام 1958م، لكن هذا لا يعني أن هذا الحلف هو وحده الذي أثار تدخل الولايات المتحدة في سورية، لأن تدخلها ازداد أكثر مع سقوط الشيشكلي منذ عام 1954م، خاصة عندما قبلت سورية بالصين لتشارك في معرض دمشق الدولي، حيث احتجت الولايات المتحدة على قبول سورية لمشاركة الصين الشعبية، باعتبارها لا تعترف بها في ذلك الوقت، فكان هذا الاحتجاج قد أثار مشاعر الشعب السوري الذي طالب بطرد السفير الأمريكي من دمشق، أيضاً كان رفض الحكومات السورية المتعاقبة لمبدأ أيزنهاور فقامت البضائع الأمريكية بمضاربة البضائع السورية في أوربا، وفسخت المصانع التركية والعراقية المعتمدة على القطن السوري عقودها مع سورية، كما قاطعت معظم الدول المرتبطة بالولايات المتحدة، معرض دمشق الدولي، وأعلنت شركة نفط العراق الأنكلو أمريكية تقليص إنتاجها، ووقف العمل في بناء أكبر خطوط النفط عبرها، وطردت آلاف العمال السوريين، كما رفض البنك الدولي – الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة وحلفاءها- تقديم القروض إلى سورية أو التعامل معها، فكان كبح جماح الوحش اليساري الذي صنعته الولايات المتحدة من خلال ما يسمى بالأحزاب القومية العربية، من خلال سيطرة الولايات المتحدة على الدولة ذاتها من خلال بعض أعضاء النظام المصري المخترق له من قبلها، وما يؤكد ذلك أنه في نهاية عام 1957م زار الموفد الأمريكي (نورمان توماس) سورية، والتقى بالحوراني، قائلاً إنه: اتفق مع عبد الناصر، على حل مشكلة تزايد السكان في مصر، وإن الهلال الخصيب يواجه مشكلة نقص السكان، وقد أيد الحوراني هذا الرأي على أساس أنه سيزيد من فرص التنمية في سورية، وكان لهذا الموفد الدور الأول في استئناف المساعدات والقروض الأمريكية لمصر، بعد لقائه بعبد الناصر، كما أن هذا الموفد قد أيد الوحدة المصرية السورية، وكان قد زار مع مرافقيه مكتب حزب البعث في دمشق وألقى محاضرة شجع فيها البعثيين للسعي إلى الوحدة مع مصر ، وهذا دفع الحوراني ليناصب كلا الحزبين الرئيسيين (الشعب والوطني) العداء، وإثارة الفتن داخلهما. ثم عملت الولايات المتحدة على التخلص من القوى اليمينية التي قد تعترض قيام الوحدة بين سورية ومصر، حيث شجعت بعضها للقيام بانقلاب، ثم كشفت المؤامرة من خلال عملائها أيضاً، فكان انقلاب المقدم هشام العظم بالاتفاق مع السي أي إيه، في نيسان عام 1957م، لكن تم الكشف عن العملية قبل بدء التنفيذ. وبعد قيام الوحدة في شباط عام 1958م، اتهم الحوراني عبد الناصر بأنه متآمر على الشعب السوري والفلسطيني، وأنه مرتبط بالولايات المتحدة، وبرر قوله أن الرئيس المصري السابق محمد نجيب طلب مساعدة من الاتحاد السوفيتي عام 1953م، واعترض على البند الرابع من اتفاقية الجلاء في تشرين الأول عام 1954م، المتعلق بالسماح لبريطانيا باستخدام قاعدة قناة السويس في حالة حدوث اعتداء سوفييتي على تركيا أو أي دولة في الشرق الأوسط، وكانت موافقته لهذا البند ستجعل مصر تحصل على وعد بالجلاء وتقديم المساعدات الأمريكية التي تقدر بـ 20 مليون دولار، إضافة إلى 20 مليون دولار أخرى كمساعدات عسكرية، وأن الولايات المتحدة من خلال السي أي إيه قد سعت لإبعاده لهذا السبب وعقدت اتفاقية بنفس الشروط مع القيادة المصرية الجديدة بعده، كما أن نظام الوحدة قد أثار مشكلة الأكراد في سورية بغية إشغال الشعب العراقي والسوري عن الوحدة بينهما، وفي سبيل تحقيق مصالح الغرب باسم القومية الكردية والإنسانية، فالغرب هو الذي أنشأ لهم المنظمات والمكاتب الكثيرة في كافة أنحاء أوربا، وهذا يتوافق مع الإستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط الرامية إلى تقسيمه إلى كانتونات طائفية وعرقية.   صفحات مجهولة من تاريخ العلاقات الأمريكية السورية(4) 1865-1970م محمد فاروق الإمام أطاح الجيش السوري المتذمر من هيمنة المصريين على الإقليم الشمالي، وتصرفات الضباط المصريين تجاه ضباط وأفراد الجيش السوري الفوقية، بقيادة عبد الكريم النحلاوي في 28 أيلول عام 1961م بدولة الوحدة (الجمهورية العربية المتحدة) بدون إراقة نقطة دم واحدة. وأكد أحد أعضاء السفارة الأمريكية في بيروت وهو (المستر لودار)، لعضو القيادة القطرية لحزب البعث الأردني جمال الشاعر أن الولايات المتحدة ساهمت في انقلاب الانفصال لأن النظام المصري تجاوز حدوده، وأنها سترد له اعتباره بانقلاب مضاد يقوم به البعثيون، كما أكد ذلك أيضاً زعيم حزب (الوحدويون الاشتراكيون) جمال الأتاسي مؤكداً على علاقة الحوراني مع الولايات المتحدة لإسقاط الوحدة. أما النظام الذي ساد بعد سقوط الوحدة وهو نظام ناظم القدسي فقد اتسم بمعاداته للسياسة الأمريكية، لأن مصر كانت الكابح لموقف سورية بالنسبة لقضية فلسطين، وقضية تحويل نهر الأردن، لذلك عملت الولايات المتحدة وإسرائيل على إسقاط هذا الوضع في سورية، فكان عصيان جاسم علوان في حلب عام 1962م، إضافة لعلاقة النظام المصري به، فقد وزعت القنصلية الأمريكية في حلب صور الرئيس جمال عبد الناصر على المتظاهرين، وهذا ما حذا برئيس الحكومة خالد العظم إلى المطالبة بطرد القنصل الأمريكي، فرد السفير الأمريكي في دمشق، بأنه لو حدث هذا فإن الولايات المتحدة سترد بقوة، وما يؤكد على دور الولايات المتحدة لإسقاط الوضع القائم في سورية، الذي أعاد الحياة الديمقراطية إليها، إبان حكم ناظم القدسي، ما أكده أحد المسؤولين الأمريكيين لأحد أعضاء الوفد السوري والذي زار الولايات المتحدة عام 1962 بقوله: (إن الولايات المتحدة لا يمكن أن تؤيد أي نظام في العالم الثالث ما لم يكن فيه قائد الجيش ورئيس المخابرات على اتفاق تام مع الولايات المتحدة)، وكان تصريح رئيس الحكومة خالد العظم للسفير الأمريكي عقب تشكيل حكومته قد أثار الولايات المتحدة بشكل كبير، حيث قال: (إننا لا نخدعكم بالقول المستحب عندكم، فلا نعدكم بما يعدكم به غيرنا، فنحن لا نقبل الصلح مع إسرائيل، ولا تحويل نهر الأردن، ولا توطين اللاجئين الفلسطينيين، ولكننا لن نقوم بهجوم على إسرائيل)، وبسبب ذلك عملت الولايات المتحدة منذ سقوط الوحدة على الضغط على البنك الدولي للحيلولة دون إقراض سورية، التي تسلمت خزينة فارغة بعد سقوط الوحدة، إضافة لما صادره النظام المصري من أملاك السوريين واللبنانيين الذين كانت لهم مشاريع ومصانع ورأسمال في مصر، وبعضهم كان موجود فيها منذ عقود طويلة، ووضع مدير البنك الدولي شروطاً كثيرة تهدد استقلال سورية، مما أدى لرفض الحكومة هذه الشروط. وبعد حركة زياد الحريري وبعض الضباط البعثيين والناصريين في 8 آذار عام 1963م، تتالت على النظام الجديد – نظام أمين الحافظ- القروض والمعونات بمبالغ ضخمة بحيث بلغت 40 مليون دولار، وهذا ما يؤكد أن الولايات المتحدة لم تكن راضية عن حكم ناظم القدسي، لذلك مهدت لانقلاب زياد الحريري من خلال انقلاب مبدئي في العراق في 8 شباط عام 1963م، الذي كان من تدبير السي أي إيه، وهذا ما أكده علي صالح السعدي. كما قام نظام البعث بعد عام 1963م بعقد اتفاقيتين مع الشركات الأمريكية النفطية، مما حذا بالحوراني أن يفضح هاتين الاتفاقيتين من خلال حزبه الجديد وهو (الاشتراكيون العرب)، حيث وزع صورة وثيقة البترول التي تؤكد أن النظام الجديد قد سلم موارد البترول السورية للشركات الأمريكية، مما حذا بنظام أمين الحافظ إلى زجهم في السجن حتى تشرين الأول عام 1965م، حتى أن السفير الأمريكي في بيروت (أرمان ماير) قال بعد انقلابي البعث في سورية والعراق: (إن من حق حكومتي أن تؤيد حزب البعث الحاكم في سورية والعراق، لما أظهره من شجاعة في مكافحة الشيوعية)، ومن هنا كان اعتراف الولايات المتحدة السريع بنظام الحكم الجديد في كل من سورية والعراق بعد الانقلابين الأخيرين، وتسلم البعث الحكم في البلدين المتجاورين، ودعم سياسة الحكومتين السورية والعراقية التي ترمي لمكافحة الشيوعية. كما أكد (مايلز كوبلاند) في كتابه لعبة الأمم هذه الحقيقة بقوله: (إن المخابرات الأمريكية مطالبة بخلق تيارات أكثر تطرفاً وتقدمية في الساحة العربية)،حيث وصل التيار الماركسي المتطرف الذي يؤيده صلاح جديد إلى الحكم، عقب انقلاب 23 شباط عام 1966م، وقد أكد الرئيس أمين الحافظ في برنامج شاهد على العصر الذي بثته قناة الجزيرة، أن اتفاق المعسكرين الشيوعي والرأسمالي هو الذي عين الرئيس نور الدين الأتاسي بعد انقلاب 23 شباط عام 1966م، والدليل على ذلك أنه رغم التطرف الظاهري لنظام الحكم الذي ساد في عهد الأتاسي وعدم استعداده لخوض أي معركة مع إسرائيل في ظل الفرق الشاسع بين الطرفين لصالح إسرائيل، إلا أن النظام خاض الحرب في حزيران عام 1967م وَهُزم، وكانت الولايات المتحدة قد أكدت لوزير الدفاع الإسرائيلي قبيل الحرب أن إسرائيل سوف تكسب الحرب بسهولة وفي مدة قصيرة، وحدث ما توقعته الولايات المتحدة، ورغم إلحاحها الظاهري على مشروع القرار 242 في 22 تشرين الثاني عام 1967م إلا أن النظام لم يقبل به بسبب تطرف النظام بدون مبرر، وقد أكد السفير السوري في مدريد العقيد دريد المفتي أن النظام عمل من خلال وزير الخارجية إبراهيم ماخوس، على حث إسبانيا للتدخل لدى الولايات المتحدة لقبول نتائج حرب 1967م، حيث سلم وزير خارجية إسبانيا بعد ذلك للسفير السوري في مدريد المذكرة التالية: (تهدي وزارة خارجية الحكومة الإسبانية تحياتها إلى السفارة السورية بمدريد، وترجو أن تعلمها أنها قامت بناءاً على رغبة الحكومة السورية بالاتصال بالجهات الأمريكية المختصة، لإعلامها برغبة سورية في المحافظة على الحالة الراهنة الناجمة عن حرب حزيران (يونيو) سنة 1967م… وتود إعلامها أنها نتيجة لتلك الاتصالات، تؤكد الحكومة الأمريكية أن ما تطلبه الحكومة السورية ممكن، إذا حافظت سورية على هدوء المنطقة، وسمحت لسكان الجولان بالهجرة للاستيطان في بقية أجزاء الوطن السوري، وتعهدت بعدم قيام نشاطات تخريبية من ناحيتها، تعكر الوضع الراهن). وقد نفذت الحكومة السورية بالفعل ما طلب منها، وعلى ذلك كانت هدية نظام الأتاسي، للولايات المتحدة وإسرائيل هو تدمير الجيش السوري بالتسريحات أولاً وبالهزيمة ثانياً، والانسحاب من الجولان وتوريط مصر التي خسرت سيناء وقطاع غزة، وأيضاً الأردن التي خسرت الضفة الغربية والقدس، بهذه الحرب دون أن يتخذ النظام تدابير وقائية أو أن يقوم بحرب فعلية، كما أن الولايات المتحدة قد دعمت إسرائيل بحوالي 200 طائرة سكاي وفانتوم، ولم يستطع النظام استعادة هيبته، رغم تصريحاته التي أخذ يطلقها ليدفع عن نفسه محنة اللاشرعية الملازمة لنظامه منذ البداية وزادت حدتها عقب هزيمة 1967م، مما دفعه لخوض حرب استنزاف بدأت عام 1969م، ثم رفض مبادرة روجرز في 9 كانون الأول عام 1969م لحل النزاع العربي الإسرائيلي، برغم قبول إسرائيل وعبد الناصر لها في حزيران عام1970م، حيث ندد النظام بالمبادرة وحرض عليها الفلسطينيين، مما حذا بإسرائيل ومصر إلى رفضها بسببه، رغم أنه كان الأولى بهذا النظام أن يأخذ ويطالب لكن المنهج اللاعقلاني الذي اتبعه كان يملي عليه التطرف في كل شيء، ومن المؤكد أن تطرفه هذا لم يكن بدافع ذاتي بل بتأثيرات خارجية، لأنه لا يعقل أن يرفض نظام منافع ذاتية، في ظل وضعه المتردي والذي في ظله استحالة تحقيق أي إنجاز أو نصر، لهذا كان الانقلاب الذي قاده وزير الدفاع اللواء حافظ الأسد عام 1970م وعرف بـ(الحركة التصحيحية) كرد على تطرف النظام واتجاهه اللاعقلاني في السياسة الخارجية والداخلية.                    

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: