لم يشكل ساحل الخليج العربي إغراءً اقتصاديا بل همّا أمنياً الي بريطانيا

رؤية جديدة لفترة السلام البريطاني 1971-1820

لم يشكل ساحل الخليج العربي إغراءً اقتصاديا بل همّا أمنياً
الوقت – أحمد العبيدلي- قسم الدراسات والتطوير:
إعادة النظر في الكثير من المقولات التابعة للفترة الاستعمارية، والعلاقات القائمة بين المستعمر والمستعمر مهمة وضرورية، ويرتدي ذلك أهمية بالمنطقة العربية. ولاتعوز الباحث الأسباب.
ومن أهمها الفشل الذريع لدول عربية عدة وقعت تحت الاستعمار بشكل أو بآخر في القدرة على التفريق بين المتطور والحديث والجيد وبين المتخلف والقديم والردئ في وسط تلك العلاقة.
تأسست العلاقة بين الغرب الحديث والعربي التقليدي على عامل فاسد منذ البدء، فلقد تطور هذا الغرب وانطلق مكتشفاً ومغيراً وفاتحاً من نطاق التصادم المباشر بين الحضارتين الغربية والعربية. وجدت النهضة الأوروبية الحديثة نفسها في الأندلس تنهض بقدر ما وجهت ضربات للحضور العربي. حينها بدا في أعين كثير من العرب والمسلمين أن تقدم الغرب مرتبط أرتباطاً لا فكاك منه مع محاولة القضاء على الحضور العربي. وكانت حركة الاستعادة الإسبانية والبرتغالية صريحة وحاسمة في تبنيها لنظرة صليبية لا تريد أن ترى في التواجد الإسلامي إلا أمراً ينبغي هزيمته وسحقه وتطهير الأرض منه. وشهدت الأراضي الأندلسية الشواهد المثبتة على ذلك. وبينما استقر العرب بالأندلس ثمانية قرون، بقي أصحاب الأرض بانتهاء فترة الحضور العربي. وبينما لم تشهد الأرض الإسبانية أية محاولة عربية للتخلص من سكانها، كان التصرف الإسباني بعكس ذلك. كان هدفه والتطبيق تطهيرياً بحتاً.
وحتى حين تحركت الأساطيل البرتغالية والإسبانية للكشف، حملت معها الروح الصليبية أينما ذهبت. ولم يكن القدوم البرتغالي المبكر للسواحل الشرقية الأفريقية ثم سواحل جزيرة العرب واختراقه للمياه الإسلامية تقليدياً بمختلف. كان أوائل المستكشفين وبمقدمتهم الفونسو البوكيرك وحين توغلوا في المياه الإسلامية في البحر الأحمر والخليج العربي، صليبيين بالفكر وبالتصرف حملوا معهم بما تضمن ذلك من قسوة في التعامل، ورغبة في السحق والقمع. ولقد استقرت تلك الروح الصليبية في الوجدان العربي إلى هذا اليوم.
وشهدت العواصم العربية الكبرى والتي سقطت تباعاً أمام الغزو الأوروبي واحدة تلو الأخرى منذ الغزو الفرنسي للجزائر والاستيلاء البريطاني التدريجي على مصر ومروراً بالغزو الإيطالي لليبيا ثم انتهاء بالانتداب الفرنسي البريطاني على بلاد الشام والذي أعقب الحرب العالمية الأولى معارك ضارية وعداء استمر لعقود من الزمن وترك ندوبه وآثاره النفسية والحضارية إلى يومنا هذا.
بمنطقة الخليج اختلف الوضع قليلاً. فبعد قرون من الصراعات الحادة والدماء المهرقة، استقر الأمر لقوة مهيمنة واحدة هي بريطانيا. وإذ استفادت من تجارب غيرها في الخليج، تصرفت بالأساس كقوة تجارية ولم تخلط الدين بالتجارة أو السياسة كثيراً. كانت بريطانيا في أوج قوتها العسكرية وقد سيطرت على الخليج بعد معارك خاضتها بمناطق أخرى بالعالم وأدت باختصار لشحذ قدراتها الاستعمارية وتحسين آلاتها المستخدمة. ثم أنها كانت قد استخلصت لنفسها سلطة مطلقة بالقارة الهندية والبحار المحيطة بها بما فيها منطقة الخليج.

ساحل قليل الإغراء
وتضافرت هذه الوضعية مع أمرين أساس بالخليج: الأول أن الضفة الغربية العربية منه لم تحتوي لا على مصادر مهمة ولا على أسواق واسعة. كانت نطاقاً صحراوياً به بعض البقع ذات الازدهار التجاري النسبي. لم يكن بذلك ليشكل موقع إغراء لبريطانيا. ولكن منطقة الخليج شكلت على الدوام امتداداً للبر العربي، وكانت عناصر البداوة بالجزيرة وما تتصف به من انتشار الحروب القبلية وروح الغزو قابلة للامتداد للمياه من الشواطئ الداخلية إلى مياه بحر العرب والمحيط الهندي. وكان يكفي لأن تتواجد قوى غير إسلامية، وأوروبية على وجه الخصوص، ليرتبط الغزو القبلي والجهاد الديني.
ولكن العالم كان في حالة تغير، واستقرار منطقة بحر العرب والمحيط الهندي كان يفسح المجال لنشاط اقتصادي جديد لا يفترض الحروب الدائمة، ويعطي الإمكانية لزيادة حجم الكعكة الناتجة عن ذلك النشاط بدل محاولة إعادة اقتسامها كما كان الأمر لقرون عديدة.
كانت تلك الخطوط كلها تتلاقى لتجعل من الحضور البريطاني مختلفاً. فلا الشاطئ العربي كان مغرياً لحضور مكثف أو استغلال إمبريالي للمواد، ولم يكن سكانه المبعثرون قادرين على تشكيل سوق واسعة. شكل بالأساس مصدر قلق أمني على بريطانيا، وبهذا المعنى شكل التدخل البريطاني والأمن الذي لحق تالياً منعطفاً حقيقياً بتاريخ الخليج، وهو بهذا المعنى كان مصدر قبول من أقسام واسعة من السكان كانت قد تعبت من حياة البداوة وعاداتها، وأوشكت على التعرف على نمط حياة جديد ليست الحروب القبلية والغزوات اليومية المتبادلة هي الطريقة الوحيدة به للعيش.
كان العالم يتغير وكانت القوى الأوروبية بوصولها لمناطق الخليج تعيد تشكيل المنطقة، وتعيد بالتحديد تغيير اقتصادها وتوجد منافذ للعيش، وأنشطة بشرية يمكن أن تشكل مصدر حياة لو ضمن الأمن وساد الاستقرار. وباختصار فكل الاقتصاد المحلي القائم على صيد اللؤلؤ والتجارة والملاحة يتطلب قدراً من الأمن وحسن الإدارة وانتظام الأمور، وكان الاضطراب في جنبات الخليج يعرض تلك الخطوات للخطر. ولم تفلح دولة بين قوى المنطقة الإقليمية ولا المحلية في التطور للوصول إلى السيادة على الجميع. كانت هناك قوى إقليمية كبيرة ومتوسطة وكانت هناك قوى محلية صغيرة وبالغة الصغر.
ومرة أخرى وجدت القوة البريطانية نفسها في وضع مؤات من حيث أن وجودها وهيمنتها، وطالما اقتصرت قوتها بالأساس على ضمان قدر من الأمن، محل قبول في المنطقة. ولذلك حملت الاتفاقيات الأولى مع شيوخ المنطقة محافظة على استقلالهم والتزام بريطاني بعدم التدخل بالشؤون الداخلية.
ارتبط التوصل إلى ذلك السلام وكما سبق القول بشن الحرب ضد القرصنة، أو ما سمي بذلك. ولقد عمل شيخ الشارقة الحالي، الشيخ سلطان بن محمد القاسمي جهده لإثبات أن النشاط البحري لقواسم تلك الأيام لم يكن قرصنة، ونشر أبحاثه في كتاب. على أن المؤكد أن منطقة الخليج كانت تمر بحالة تغير، ومثل أي شيء وأية ظاهرة فنشاط ما قد يبدو بمظهر ما في فترة معينة، وقد يظهر على نحو آخر بفترة أخرى. وكان النشاط البحري الذي يمثل امتداداً لروح الغزو القبلي قد آذن بالمغيب، ولم تعد مياه بحر العرب والمحيط الهندي بقادرة على استيعابه. وكانت بريطانيا بحضورها المطلق على سواحله الغربية بأفريقيا والشمالية بجزيرة العرب والشرقية بالهند هي القوة المؤهلة على إيجاد بديل آخر.
لم تتأسس الهدنة العامة في البدء سلمياً، وإنما تأتى ذلك بعد مواجهات توجتها حملة 1819-,1820 وبعد فرض السيطرة كان من الطبيعي أن تجد أية طلبات أو اختلافات طريقها للجهة المهيمنة طلباً للحل. كانت هناك خيارات محدودة أمام القوى المحلية، وحينما فرض الحضور البريطاني نفسه كان من الطبيعي أن تتوجه إليه طلبات إدارة سلام المنطقة. في الحقيقة وبمرور الوقت اتخذت المعاهدات البريطانية منحى آخر. بدأت بمنع القيام بنشاطات عسكرية بطبيعة تختلف عن إعلان الحرب، وانتهت لتمنع أية نشاطات ذات طابع عسكري دون أخذ الأذن من المسؤولين البريطانيين للقيام بها.
وتلاها منع القوى العربية من قيام أي منها بأي اتصال خارجي لا يمر عبر الطرف البريطاني. ولذلك فمقولة أن الجهة البريطانية بدأت تتسلم طلبات بالبقاء أو بحل المشاكل مقولة ينبغي جردها ومعرفة الظروف المحيطة بها.
وفيما يلي مقتطفات أخرى من كراس جيمس أونلي.

الهدنة البحرية: انطباع عام
تأسس السلام البريطاني عبر مجموعة معاهدات سلام، عرفت بمجموعها بالهدنة البحرية. … وهناك انطباع عام في الخليج الآن أن هذه المعاهدات والسلام البريطاني الناتج قد فرضت من فوق ضد رغبة حكام الخليج. العكس هو الصحيح. فلقد سعى الحكام حثيثاً للحماية؛ فلم يكن للسلام أن يؤسس منذ البداية دون موافقتهم ودعمهم.
كانت مسؤولية علاقات بريطانيا مع مشيخات الخليج وعمان مسؤولية دوائر حكومية متعددة عبر السنين. أدار تلك العلاقات بالأصل دبلوماسيون من حكومتي بومبي والهند البريطانيتين، بإشراف شركة الهند الشرقية (1600-1858) ومكتب الهند (1858-1949). وبعد استقلال الهند، أدار العلاقات الإنجليزية-الخليجية دبلوماسيون من وزارة الخارجية بلندن.
قبل القرن التاسع عشر، تمثلت المصالح البريطانية في الخليج في ثلاثة أمور: الخطوط البحرية بين بومبي والبصرة، والتي تربط الهند مع بريطانيا عبر حلب؛ تجارة شركة الهند الشرقية مع العراق وإيران وعمان؛ وحماية السفن والرعايا البريطانيين بالمنطقة. لم يكن لدى البريطانيين أية مصالح بشرق الجزيرة العربية خارج ميناء مسقط. ولكن ذلك تغير بالكامل عام .1797 فبدءا من تلك السنة وما بعد، ففرض الخوات والغزو لعرب الساحل الأدنى من الخليج÷فيما يشابه الممارسات البدوية على طول الطرق البرية ÷ هددت بتزايد المواصلات البحرية الهندية البريطانية. اعتبرت حكومتا بومبي والهند تلك الأعمال ابتزازاً وقرصنة. اعتقدوا بأن القواسم (ومفردها قاسمي) ÷ الأسرة الحاكمة بالشارقة وراس الخيمة ولنجة ÷ كانوا يقفون خلف تلك الغارات. ولإيقاف تلك الغارات، حاصر البريطانيون أسطولاً لداوات القواسم [نوع من السفن الكبيرة] في 1806 وأرسلوا حملتين بعامي 1809 و1819 ضد بعض موانئ القواسم. وبعد الحملة الثانية، تمكن البريطانيين من فرض معاهدة مضادة للقرصنة ÷ عرفت بالمعاهدة العامة لـ 1820 ÷ ضد القواسم وكل حكام وولاة ما يعرف اليوم بالإمارات العربية المتحدة. ودخل حكام البحرين بطلبهم بتلك المعاهدة، لأنهم كانوا يرغبون في تفادي دفع الخوات البحرية.
وأنشأت حكومة بومبي البريطانية منصب الوكيل السياسي لمنطقة الخليج الأدنى، ومركزه بجزيرة قشم بمضيق هرمز، لإدارة علاقات الهند البريطانية مع أولئك الحكام، وللإشراف على فرض المعاهدة العامة، ولحماية السفن البريطانية الهندية والرعايا التابعين في المياه العربية. بعدها بسنتين، في ,1822 نقلت الحكومة مقر هذا المنصب إلى بوشهر على الساحل الفارسي الجنوبي الغربي ودمجته بمنصب أقدم كثيراً للمقيم ببوشهر. وبات المسؤول الجديد، المقيم بالخليج ÷ المقيم السياسي بالخليج بعد 1850 ÷ مسؤولاً عن علاقات بريطانيا مع منطقة الخليج بمجملها. واستمر مقر المقيم، والمعروفة بمقيمية بالخليج، في بوشهر حتى ,1947 حيث نقل للبحرين. ودأب المقيم على زيارة مشيخات الخليج مرة واحدة فقط سنوياً بالقرن التاسع عشر، ومرتين سنوياً بالقرن العشرين. ولإدارة العلاقات البريطانية الدبلوماسية مع حكام الخليج على نحو يومي، احتفظ المقيم بوكلاء سياسيين بمرتبة أدنى بمسقط (حوالي 1758-1971) ، والمنامة (حوالي 1816-1971) والشارقة (1823-1953) والكويت (1899-1961) والدوحة (1949-1971) ودبي (1953-1971) وأبوظبي (1957-1971) وكذلك بالمقاطعة العمانية بجوادر حيث باكستان الحالية (1863-1958). وامتلك شبكة ثانية من الوكلاء على امتداد جنوبي إيران. وكانت وظيفة الوكلاء أن يراقبوا المصالح البريطانية ضمن مقاطعاتهم، ويجمعون المعلومات، يفرضون شروط المعاهدات، ويتعهدون بالعناية بالعلاقات الجيدة مع الحكام. وقد وصف السير روبرت هي (مقيم الخليج 1941-1946 ,42-53) علاقة الوكيل-بالحاكم على النحو التالي:
‘’العلاقات الشخصية القائمة بين الوكلاء السياسيين والحكام هي ميزة بارزة للموقع البريطاني بالخليج. فهما يقابلان كل منهما الآخر كثيراً، وبأكثر الأحيان اجتماعياً أكثر منها لمحادثات رسمية. ولربما ارتدت اللقاءات الاجتماعية أهمية أكبر من الرسمية منها، حيث أن إشارة تلقى هنا أو هناك وسط حديث عادي تحدث أثراً أكثر من النصائح الرسمية، فالحكام، وكونهم عرباً، فإنهم سريعو النفور من أي محاولة لتعليمهم واجباتهم. وعادة، ما تكون العلاقة بين الحاكم ووكيله السياسي، من الناحية المظهرية بكل الأحوال، هي علاقة أصدقاء شخصيين …’’

أسطول الخليج
ولدعم المقيم ووكلائه في فرض معاهدة السلم البحري فإن حكومة بومبي أنشأت أسطول الخليج عام 1821 لخفر مياه الخليج. وقد تكون أسطول الخليج من خمس إلى سبع قطع حربية أيام الشراع وسفينتين إلى أربع سفن مسلحة بعهد البخار (من ستينيات القرن التاسع عشر وما بعد). ولقد قادها ضابط بحري رفيع بالخليج وكان مقرها جزيرة قشم (1823-1913) وبعدها جزيرة هنجام (1911-1935) بمضيق هرمز وأخيراً البحرين بالجفير (1935-1971).
ولقد أصبحت الحماية البريطانية بشرق الجزيرة العربية محل رغبة شديدة إلى درجة وبعد فترة وجيزة من توقيع المعاهدة العامة لـ 1820 التي حرمت ‘’القرصنة،’’ فإن تجار اللؤلؤ الرئيسين بالشارقة عرضوا دفع خوة للبريطانيين بنسبة عشرين دولار ماريا تريزا (40 روبية) لكل سفينة إن أرسى أسطول الخليج سفينة حربية بشكل دائم في مصائد اللؤلؤ لحماية أساطيل الغوص.
– يتبع

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: