جمال عبد الناصر اخطاء و هزائم و مذكرات يوسف القرضاوي و زينب الغزالي

عبـــــــــــــدالناصر
عبد الناصر في الميزان /من مذكرات القرضاوي
ولقد توقفت فترة من الزمن في تقييم عبد الناصر‚ باعتباري ممن جرحتهم سهامه‚ وأصابهم ظلمه‚ ولا تزال آثار جراحه في جسده‚ وآثار مظالمه في نفسه‚ تأتيه في صورة كوابيس بالليل‚ وذكريات أليمة في النهار‚ ومضايقات في أشكال شتى‚ منها ما يعرفه الناس‚ ومنها ما لا يعرفونه‚ ومن كان في مثل حالي ربما لا يتوقع منه أن يكون منصفا في تقييم الرجل‚
ويهمني أن يعلم قارئي أني لا أدعي العصمة لنفسي‚ ولا أزعم أني فوق البشر الذين يتأثرون بمشاعر الحب والبغض‚ ولكني أرجو أن أسلك (النهج الوسط) الذي اخترته منهاجا لي في حياتي كلها‚ ورضيت به‚ وألقى الله عليه‚
لقد رأيت من الناس من يجعل من عبد الناصر:ملاكا رحيما‚ وبطلا أسطوريا‚ وقائدا لا يشق له غبار‚ وسياسيا فاق السياسيين‚ ومصلحا بز المصلحين!
هو عندهم منقذ وطني‚ ومحرر سياسي‚ وزعيم عربي‚ ورائد إفريقي‚ وربما أضافوا إليه: وقائد إسلامي! فهو الذي دبر الثورة‚ وطرد الملك‚ وحرر مصر من الإقطاع‚ وحررها من الإنجليز‚ وهو داعية القومية العربية‚ والتحرر الإفريقي‚ وأحد أبطال كتلة عدم الانحياز‚ ومنشئ المؤتمر الإسلامي في مصر‚
وزعم بعض المداحين: أنه سمع خطباء مصر الثلاثة (مصطفى كامل‚ وسعد زغلول‚ وجمال عبد الناصر) فوجده أبرز الثلاثة على التأثير في الجماهير بلغته الشعبية السهلة! (أي بلغته العامية المبتذلة فاق الخطباء الذين تدرس خطبهم في كتب الأدب)!!
إلى آخر ما يروج من سلع المديح والإطراء والمبالغات في سوق النفاق‚ حتى سمى بعض الكتاب مصر في ذلك العهد (نفاقستان)!
وما تضخه أجهزة الإعلام بمختلف أدواتها وألوانها من مواد مقروءة أو مذاعة أو متلفزة‚ كلها مسخرة لتمجيد الزعيم‚ وأقوال الزعيم‚ وأعمال الزعيم‚ وأفكار الزعيم‚ وبطولات الزعيم‚ لا تتوقف‚ ولا تتوانى‚ يوما ولا بعض يوم حتى مات! بل بعد أن مات إلى يوم 15 مايو 1971م يوم ضرب السادات (مراكز القوى) الناصرية ـ التي ظلت تحكم باسمه من بعده ـ ضربة قاضية‚ لم تقم لها بعدها قائمة‚
هنا بدأ المخبوء ينكشف‚ والمستور يظهر للعيان‚ والذي أخرسه الخوف يتكلم‚ والمخدوع بالدعاية والشعارات ينزع الغشاوة عن عينه ليرى‚ وبدأت الصحف (القومية المؤممة) تفيض بالمقالات والتحقيقات والتعليقات‚ وأصحاب الأعمدة اليومية يفيضون بما كتموه في صدورهم‚
وظهرت كتب كثيرة تتحدث عن مظالم تلك الفترة‚ وعن مآسي تلك السنين‚ وعن الأموال التي هلكت‚ وعن الفرص التي ضاعت‚ وعن القباب الضخمة التي شيدت وليس تحتها شيخ‚ وعن الدعايات الهائلة التي ضللت الشعب‚ حتى جرى وراء السراب يظنه ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا!!
ظهر كتاب توفيق الحكيم (عودة الوعي) وظهر كتاب جلال الحمامصي (حوار وراء الأسوار) وكتاب المستشار محمد عبد السلام (سنوات عصيبة) وكتاب سامي جوهر (الصامتون يتكلمون) وكتاب محمد عبد الرحيم عنبر (محاكمات جمال عبد الناصر) وكتابه (ويل لهؤلاء من محكمة التاريخ) وكتاب محمد شوكت التوني (قضية التعذيب الكبرى) و(محاكمات الدجوي) وكتاب (في معتقل أبي زعبل) لإلهام سيف النصر‚ وكتاب د‚ إبراهيم عبده (رسائل من نفاقستان) و(مذكرات عبد اللطيف البغدادي) وكتاب (كلمتي للتاريخ‚‚ كنت رئيسا لمصر) للرئيس محمد نجيب‚ وكتاب صلاح الشاهد (ذكرياتي بين عهدين) وكتاب محمد أنور رياض (القابضون على الجمر) وكتاب عادل سليمان وعصام سليمان (شهداء وقتلة في عهد الطغيان) ومصطفى أمين في كتبه: من (سنة أولى سجن) إلى (سنة تسعة سجن)‚ وكتاب (عبد الناصر) لأحمد أبو الفتح‚ وكتاب أنيس منصور (عبد الناصر المفترَى عليه والمُفترِي علينا) وما كتبه أحمد رائف (البوابة السوداء) و(سراديب الشيطان) وما كتبه الدكتور أحمد شلبي في الجزء التاسع من موسوعة التاريخ الإسلامي عن حوليات عصر جمال عبد الناصر‚ الذي سماه: عصر المظالم والهزائم‚ وكتب لا أذكر أسماء مؤلفيها‚ مثل (أموال مصر وكيف ضاعت؟) وكتاب (الموتى يتكلمون)‚
وهذا غير ما كتبه الإخوان مثل زينب الغزالي (أيام من حياتي) ومثل جابر رزق (مذابح الإخوان في سجون ناصر) ود‚ علي جريشة في عدد من كتبه (في الزنزانة) و(دعاة لا بغاة) و(عندما يحكم الطغاة) وحسن عشماوي (الإخوان والثورة) واللواء عبد المنعم عبد الرؤوف في كتابه: (أجبرت فاروق على التنازل عن العرش) وعباس السيسي في كتابه (في قافلة الإخوان المسلمين) ومحمود عبد الحليم في كتاب (الإخوان المسلمون: أحداث صنعت التاريخ) وعمر التلمساني (قال الناس ولم أقل في حكم عبد الناصر) ومحمد حامد أبو النصر (سر الخلاف بين عبد الناصر والإخوان) وصلاح شادي (صفحات من التاريخ) وجابر الحاج (زلزال التآمر الناصري) وكتاب (25 عاما في جماعة مرورا بالغابة) لحسن دوح وكتاب (عندما غابت الشمس) لعبد الحليم خفاجى وغيرها‚
وهناك أفلام عبرت عن هذا الحقبة المظلمة الظالمة‚ وإن لم تذكر الأسماء صراحة‚ مثل فيلم (البريء) وفيلم (الكرنك)‚
وإذا كنا رأينا من جعل من عبد الناصر (ملاكا رحيما) وأضفى عليه من الفضائل ما أضفى‚ وجعل تاريخه أبيض من الثلج‚ ولم يحاسبه على خطيئة ولا خطأ واحد‚ لأنه لم يصدر منه شيء من ذلك‚ فهناك فريق آخر‚ على النقيض من هؤلاء‚ جعل من عبد الناصر: (شيطانا رجيما): يجرده من كل فضيلة‚ وينسب إليه كل رذيلة‚ ولا يضيف إلى رصيده حسنة واحدة‚ فثورته كانت وبالا على مصر والعرب‚ وعهده كان شرا وبلاء على المصريين والعرب والمسلمين‚ ويتمنى هؤلاء العودة إلى عهد الملكية البائدة‚ قائلين: إن عهد الملك فاروق ـ على ما كان به من فساد وانحراف ـ لم ترتكب فيه من المظالم والشرور ما ارتكب في عهد عبد الناصر‚
حتى الحسنات الظاهرة في عهد عبد الناصر‚ مثل: (تأميم قناة السويس) التي صفقت لها مصر‚ وصفق لها العرب جميعا: ضنوا أن يحسبوها في ميزانه‚
وقالوا: إنه استعجل في أمر كان سيتم طبيعيا بعد ثلاثة عشر عاما‚ بدون أن يجازف بالدخول في حرب مع دول كبرى كبريطانيا وفرنسا‚ وأن يتيح فرصة لإسرائيل لتدخل معهم في حرب ضد مصر‚
ونسي هؤلاء أن الشركة الاستعمارية العتيدة‚ كانت تخطط لاستمرار السيطرة على القناة‚ وربما لو تركهم حتى تنتهي المدة‚ ولم يفاجئهم بقرار التأميم‚ لكانوا أعدوا العدة لإفشال أي محاولة للاستيلاء على القناة‚
وحتى بناء (السد العالي) ذكروا من آثاره السلبية ما ذكروا‚ وأنه (هدف عسكري) سهل لإسرائيل‚ يمكن أن تلجأ لضربه في ساعة البأس‚ عندما تحيط بها المخاطر في وقت ما‚ وفي هذا غرق مصر وهلاك الحرث والنسل‚
ويأخذون عليه: أنه ضيع جهودا وأموالا في مغامرات فاشلة‚ في الكونغو‚ وفي اليمن‚ وفي غيرهما‚ وأنه لم يدخل حربا إلا خسرها‚ كما في سنة 1956م‚ وسنة 1967م‚ وقد استطاع إعلامه الذي برع في الكذب وقلب الحقائق: أن يجعل هزيمة سنة 1956 نصرا يحتفل به كل عام‚ مع أن البغدادي يقول في مذكراته: إنه قال له: نحن ضيعنا البلد‚ وإنه ليس أمام مجلس الثورة وأعضائه إلا أن ينتحروا جميعا‚ وطلب من زكريا محيي الدين‚ إحضار زجاجة من السم (سبانور البوتاسيوم) تكفي لعدد الأعضاء‚ وأكد كلامه بقوله: إني جاد فيما أقول‚
وينقمون عليه: أنه قهر الشعب المصري‚ وأهان كرامته‚ وأذل كبرياءه‚ وحطم نفسيته‚ وقيد حريته‚ وكبله بالأغلال التي جعلته غير قادر على الحركة يمنة أو يسرة‚
ويضيفون إلى مآثمه: أنه ألغى الحياة الديمقراطية من مصر‚ وهي من أوائل الديمقراطيات في الشرق‚ وفرض على الناس دكتاتورية الحزب الواحد‚ الذي اختلفت تسميته من: (هيئة التحرير) إلى (الاتحاد القومي) إلى (الاتحاد الاشتراكي) ولم يسمح لمعارض أن يكون له صوت يسمع‚ وإن كان من رفقائه في الثورة‚ ابتداء من رشاد مهنا‚ إلى محمد نجيب‚ إلى خالد محيي الدين‚ إلى عبد المنعم عبد الرؤوف‚ إلى آخرين‚ حتى خطيب ثورته والمتحدث الديني باسمه‚ لم يسلم من أذاه وبطشه‚ وهو الشيخ أحمد حسن الباقوري‚ فقد طوح به‚ وطرده من منصبه شر طرده‚ لا لشيء إلا لأن رجلا ذم في بيته عبد الناصر‚ وهو الأديب المحقق محمود شاكر‚ وقد قيل: إن الباقوري لم يكن حاضرا وقت الكلام عن عبد الناصر!
وقد ابتلى مصر بفكرة: أن يكون للعمال والفلاحين نصف مقاعد مجلس النواب‚ وهي بدعة لم تتخلص مصر منها إلى اليوم‚
ويزيدون على ذلك: أنه أضر بالاقتصاد المصري‚ نتيجة سيطرة القطاع العام‚ الذي أخفق في إدارة مؤسساته‚ حتى أصبحت تخسر خسارات فادحة‚ بعد أن كانت تكسب مكاسب هائلة‚ يوم كانت ملك القطاع الخاص‚
ولا ينسى هؤلاء أن يضعوا في ميزان سيئاته: الإساءة إلى الدين والشريعة‚ حين ألغى المحاكم الشرعية‚ وأساء إلى قضاتها بتلفيق تهم لهم لم يثبتها قضاء عادل‚
وأصدر قانون تطوير الأزهر: الذي يتاح فيه للكليات المدنية في جامعة الأزهر: أن تأخذ خيرة طلابه‚ وأن لا يبقى للكليات الأصلية الدينية (أصول الدين والشريعة واللغة العربية) غير المتردية النطيحة وما يعاف السبع أن يأكله‚ هذا مع أني رفضت هذا التفسير‚ ودافعت عن التطوير في الجزء الثاني من هذه المذكرات‚
كما سخر عبد الناصر من علماء الدين في خطبه‚ واتهمهم بأن أحدهم من أجل وليمة عند إقطاعي‚ يقدم فيها خروف أو ديك رومي: يبيع دينه‚ ويصدر فتواه في إقرار المظالم الواقعة على الفلاحين‚ وهضم حقوقهم‚ وأكل عرقهم‚
هذا ما ذكره خصوم عبد الناصر عن شخصه‚ وعن عهده‚ وليس كل ما قالوه حقا‚ كما أنه ليس كله باطلا‚
=========
مذكرات العلامة د‚ يوسف القرضاوي
( الحلقة18 )

عبد الناصر سياسي فاشل وحاكم ظالم ومستبد قاد العرب لنكبة «67»
وأنا بصدد تقييم حكم عبدالناصر أفرق تفريقا واضحا بين أمرين: أولهما: ما كان من (اجتهادات) قد تصيب‚ وقد تخطئ‚ وهو مأجور على صوابه‚ ومعذور في خطئه‚ بل ربما كان مأجورا أجرا واحدا‚ إذا صحت نيته‚ وتحرى في اجتهاده‚ واستشار أهل الذكر والخبرة‚ واستفرغ وسعه في الوصول إلى الحقيقة والرأي الأرشد‚
وذلك مثل سياسته في إفريقيا وفي اليمن وفي غيرها‚ فأقصى ما يقال فيها: إنه سياسي فاشل‚ وفرق بين الفاشل والظالم! ولكن الفشل إذا تكرر واستمر يصبح كارثة على الوطن‚ وعلى الأمة‚ ففشل الفرد العادي وإخفاقه على نفسه‚ أما فشل الزعيم المستمر‚ ففيه خسارة الأمة وتأخرها‚ وضياع فرصها في النهوض والتقدم‚
وثانيهما: ما كان من مظالم ومآثم متعمدة‚ كما حدث لمعارضي عبد الناصر عامة‚ وللإخوان المسلمين خاصة‚ فلا يستطيع مدافع أن يدافع عن عبد الناصر‚ في إيقاع هذه الكم الهائل من المظالم والمآثم: من شنق وتقتيل‚ وتشريد وتنكيل‚ وإيذاء وتعذيب‚ ومصادرة وتضييق‚ لجماعة كانت هي أول من ساند ثورة عبد الناصر‚ بل كانت هي أول من أوحى إليه بضرورة العمل الوطني داخل الجيش‚ كما اعترف عبد الناصر بنفسه في المذكرات التي كتبها الأستاذ حلمي سلام رئيس تحرير المصور بعنوان: (الثورة من المهد إلى المجد) وذلك أوائل ما قامت الثورة‚ وقال فيها: إن أول من لفت نظره إلى هذا العمل: هو الصاغ ذو الوجه الأحمر م‚ ل‚ يقصد: محمود لبيب أحد العسكريين الأحرار الذين عملوا مع عزيز باشا المصري‚ وكان وكيلا للإخوان في عهد المرشد الأول حسن البنا‚
بعض الناس يهونون من الأهوال التي عاناها الإخوان‚ ولو ذاقوا معشار ما ذاقوا‚ لكان لهم رأي آخر‚ وقول آخر‚ وقد قيل: النار لا تحرق غير القابض عليها‚ وقال الشاعر:
لا يعرف الشوق إلا من يكابده *** ولا الصبابة إلا من يعانيها
والقرآن يقرر مع كتب السماء: (أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا‚ ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) المائدة: ‚
ويقول رسول الإسلام: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مسلم»‚
ومن العجب أن يتحدث هؤلاء عن أهمية حقوق الإنسان‚ وحقوق الأفراد‚ وحق الحرية المقدس‚ وحق الفرد في أن يأمن على نفسه وأهله وماله وخصوصياته‚‚ فإذا وصل إلى الإخوان: استثناهم من هذا كله‚ كأنما ليس لهم حقوق‚ وإذا وصل إلى عبد الناصر: استثناه من هذا كله‚ كأنما ليس عليه واجبات‚ وكأن من حقه أن يصادر ويعذب ويظلم ويبغي في الأرض بغير الحق‚ بلا حسيب ولا رقيب‚
ولقد بينت في حديثي عن السجن الحربي في الجزء الماضي: مسؤولية عبد الناصر عن الجرائم الوحشية والاعتداءات الهمجية‚ التي وقعت في السجن الحربي‚ وأنه شهد بنفسه بعض وقائع التعذيب‚ وأنه لا يعقل أن يتم هذا الذي تناقله الناس في الآفاق دون علمه‚ وقد ذكرنا أن هيكل مؤرخ عبد الناصر اعترف بأنه كان يعلم‚ وعرضت عليه وقائع‚ فلا معنى لتبرئته بدعوى أنه يجهل ما يجري!
وحتى لو لم يعلم‚ فهو المسؤول الأول عن هذه الوحوش الآدمية‚ التي عينها في مناصبها لتنهش لحوم الناس‚ وتفترسهم‚ وهم مطمئنون إلى أنهم محميون‚ وأن ظهورهم مسنودة إلى جدار السلطان‚
إن رسولنا الذي لا ينطق عن الهوى: أخبرنا أن امرأة أدخلها الله النار‚ من أجل هرة حبستها‚ فلا هي أطعمتها‚ ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض‚
هذا في حبس هرة‚ فكيف بمن حبس الألوف من الناس‚ وسقاهم كؤوس العذاب‚ وجرب فيهم ما استورده من أدوات التعذيب من عند الشيوعيين أو غيرهم‚ وسلط عليهم كلاب البشر‚ وكلاب الكلاب‚ وقد كانت الكلاب الحقيقية أرحم من الكلاب البشرية في كثير من الأحيان‚
إن شر ما فعله عبد الناصر في مصر: أنه أذل الإنسان المصري وقهره‚ وأحياه في خوف دائم: أن يدهمه زوّار منتصف الليل‚ أو زوار الفجر‚ من كلاب الصيد‚ فتتخطّفه‚ وتذهب به إلى مكان سحيق وراء الشمس‚ لا يستطيع أحد الوصول إليه‚ وقد أصبح المصريون يتجسس بعضهم على بعض‚ ويشك بعضهم في بعض‚ حتى أصبح الأخ يتجسس على أخيه‚ بل الابن على أبيه‚ وفقدت الأسرة الثقة بعضهم ببعض‚
وقد اعترف الرئيس أنور السادات في كتابه (البحث عن الذات) بما زرعته الثورة من خوف ملأ صدور الناس‚ وشل إرادتهم‚ حين قال: «انتهى مجلس الثورة في 22 يونيو سنة 1956م‚ عندما انتخب جمال عبد الناصر رئيسا للجمهورية بالاستفتاء‚ ولكن قبل أن ينتهي المجلس كان الشعور بالخوف قد عم البلاد» هذا في رأيي أبشع ما يمكن أن يصيب الإنسان! فالخوف يقتل الشخصية‚ ويشل الإرادة‚ ويمسخ تصرفات البشر!
وقال في حديث له في (الأهرام): «لاحظت أن أكبر خطأ ارتكب في حق الإنسان المصري: كان هو زرع الخوف‚ فبدلا من أن نبني الإنسان‚ أصبح همنا أن نخيفه‚ والخوف أخطر ما يهدم كيان الفرد أو الشعب‚ فقد كانت أرزاق الناس كلها ملكا للحاكم: إن شاء منح‚ وإن شاء منع‚ وكان المنع مصحوبا في أغلب الأحيان بمصادرة حرية الفرد واعتقاله‚ ثم فصل جميع أهله من وظائفهم‚ مع اتخاذ إجراءات ضدهم!»‚
وأحسب أن السادات شاهد من أهلها‚ فهو من صناع ثورة يوليو‚ ونائب عبد الناصر‚
إن خسارة الإنسان المصري هي الخسارة الكبرى‚ وليس الإنسان المصري من هؤلاء الذين يتجمعون في السرادقات في الاحتفالات المعدة‚ ويلقّنون هتافات يرددونها كالببغاوات: ناصر ناصر‚
وأذكر أن عبد الناصر ذهب إلى إحدى المدن في أول الثورة‚ فهتف الناس باسم نجيب‚ فثار عليهم‚ وقال في حرقة وحرارة: إنما قمنا لنحرر الناس من عبادة الزعماء‚ والهتاف للأشخاص‚ أي يكون الهتاف للوطن‚ فلما أصبح بعد ذلك الهتاف باسمه أصبح مشروعا ومحمودا‚
لقد أذل عبد الناصر الشعب المصري‚ كما أذل الحجاج بن يوسف الشعب العراقي من قبل‚ وكان في ذلك خسارة معنوية لا تقدر بثمن‚ ولا تقاس بالمادة‚
لقد أراد عبد الناصر: أن يدير مصر‚ كما يدير صاحب الدكان دكانه‚ أو صاحب المزرعة مزرعته‚ وقد قال مرة: أريد أن أضغط على زر‚ فتتحرك مصر كلها من أسوان إلى الإسكندرية! وأضغط على زر آخر فتسكن مصر كلها‚
ولقد قال لي مرة أحد شيوخنا الفضلاء (الدكتور محمد يوسف موسى): إن هذا البلد سجن كبير‚ له باب واحد‚ وقفل واحد‚ ومفتاح واحد‚ في يد سجان واحد‚ هو عبد الناصر!
وإن كان هذا (السجان) قد غدا في فترة من الفترات (سجينا) لدى بعض مرؤوسيه‚ كما هو معروف في سيرة عبد الناصر: أن عبد الحكيم عامر صديقه قد أصبح هو الذي يحكم مصر حقيقة‚ سواء ما يتعلق بالجيش أم ما يتعلق بالشعب‚ وصار عبد الناصر (طرطورا) أو (ديكورا) صار كما قيل: يملك ولا يحكم!
وفي قضية (الوحدة العربية) جاءت الوحدة الاندماجية مع سوريا إلى عبد الناصر على طبق من ذهب‚ ورضي الشعب السوري أن يصهر مع الشعب المصري في بوتقة واحدة‚ وتنازل الرئيس السوري (شكري القوتلي) عن كرسي رئاسته‚ واكتفى بأن يكون (المواطن العربي الأول)‚
ولكن عبد الناصر‚ بسوء تصرفه‚ وغلبة الاستبداد عليه‚ وتركه الأمور في الإقليم الشمالي لـ (عامر) يتصرف فيها كيف يشاء‚ بدل أن يعين نائبا حقيقيا له من زعماء سوريا أنفسهم‚
لقد سلط عامر أجهزة المخابرات ـ أو المكتب الثاني كما يسميها السوريون ـ على الشعب السوري‚ وعبث عبد الحميد السراج وبطانته بحريات الشعب وحرماته ومقدراته‚ فلم يكن من الشعب السوري الذي قدم الوحدة ورضيها إلا أن يرفضها ويتخلص منها‚ فاختار نار الانفصال‚ ولا جنة الوحدة‚ وكان الضابط عبد الكريم النحلاوي مدير مكتب عامر في سوريا: أحد الذين قادوا حركة الانفصال!
هذا في قضية الوحدة العربية‚ فماذا فعل عبد الناصر في قضية فلسطين؟
لقد انتهى مصير القضية إلى نكبة حزيران أو يونيو 1967م واحتلت إسرائيل ما بين القنطرة في مصر والقنيطرة في سوريا‚ أي احتلت سيناء والجولان مع الضفة الغربية وغزة‚ بل اعترف عبد الناصر بلسانه في خطابه في 23 يوليو 1967م: أن الطريق كان مفتوحا أمام إسرائيل إلى القاهرة ودمشق‚
لقد ظهر أن هناك أخطاء فادحة ارتكبت قبل هذه الحرب‚ وفي أثناء هذه الحرب‚ كتب عنها الكاتبون والمحللون السياسيون‚ والخبراء الاستراتيجيون‚ وقد سميت (حرب الأيام الستة) والواقع أن النتيجة حسمت بعد الساعات الست الأولى‚ بعد القضاء على طيران مصر‚ ومطارات مصر بضربة قاضية وسريعة‚ أبقت القوات البرية المصرية في سيناء مكشوفة بلا غطاء‚
وكانت الروح المعنوية في غاية الوهن إلى حد الانهيار‚ إذ لم يسلح الجندي المصري بسلاح الإيمان الذي به يتخطى العقبات‚ ويصنع البطولات‚ ويقدم الغالي من التضحيات‚ كانوا يوزعون على الجنود صور المطربات والممثلات‚ بدل أن يوزعوا عليهم المصاحف‚ لم يسلح المقاتل المصري بعقيدة تشد أزره‚ بأنه يقف في وجه عدو دنس المقدسات‚ واغتصب أرض النبوات‚ أرض الإسراء والمعراج‚ وأن هذا العدو خطر على ديننا ودنيانا وأوطاننا ومقدساتنا‚ وأن وقوفنا في وجهه جهاد في سبيل الله‚ وأن من قُتل منا فهو شهيد حي يرزق عند الله‚
«لم يقل له مثل هذا الكلام؛ لأن هذا كلام الرجعيين‚ الذين يوظفون الدين في مثل هذه المعارك‚ والمطلوب منا: أن نوظف الدبابة والطائرة والبارجة‚ وندع الدين للعجائز وخطباء المساجد‚ أو رهبان الكنائس»‚
على حين كان العدو يسلح جنوده بعقيدة إيمانية‚ ورؤية توراتية‚ وأحلام تلمودية‚ ولهذا قلت: إنهم انتصروا علينا‚ لأنهم دخلوا المعركة ومعهم التوراة‚ ودخلناها وليس معنا القرآن‚ دخلوها يهودا يعتزون باليهودية‚ ولم ندخلها نحن مسلمين نعتز بالإسلام‚ دخلوا يهتفون باسم موسى‚ ولم نهتف باسم محمد‚ قالوا: الهيكل‚ ولم نقل: الأقصى‚ عظموا السبت‚ ولم نعظم الجمعة‚ كان الدين عندهم شرفا يباهون به‚ وكان الدين عندنا تهمة نبرأ منها!
لقد جردوا القضية من كل معنى ديني لها‚ في حين قال موسى ديان وزير الدفاع: إن جيش إسرائيل مهمته حماية المقدسات لا مجرد حماية المؤسسات‚
حتى العلمانيون من الإسرائيليين أمثال بن غوريون‚ وظفوا الدين لخدمة قضيتهم‚
ولهذا كان جنودنا فارغين من كل معنى روحي يدعوهم إلى الثبات والتضحية‚ فلما وقعت الواقعة‚ كان كل واحد منهم يقول: النجاة‚ النجاة‚ تركوا أسلحتهم ودباباتهم ومجنزراتهم دون أن يكلف أحدهم نفسه أن يشعل فيها عود ثقاب‚ حتى لا يستفيد منها عدوه‚ ويأخذها غنيمة باردة‚ سالمة من كل سوء‚
إن من المعروف أن الأسلحة لا تقاتل وحدها‚ ولكن تقاتل بأيدي رجالها الأبطال‚ واليد التي تستعمل السلاح إنما يحركها هدف سام‚ مرتبط برسالة عليا‚ يؤمن بها الجندي‚ ويضحي بالنفس والنفيس في سبيلها‚
وقد انتهت المعركة بما سموه (النكسة)‚ ولكن أخطر من النكسة‚ هو تغيير السياسة العربية رأسا على عقب‚ واتخاذ فلسفة جديدة مناقضة للفلسفة القديمة تماما‚ فقد كانت فلسفة الأمة قائمة على أن إسرائيل اغتصبت أرض العرب بالعنف والإرهاب والدم والحديد والنار‚ وشردت أهلها ـ بعد أن أخرجتهم منها ـ في الشمال والجنوب والشرق والغرب‚ وأن وجود إسرائيل في أرض فلسطين‚ وأرض العرب المغتصبة: وجود باطل‚ وأن إزالة هذا الاغتصاب الظالم فريضة على الأمة‚ طال الزمن أم قصر‚ فإن مضي الزمن لا يجعل الباطل حقا‚ ولا يقلب الحرام حلالا‚
وهذا ما كان عليه العرب قبل هذه النكبة أو النكسة‚ ولكن عبد الناصر تبنى فلسفة جديدة‚ تقوم على إزالة آثار العدوان! أي عدوان 1967م وكأن هذا العدوان الجديد أعطى الشرعية للعدوان القديم: عدوان 1948م‚ عبد الناصر هو المسؤول الأول عن تغيير السياسة العربية كلها في هذا المجال‚ فلم يكن أحد غيره يقدر على تغيير هدف الأمة التي أسلمت إليه القياد‚ ومنحته الثقة‚
وهذا التنازل الكبير‚ بل الخطير‚ هو: أساس كل ما عانته الأمة بعد ذلك من تنازلات جر بعضها إلى بعض‚ من كامب ديفيد‚ فمدريد‚ فأوسلو‚ حتى حالة الاستسلام والتخاذل التي نشهدها اليوم‚ فهو الذي غير الاستراتيجية الأصلية ـ استراتيجية الجهاد والكفاح ـ إلى استراتيجية التنازل والاستسلام‚ والأمة إذا بدأت طريق الانحدار‚ فلن يوقفها حاجز ولا شيء‚ حتى يسعفها القدر بمن يردها إلى أصلها‚ ويشعل ما انطفأ من جذوتها‚
هل كان عبد الناصر عميلا؟
ومما يسأل عنه هنا: هل كان عبد الناصر عميلا؟
ولقد اتهم بعض خصوم عبد الناصر بأنه كان عميلا لأميركا‚ وكتب الصحفي المعروف محمد جلال كشك كتابا سماه (ثورة 23يوليو الأميركية)! قال فيه كلاما كثيرا‚ وذكر فيه وقائع شتى‚
وآخرون قالوا: إنه انتهى عميلا لروسيا‚ وللاتحاد السوفياتي‚ وكتب بعضهم كتابا قال فيه: الروس قادمون!
بل سمعت من قال: إنه عميل لإسرائيل‚ وإنه التقى بعض اليهود عندما كان محاصرا في الفالوجة في حرب فلسطين‚ واتفق معهم اتفاقيات سرية‚ إذا وصل إلى الحكم!!
وأنا بصفتي عالما مسلما يحتكم إلى الشرع الذي يرى أن الأصل في الناس البراءة‚ وأن الإنسان لا يدان إلا ببينة‚ وأن الشك يفسر لصالح المتهم: أرفض هذه الاتهامات التي لا دليل عليها‚ وهذه الدعاوى العريضة التي تنقصها البينات‚ وقد جاء في الحديث: «لو أخذ الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم‚ ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر»‚ وقال الشاعر:
والدعاوى ـ ما لم يقيموا عليها بيّنات ـ أبناؤها أدعياء!
والاتصال بالأميركان قبل الثورة أو بعدها: لا يثبت العمالة لهم‚
فالعميل: من لا هدف له ولا رسالة يعمل من أجلها‚ ولكن هدفه ورسالته تتلخص في خدمة من يعمل لحسابه‚ وتحقيق أهدافه‚
ولقد أيد الإخوان عبد الناصر عند قيامه بالثورة‚ وبعد قيامه بالثورة‚ وكانوا أول أعوانه‚ بل كانوا سنده الشعبي البارز‚ حتى دب الخلاف بين الطرفين‚ فلماذا لم يتهم في ذلك الوقت بأنه عميل أميركي؟
[B]هل كان عبد الناصر ماركسيا؟
ومما يسأل هنا: هل كان عبد الناصر ماركسيا؟
إن من المعروف أن عبد الناصر في فترة من تاريخه اصطدم بالماركسيين ـ الشيوعيين ـ وأدخلهم السجون‚ وإن لم يصبهم من التعذيب والتنكيل ما أصاب الإخوان‚
ولكنه بعد ذلك‚ اصطلح مع الشيوعيين‚ وأطلق سراحهم‚ ولم يكتف بالإفراج عنهم‚ بل مكن لهم في أجهزة الإعلام والثقافة‚ فأصبحوا في وقت من الأوقات هم الذين يوجهون الفكر والثقافة في مصر‚ فهل كان هذا لتغير في سياسة عبد الناصر أو لتغير في فكره؟
المفهوم: أن هذا كان نتيجة لتغير في سياسة عبد الناصر‚ نظرا لارتباطه بالمعسكر الشرقي‚ وتحالفه مع الاتحاد السوفياتي في أكثر من مجال: في مجال التسليح‚ وفي بناء السد العالي‚ وفي مجال الخبراء العسكريين والفنيين‚ وغير ذلك‚ وقد ظل الروس يعملون في مصر‚ ويؤثرون في سياستها‚ حتى جاء السادات‚ وقرر قراره الحاسم بإخراجهم منها!!
وقد لام خروشوف عند افتتاحه مبنى السد العالي: عبد الناصر‚ أنه يدعو إلى الاشتراكية‚ ولكنه لا يمكن الاشتراكيين من إقامتها‚ ولا اشتراكية من غير اشتراكيين‚
وكان لهذه الإشارة مغزاها وأثرها‚ فسرعان ما تغير الموقف من الاشتراكيين‚ وفسح المجال لهم‚ ليثبوا على مراكز الدولة‚ ولا سيما بعد ما تولى علي صبري رئاسة الوزارة‚ وأعلنوا التمهيد لمرحلة (التحول العظيم) يعنون: التحول إلى (الاشتراكية العلمية)‚
ومن قرأ (الميثاق) الذي يمثل فكر عبد الناصر: وجد فيه رشحات من الفكر الماركسي في مواضع شتى‚ ولكن لا نستطيع أن نصف الميثاق بأنه ماركسيّ تماما‚
نجد أثر الماركسية في تقليص الجانب الإيماني والفكرة الغيبية والقيم الروحية‚ فلا تكاد تحسها وتشعر بها‚
كما لا نجد أثرا لشريعة الإسلام الذي يدين به عبد الناصر‚ ويدين به شعب مصر‚ بل قال وهو يتحدث عن الأسرة: لا بد أن نسقط بقايا الأغلال التي تكبل الأسرة‚ والسياق يبين أنه يشير إلى التشريعات الإسلامية في الزواج والطلاق وغيرها‚
[B]هل كان عبد الناصر متدينا؟
ونسأل‚ ويسال معنا كثيرون: هل كان عبد الناصر متدينا؟
سأل الأديب يوسف القعيد: الأستاذ محمد حسنين هيكل: هل كان عبد الناصر متدينا؟ فأجاب هيكل: كان عبد الناصر متدينا‚
ولكنه لم يدلل على تدينه بشيء‚ واكتفى بتقرير هذا الأمر‚ وكفى‚
ولعله يقصد: أنه لم يكن ملحدا جاحدا للغيبيات من الألوهية والوحي والإيمان بالآخرة‚ ولا يقصد أنه كان متمسكا بشعائر الدين وفرائضه الحتمية‚ وأنه يخشى الله في أموره‚ ويضع الآخرة نصب عينيه‚ ويزن كل شيء بميزان الحلال والحرام عند الله‚ كما هو شأن المتدينين‚
والحق: أن عبد الناصر لم يعرف بشرب الخمر‚ كما لم تعرف عنه علاقات نسائية محرمة‚ ولكنه لم يشتهر عنه إقامة الصلوات‚ التي فرضها الله على المسلمين خمس مرات في اليوم والليلة‚ لم يقل أحد ممن كتبوا عنه: إنه دخل عليه فوجده يقيم الصلاة‚ أو إنه دعا زواره يوما ليقيم معهم الصلاة‚ أو انه في مجلس من المجالس التي كان يعقدها توقف مرة ليصلي وحده‚ أو مع زملائه‚
ولم يحك مؤرخ عبد الناصر الملازم له ـ أعني الأستاذ هيكل ـ شيئا من ذلك‚ على كثرة ما حكى من تفصيلات حياته‚ في الحضر والسفر‚ والخلوة والجلوة‚
حتى صلاة الجمعة لم يعرف أين كان يصليها عبد الناصر؟ ولقد حكم عبد الناصر ثمانية عشر عاما‚ كل سنة فيها 52 جمعة‚ فأين كان يصلي هذه الجمع؟
لقد كان للملك فاروق ـ ولأبيه الملك فؤاد قبله ـ إمام خاص‚ تعينه وزارة الأوقاف‚ ليصلي به في مسجده في قصره‚ في الجمع خاصة‚ وفي الصلوات الأخرى في بعض الأوقات‚ فمن إمام عبد الناصر؟ وهل له مسجد في منزله في منشية البكري؟ أو بجوار منزله؟!!
هناك جمع معروفة ومعلنة في مناسبات معينة‚ أو لزيارة بعض الضيوف‚ رآه الناس فيها مصليا للجمعة‚ ولكن ما عدا ذلك لم يعرف أين صلى عبد الناصر نحو 900 جمعة أمر الله الناس إذا سمعوا النداء: أن يستجيبوا لداعي الله‚ ويسعوا إلى ذكر الله ويذروا البيع‚
كان الرئيس أنور السادات حريصا على أداء الشعائر‚ فلهذا قالوا عنه: الرئيس المؤمن‚
وظهر هذا في سياسة كل منهما‚ فالسادات حين خاض معركة العاشر من رمضان 1393هـ ـ 6 أكتوبر 1973م‚ تجلى فيها أثر التدين في الضباط والجنود‚ وفي الشعارات‚ فقد كان شعار المعركة: الله أكبر‚ في حين كانت كلمة السر في حرب يونيو 1967 (برّ بحر جوّ)‚ وللأسف لم ينتصروا في بر ولا بحر ولا جو‚
========
لنبدأ الحكاية من الأول:
مذكرات القرضاوي
قيمة كلام اي انسان تقدر بحجم مكانته ووجاهته ومنزلته عند الناس ‚‚ وكلما كانت هامة المتحدث او الكاتب عالية ‚‚ وكلما كانت منزلته رفيعة كلما كانت كلامه مسموعا ومؤثرا‚
وعندما يتكلم او يكتب عالم في حجم الشيخ القرضاوي فلا خلاف على ان كان سيكون مسموعا ومدويا‚
وعندما يكون كلام الشيخ عن مسيرة حياته وذكرياته الشخصية والاجتماعية والعلمية والدعوية ورؤيته للاحداث التي عاصرها بنفسه وعاشتها امته في فترة تزيد على ثلاثة ارباع القرن ‚‚ عندما يكون الكلام كذلك يكون اكثر اهمية واكثر تأثيرا واجدر بأن يقرأ بتمعن وتدبر‚
وقد تحدث فضيلة الشيخ القرضاوي في آلاف المجالس والمحاضرات والندوات والدروس ‚‚ والف اكثر من 120 كتابا في موضوعات متعددة كلها كانت محل تقدير وإعجاب ممن سمعوها او قرأوا له‚
لكن لونا من كتابات الشيخ بدت ذات طابع مميز وكشفت لنا عن جانب كان خفيا من شخصيته وهي كتاباته التي ظهرت من ثلاث سنوات في مذكراته الشخصية التي خص الوطن بنشرها منذ رمضان قبل الماضي‚
لقد اظهرت المذكرات موسوعية الشيخ واحاطته بكثير من احداث عصره ورؤيته الراجحة وتحليلاته العميقة لما وقع فيها من احداث‚
وتكتسب مذكرات الشيخ في حلقتها الثالثة التي ننشرها ابتداء من اليوم‚ وطوال شهر رمضان أهمية خاصة لأن الشيخ يروي ويعلق فيها على فترة في غاية الاهمية من تاريخ العرب والمسلمين وهي فترة التحولات الكبرى في تاريخنا التي بدأت بنكسة 67 ولم تنته باتفاقيات كامب ديفيد عام 77 ‚‚ عشر سنوات يؤرخ لها الشيخ في مذكراته هذا العام ‚‚ ستكون بلا شك مادة شهية لقراء الوطن الاسلامي طوال شهر رمضان‚
وها هي الحلقة الاولى من المذكرات ‚‚ وستعقبها حلقات بعدد ايام شهر رمضان وندعو الله ان يطيل في عمر الشيخ ويمتعه بالصحة والعافية حتى يكمل بقية مذكراته وان يوفقنا لنشرها في السنوات المقبلة‚
محمد صبرة
الحلقة الأولى:
السنة الدراسية 1965 ـ 1966م
http://www.al-watan.com/data/20031027/inde…sp?content=var3
الحلقة الثانية:
عبدالناصر رفض تخفيف حكم الإعدام على سيد قطب وصدق على قتله
http://www.al-watan.com/data/20031028/inde…sp?content=var3
الحلقة الثالثة:
لقاء حميم مع الإمام موسى الصدر في الدوحة وحوار حول بعض عادات الشيعة
http://www.al-watan.com/data/20031029/inde…sp?content=var3
الحلقة الرابعة:
خطبت جمعة حماسية بمسجد الخليل وصليت مع أسرتي في رحاب الأقصى
http://www.al-watan.com/data/20031030/inde…sp?content=var3
الحلقة الخامسة:
خيبة سيد قطب في ثورة يوليو سبب انضمامه لجماعة الإخوان
http://www.al-watan.com/data/20031031/inde…sp?content=var3
الحلقة السادسة:
«الحكم لله» مبدأ إسلامي أصيل لا يعني أن تكون الدولة دينية
http://www.al-watan.com/data/20031101/inde…sp?content=var3
الحلقة السابعة:
عبدالناصر يتحمل مسؤولية هزيمة «67» ومسؤولية فساد وانحراف عبدالحكيم عامر
http://www.al-watan.com/data/20031102/inde…sp?content=var3
الحلقة الثامنة:
البعد عن الإسلام والهجوم عليه والسخرية منه أهم أسباب هزيمة «67»
http://www.al-watan.com/data/20031103/inde…sp?content=var3
الحلقة التاسعة:
الشعوب التي تعيش في خوف من حكامها لا تحقق نصرا على عدوها
http://www.al-watan.com/data/20031104/inde…sp?content=var3
===========
أخطاء ثورة 23 يوليو
عبد العظيم رمضان
تعتبر ثورة يوليو من الثورات التي انقسمت حولها الآراء سلبا وايجابا، فالبعض يدافع عنها الى حد التعصب والتطرف، والبعض يهاجمها هجوما شديدا.
ومن المحقق على كل حال، فان ما يحدث لثورة يوليو قد حدث من قبل لكل الثورات بدون استثناء، فالثورة هي في حقيقتها انقلاب لكل الأوضاع السياسية والاقتصادية التي كانت سائدة قبلها، وثورة يوليو في هذا الصدد ليست استثناء، ومع ذلك فمن المحقق ان ثورة يوليو، قد وقعت في أخطاء فادحة، أثرت تأثيرا سلبيا على مسيرتها وعلى أهدافها، وليس من العبث دراسة هذه الأخطاء، فدراسة الخطأ البشري هي الطريق الوحيد لتفادي الاخطاء، ويمكن تقسيم أخطاء ثورة يوليو على النحو التالي:
1 ـ أخطاء دستورية.
2 ـ أخطاء انسانية.
3 ـ أخطاء عسكرية.
4 ـ أخطاء سياسية.
وبالنسبة للأخطاء الدستورية، فإن الثورة عندما قامت أعلنت في بيانها الأول، انها قامت غضبا للدستور الذي انتهكه الملك فاروق على طول حكمه، وتوقع الشعب ان يكون الاصلاح الدستوري هو أول ما تعني به الثورة، كما توقع الشعب أن تدعو الثورة البرلمان الوفدي الأخير المنحل والمنتخب انتخابا حرا الى الانعقاد، فيدير عجلة الحياة الدستورية، وينتقل الحكم الى يد الشعب يصرفه وفقا لارادته الحرة الطليقة.
ولكن الثورة كانت في ذلك الحين قد قررت الاستمرار في السلطة، والحصول على شرعيتها من الانقلاب العسكري الذي وقع يوم 23 يوليو، فتحايلت على مجلس الدولة بواسطة الدكتور عبدالرزاق السنهوري والمستشار سليمان حافظ، حتى أصدرا قرارا بعدم دستورية عودة البرلمان الوفدي الى الانعقاد.
وقد ختمت بذلك العهد الليبرالي الذي لم يعد أبدا، إذ وقعت السلطة في يدها دون شريك، وقد كان ذلك هو الخطأ الأول للثورة لانها فرضت نفسها وصية على الشعب المصري، وأخذت تحكمه بدون خبرة سابقة في الحكم، بل وبدون برنامج ثوري تصلح به أمر البلاد، وبذلك أصبح اعتمادها على الجيش في الحكم لا على الشعب.
وعندما أدرك الشعب ان الثورة خدعته فيما يتصل بالدستور، وانها لا تعدو أن تكون ديكتاتورية عسكرية، تحرك في أزمة مارس 1954، ليجبر ضباط الحركة على العودة الى ثكناتهم، وتسليم الأمور للشعب، ولكن الثورة لجأت الى الخديعة، ودبرت مظاهرات عمالية تطالبها بالبقاء في الحكم، وقامت بالتنكيل بالمثقفين الليبراليين، فحدث اعتداء جسيم على الدكتور عبدالرزاق السنهوري في عقر مجلس الدولة، وجرى فصل عدد كبير من اساتذة الجامعات، وجرى فصل كبار الصحفيين الليبراليين من الصحف، وفرضت ديكتاتورية ثقيلة اختفى فيها كل صوت حر.
ومنذ ذلك الحين اصبحت الثورة تحكم بدساتير أوتوقراطية، أو بغير دساتير على الاطلاق، وأصبح شعار الدستور الذي رفعته في بيانها الأول أثرا بعد عين.
أما الأخطاء الثانية، وهي الاخطاء الانسانية، فتتمثل في أن الثورة منذ البداية انتهكت حقوق الانسان، وفتحت المعتقلات لخصومها السياسيين دون استثناء، فقد زجت بالوفديين الليبراليين في السجون، وزجت بالاخوان المسلمين أيضا بالسجون، كما زجت بالشيوعيين، ولم تستثن أحدا من خصومها في كافة التيارات الفكرية المختلفة.
وكان يمكن اغتفار ذلك لو اقتصر الأمر على حبس الحريات، وانما تعدى ذلك ـ بدون أي مبرر ـ الى التعذيب في معتقلات تعذيب لم تكن يختلف كثيرا عن معتقلات التعذيب في ألمانيا النازية في اوشفيتز، وداخاو، وتريبلنكا، ففي هذه المعتقلات زج بكبار رجال الفكر والمثقفين والصحفيين، دون تفرقة فكرية تستحق التعذيب، فقد كان معظم من زج بهم في معتقلات التعذيب هذه ممن يدينون بفكر عبدالناصر نفسه، ولكنهم اختلفوا معه حول صيغة الوحدة المصرية السورية، إذ كانوا يريدونها وحدة ديمقراطية، ولكن عبدالناصر شاء إلا ان يجعلها وحدة ديكتاتورية، ولم تشفع صحة وجهة نظر هؤلاء المثقفين لهم عند عبدالناصر، عندما وقع الانفصال في سوريا، فاستمروا في المعتقلات من 1959 الى 1964.
وما وقع للمثقفين والمفكرين اليساريين، وقع للاخوان المسلمين على مرحلتين:
المرحلة الأولى، بعد محاولة اغتيال عبدالناصر في 26 اكتوبر 1954، وقد استمرت هذه المرحلة خمس سنوات.
والمرحلة الثانية، من اغسطس 1965، واستمرت حتى وفاة عبدالناصر.
هذه هي الاخطاء الانسانية التي ارتكبتها ثورة يوليو، وهي انتهاك حقوق الانسان المصري.
أما الأخطاء الثالثة، وهي الأخطاء العسكرية فتتمثل في الهزائم العسكرية التي منيت بها ثورة يوليو، والتي ترتب عليها احتلال سيناء مرتين، المرة الأولى في حرب 1956 التي عرفت باسم حرب العدوان الثلاثي، والمرة الثانية في يونيو 1967.
وبالنسبة للهزيمة الأولى، فيرجع جزء كبير منها الى ان عبدالناصر لم يكن يتصور عندما قام بتأميم شركة قناة السويس، ان انجلترا وفرنسا سوف تتحركان للعدوان على مصر، كما انه لم يتصور ان تتحرك اسرائيل للعدوان على مصر أيضا، بل ان المشير عامر قائد الجيش المصري لم يعلم بأن عبدالناصر سوف يعلن تأميم شركة قناة السويس، إلا وهو في طريقه معه في القطار الى الاسكندرية يوم 26 يوليو 1956، ولذلك قال له أما كان يجب أن تتحقق قبل أن تتخذ قرار التأميم أن جيشك مستعد للدفاع عن هذا القرار؟
لذلك من الثابت ان الجيش المصري لم يكن مستعدا للعدوان الثلاثي عند وقوعه، فقد فوجئ به كما فوجئ عبدالناصر شخصيا به، وهو ما يتضح من الوثائق.
وترجع خطورة هذا الخطأ الى ما ترتب على احتلال اسرائيل لسيناء، فلم تنسحب منها إلا بعد ان وافق عبد الناصر على مرور ملاحتها من خليج تيران وشرم الشيخ، وبذلك تأسس لها بذلك حق في المرور في خليج تيران، الأمر الذي جعلها تعلن انها سوف تخوض حربا دفاعية اذا اغلق عبد الناصر مضيق تيران في وجهها.
وهو ما حدث بالفعل عندما اعلن عبدالناصر اغلاق مضيق تيران في مايو 1967، فقد ترتبت على ذلك حرب يونيو 1967 التي انتهت بالاحتلال الاسرائيلي الثاني لسيناء وللجولان وللضفة الغربية وغزة.
لم يكن الاحتلال الاسرائيلي الثاني لسيناء، بسبب تفوق الجيش الاسرائيلي على الجيش المصري، وانما بسبب الأخطاء العسكرية المصرية الفادحة.
فقد ترتب على هذه الأخطاء تحطيم الطيران المصري في الساعات الأولى من يوم 5 يونيو 1967، كما ترتب عليها قرار الانسحاب الكامل من سيناء في يوم 6 يونيو الذي اتخذه المشير عامر بموافقة عبدالناصر، والذي لم يكن له أي مبرر عسكري، ثم الاخطاء الفادحة الأخرى في أثناء قيادة القوات، التي أهدرت طاقتها وكلفت القوات المسلحة المصرية خسائر فادحة.
أما الأخطاء الرابعة، وهي الاخطاء السياسية فتتمثل في صدام عبدالناصر مع البلاد العربية، حتى عرف عصر عبدالناصر بعصر الحرب العربية الباردة، وكان من أهم هذه الأخطاء، الخطأ الذي ارتكب في حق أول وحدة عربية اختيارية، وهي الوحدة المصرية السورية، فقد كانت سياسة المشير عامر في سوريا، سياسة تسلط واستبداد، افرغت الوحدة من مضمونها الايجابي، وحولتها الى ما يشبه احتلال مصري لسوريا، وعندما أعلن عبدالناصر القرارات الاشتراكية في يوليو 1961، لم يراع اختلاف الأحوال الاجتماعية والاقتصادية السورية، عن الأحوال الاجتماعية والاقتصادية المصرية، فأراد فرضها في سوريا الأمر الذي جعل السوريين يشعرون بخيبة الأمل في الوحدة!، وعندما أراد تطبيق النظم البوليسية المطبقة في مصر على سوريا، أساء ذلك للوحدة، وترتب على ذلك فشل أول وحدة عربية اختيارية في التاريخ الحديث.
وقد كان الخطأ الثاني، وهو أفدح عندما خرج عبدالناصر بشعار «وحدة الهدف قبل وحدة الصف»، وبذلك قسم البلاد العربية الى دول رجعية، ودول تقدمية، وقصر عملية الوحدة على الدول التقدمية.
وجاءت حرب اليمن تطبيقا لنظرية عبدالناصر عن الدول الرجعية والدول التقدمية، وخاض الجيش المصري معركة عبثية، لم تسفر عن نصر لمصر، وأساءت الى العلاقات بين مصر والمملكة العربية السعودية، وانحرفت بالصراع العربي الاسرائيلي الى صراع عربي عربي، وكان ذلك مقدمة لهزيمة يونيو 1967.
على كل حال فإن هذا الرصد السريع لأخطاء ثورة يوليو 1952، قد يفيد في تحديد تأثير سلبياتها وايجابياتها على حاضر هذه الأمة العربية ومستقبلها، وهو أمر ضروري، لان الامم الحية المتقدمة لا تخفي اخطاءها، ولا تخشى من كشفها وفضحها، فدراسة الأخطاء هي السبيل الوحيد لتلافيها في المستقبل.

========
عبدالناصر

9 يونيو .. عندما تنحى عبد الناصر
محيط – جهان مصطفى

في 1967 ، كان العرب على موعد مع هزيمة أخرى مريرة بعد هزيمة عام 1948 ، أطلق عليها لشدة قسوتها مصطلح “النكسة ” ، ويجب الإشارة هنا إلى أن إسرائيل كانت تخطط لعدوان 1967 منذ انتهاء العدوان الثلاثى على مصر في عام 1956 ، إلا أن مصر والدول العربية كانت مغيبة عن الوعى لأنها إما منهمكة فى صراعات داخلية أو في صراعات عربية عربية.
وبعد الهزيمة بأربعة ايام ظهر الزعيم العربي جمال عبد الناصر على التليفزيون فى 9 يونيو 1967 يعلن مسئوليته عما حدث وتنحيه عن الرئاسة ، إلا أن الجماهير المصرية والعربية خرجت في مظاهرات حاشدة في 10 يونيو تطالبه بالبقاء والاستعداد للحرب وتنشد:”من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر لبيك عبد الناصر”.
وكان الجيش الإسرائيلي شن في 5 يونيو 1967 عدوانا على القوات المصرية في سيناء وبدأت حرب 1967 بين إسرائيل من جهة وكل من مصر الأردن وسوريا تدعمهم قوات عراقية كانت مرابطة في الأردن من جهة أخرى.
وخلال تلك الحرب التى استمرت ستة أيام قامت القوات الجوية الإسرائيلية بضرب المطارات والقواعد الجوية العربية وتحطيم طائراتها ، كما قامت القوات الجوية الأمريكية والبريطانية المتمركزة في هذا الوقت بقاعدتى هويلز والعدم في ليبيا بتقديم المساعدة لإسرائيل عبر توجيه ضربات لسلاح الجو المصرى ما أدى إلى تدمير أكثر من 70 بالمائة من قدرات سلاح الجو الذي كان يعول عليه كثيرا لتقديم الدعم والغطاء الجوى للقوات المصرية أثناء العمليات العسكرية أو حتى أثناء الإنسحاب.
وجاء قرار الانسحاب العشوائي الذي أصدره القائد العام للقوات المسلحة المصرية في هذا الوقت المشير عبد الحكيم عامر ليكون بمثابة الضربة القاضية بالنظر إلى أنه أحدث ارتباكا كبيرا لدى القوات المصرية وساعد إسرائيل في اصطياد الجنود المصريين أثناء الانسحاب غير المنظم إما بالقتل أو بالأسر .
وبعد أن دمرت الضربة الجوية الإسرائيلية أغلبية المطارات المصرية ، سارعت إسرائيل إلى توسيع نطاق الحرب وشنت هجوماً بالدروع على الضفة الغربية التي كانت تابعة للأردن والجولان السورية وقطاع غزة الذي كان تابعاً لمصر وعلى شبه جزيرة سيناء واستعملت في هذا الهجوم الخاطف الأسلحة المحرمة دولياً كالنابالم وقذائف البازوكا.
وعندما قررت القوات السورية والأردنية إعادة تنظيم صفوفها للرد على الضربة الإسرائيلية الأولى حيث شارك الرئيس العراقي في هذا الوقت عبد الرحمن عارف بقوات عسكرية لدعم الجبهتين، سارع مجلس الأمن الدولى بايعاز من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا إلى إصدار قرار بوقف إطلاق النار وهددت تلك الدول الكبرى بالتدخل في حال رد الدول العربية على العدوان وعدم الاستجابة لقرار وقف إطلاق النار ، ماأفشل خطط الهجوم المقابل العربية وجعل إسرائيل بواقع المنتصر.
خسائر فادحة

إسرائيل ارتكبت أبشع المجازر بحق الأسرى
وشكلت نتائج تلك الحرب مرارة ما بعدها مرارة للعرب خاصة وأنها جاءت في وقت كانت تقود فيه مصر دعوات الوحدة العربية ، فالنسبة لخسائر الجند والعتاد ، أشارت بعض الإحصائيات إلى أن مصر خسرت 80 بالمائة من معداتها العسكرية وحوالي 11 الف جندي (أي ما يعادل حوالي 7 بالمائة من كل تعداد الجيش المصري) وخسرت كذلك 1500 ضابط، وتم أسر 5000 جندي و500 ضابط مصري، وجرح 20 ألف جندي مصري، وخسر الأردن حوالي 700 جندي وجرح 2000 من جنوده، وخسرت سوريا 2500 جندي، وجرح 5000 من جنودها، وفقدت نصف معداتها من دبابات وآليات ومدفعية وغيرها في هضبة الجولان، حيث غنمتها القوات الإسرائيلية، كما تم تدمير كل مواقعها في الهضبة المشار إليها، بينما كانت خسائر العراق الذي شارك بشكل رمزي (مثل لبنان حينها) عشرة قتلى و30 جريحا.
وبلغ مجموع خسائر الدول العربية (الأردن مصر وسوريا) 400 طائرة وأكثر من مليار دولار من الأسلحة التي دمرت مع الساعات الأولى للمعارك (في بعض المصادر ملياري دولار) بينما خسرت إسرائيل 338 جنديا على الجبهة المصرية، 300 على الجبهة الأردنية، و141 على الجبهة السورية .
ورغم قسوة ما سبق إلا أن الخسارة الأفدح كانت على الأرض، حيث ضاعفت إسرائيل من مساحتها ثلاثة أضعاف ماكانت عليه يوم الرابع من يونيو 1967، واحتلت الضفة الغربية لنهر الأردن، وقطاع غزة التابع حينها لمصر، وشبه جزيرة سيناء المصرية وهضبة الجولان السورية ، إضافة الى عدد من المناطق المتفرقة مثل منطقة مزارع شبعا فى لبنان .
واقع مرير في مصر
وبالنظر إلى أن تلك الخسائر الفادحة ، جاءت بعد فترة من صعود المد القومى والتحرر الوطنى ، فقد وصف المراقبون هزيمة 1967 بأنها “انكسار الروح” للعالم العربى بصفة عامة وللمصريين بصفة خاصة .
ففجأة استيقظ المصريون على واقع مرير ، وما ضاعف من هول الصدمة هو التعتيم الذى فرضه النظام منذ بدء العدوان الاسرائيلى ، فالمتابع لوسائل الإعلام الرسمية كان يشعر أن مصر سحقت إسرائيل من الوجود ، بينما المتابع لوسائل الإعلام الأجنبية كان يعرف جيدا أن مصر ذاقت مرارة الهزيمة .
فالراديو الحكومى يذيع أنباء مفادها ” قواتنا تصد هجمات للعدو على سيناء وتبدأ هجمات مضادة .. قواتنا تسقط للعدو أربعين طائرة .. على الفور الناس تكبر وتهتف في الشوارع إحنا بننتصر مصر بتكسب الحرب “.
وفى 8 يونيو ، بدأ الراديو يذيع أنباء غريبة مفادها “إحنا تراجعنا لخط الهجوم الثاني .. معارك شرسة في العريش “، الأمر الذى أثار ذهول المصريين لأن تلك الأنباء جاءت بعد لحظات من إعلان وسائل الإعلام الرسمية أن القوات المسلحة المصرية أصبحت على بعد خطوات من تل أبيب .
وتأكد المصريون من الهزيمة عندما أصدر المشير عبد الحكيم عامر في 8 يونيو قرارا بسحب الجيش المصري كله على مسئوليته الشخصية ، قائلا :” كل عسكري مالهوش غير نفسه وبندقيته ” ، وهو القرار الذي اعتبره البعض بمثابة نكسة ثانية بعد أن تسبب بوقوع آلاف الجنود المصريين في الأسر كما قتل الآلاف منهم بسبب العطش والحر أو بسبب رصاص الغدر الإسرائيلى بل وأقدمت إسرائيل أيضا فى هذا الوقت على قتل مئات الأسرى بعد تعذيبهم ، بل وهناك تقارير أشارت أيضا إلى أن حوالى ثلاثين ألف جندى مصرى قتلوا في صحراء سيناء وليس 11 ألفا كما توضح كثير من الإحصائيات.
تنحي عبد الناصر

الخلاف تصاعد بين ناصر وعامر بعد النكسة
وبالنظر إلى هول ما سبق ، ظهر الرئيس جمال عبد الناصر في التليفزيون فى 9 يونيو 1967 يعلن مسئوليته عما حدث وتنحيه عن الرئاسة ، إلا أن الجماهير خرجت في مظاهرات حاشدة في 10 يونيو تطالبه بالبقاء والاستعداد للحرب ، وكان من أبرز الهتافات في تلك المظاهرات ” نريد ناصر لننتصر ” ، وبالفعل رضخ عبد الناصر لرغبة الجماهير واستمر في منصبه .
وعلى الفور ، شرع في إجراء تغييرات في القيادات العسكرية ، حيث أقال المشير عبد الحكيم عامر من قيادة الجيش وعينه نائبا له ، كما قام بتعيين الفريق أول محمد فوزى قائد عاما للقوات المسلحة بدلا من عامر والفريق عبد المنعم رياض رئيسا للأركان فى 11 يونيو 1967 .

وفى 21 يونيو 1967 ، لجأ عبد الناصر للاتحاد السوفيتى لإعادة تسليحه ، ووقعت بالفعل صفقات السلاح بين البلدين ووصل خبراء سوفييت لتدريب الجيش المصرى على السلاح الروسى.

وفي مارس 1969 انطلقت حرب الاستنزاف ، وفى 22 يناير 1970 سافر عبد الناصر إلى موسكو لطلب معدات دفاع جوى للسيطرة على الطائرات الإسرائيلية وتم بناء حائط الصواريخ .
تحرير سيناء

حرب أكتوبر أعادت الكرامة للعرب
إلا أنه فى 28 سبتمبر 1970 ، فوجىء المصريون بوفاة الزعيم جمال عبد الناصر ، وانتشرت المخاوف حينها من عدم وجود بديل له ، إلا أنه سرعان ما تلاشت هذه المخاوف بعد أن تولى الرئيس أنور السادات الحكم وأكد أنه متمسك بمبدأ عبد الناصر ( ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة ).

لقد بدأ السادات حكمه بثورة التصحيح أو الحرب الداخلية لتصفية الفساد أو ما عرف بمراكز القوى فى يوم 15 مايو 1970 ، كما بدأ محاولات استرجاع سيناء وكانت هناك أعوام اعتبرها حاسمة لمعركة التحرير وطرد الاحتلال الإسرائيلي.

عام الحسم الأول كان في 1971 ، إلا أن الاتحاد السوفيتى لم يف بوعوده بإرسال أسلحة روسية لمصر ، وهذا الموقف السوفيتي تكرر مجددا مما أدى إلى فشل عام الحسم الثانى في 1972 ، ولذا أنهى السادات خدمة الخبراء السوفييت فى مصر يوم 8 يوليو1972 .
كما شرع في تغيير القايدات العسكرية استعدادا للحرب ، حيث أقال وزير الحربية فريق أول محمد صادق وعين بدلا منه فريق أول أحمد إسماعيل فى أكتوبر 1972 ، وبدأت الحرب بالفعل لاستعادة سيناء في 6 أكتوبر 1973 ، وكان النصر المؤزر الذى أعاد الكرامة للمصريين والعرب بعد سنوات النكسة .
ورغم استعادة مصر لسيناء بعد نصر أكتوبر ، إلا أن بقية الأراضى العربية التى احتلت في حرب الأيام الست مازالت تعانى من قسوة الاحتلال في ظل رفض إسرائيل تنفيذ القرار 242 الذي يطالبها بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها في يونيو 1967 وبعودة اللاجئين إلى ديارهم.
إقرأ أيضا
بطولات عسكرية عربية في زمن النكسة

السوريون ضد الوحدة

خالد العظمة وأكرم الحوراني في مذكرات كل منهما يقولون “حركة 28 أيلول/ سبتمبر 1961 قوبلت بالتأييد من أكثرية الشعب والجيش ما عدا مجموعات صغيرة خلفتها أجهزة المخابرات المصرية في سوريا”
==========
دخلت سوريا في الوحدة مع مصر في ذلك الشكل المتسرع الذي لم يخضع القرار بإعلانها للوقت الكافي من الدرس لكي تتمكن من النجاح والاستمرار، كخطوة أولى في طريق الوحدة العربية المنشودة. وأدى ذلك التسرع إلى الخلل الذي قاد الوحدة إلى الانهيار. وكان من مآسي تلك المرحلة دخول الشيوعيين في حالة صراع مع دولة الوحدة ومع الرئيس عبد الناصر، بسبب موقفهم الذي عبروا عنه في البنود الـ13، التي كانوا يرمون من ورائها إلى جعل هذه الوحدة أكثر ديمقراطية وأكثر احتراماً لخصوصيات البلدين، لكي تكون قادرة على الحياة. وكان من نتائج ذلك الصراع أن مات تحت التعذيب في سجون شطري الوحدة، مصر وسوريا، عدد من الشيوعيين البارزين كان فرج الله واحداً منهم. ولم يكن الرئيس عبد الناصر على علم باعتقال فرج الله، كما قال لكل من تيتو ونهرو اللذين تدخلا لمعرفة مصير فرج الله، معتبراً أن عبد الحميد السراج، وزير الداخلية في ذلك الحين، هو الذي وضع دولة الوحدة والرئيس عبد الناصر في إحراج كبير باعتقال ذلك القائد الشيوعي اللبناني في دولة الوحدة. إلا أن الذين عذبوا فرج الله حتى الموت اضطروا إلى الإعتراف بالجريمة خلال المحاكمة التي جرت لهم في أعقاب الانفصال. وكان قرار الاتهام الذي أصدرته النيابة العامة واضحاً. كما أصدر قبل بضعة أعوام أحد المساهمين في اعتقال فرج الله (سامي جمعة) كتاباً يروي القصة الكاملة حول اعتقال القائد الشيوعي، لكن على طريقته هو، وبكثير من التصرف، من دون أن يتجاوز الحقيقة في موضوع الاعتقال والتعذيب حتى الموت وتذويب جسد فرج الله بالحامض الكبريتي لإخفاء الجريمة وآثارها. لكن تحميل المسؤولية عن قتل فرج الله الحلو للسراج لا يلغي المسؤولية عن الرئيس عبد الناصر الذي كثرت في تلك المرحلة خطبه التي يتهم فيها الشيوعيين بالخيانة. وكان للشهيد فرج الله الحلو رفاق في الشهادة في مصر، كان أبرزهم أحد قادة الحركة الشيوعية شهدي عطية الشافعي الذي قضى تحت التعذيب في إحدى زنزانات تلك الحقبة من تاريخ مصر، حتى قبل قيام الوحدة المصرية السورية.
كان فرج الله خلال فترة طويلة مسؤولاً عن الحزب في سوريا. وكان ذلك واحداً من تقاليد الحزب في البلدين. إذ كان يرسل قادة من كلا البلدين إلى البلد الآخر بهدف تعميق الوحدة السياسية والفكرية والتنظيمية داخل صفوف الحزب. لكن فرج الله كان ينتقل بين البلدين، ذهاباً وإياباً، لا سيما خلال فترة الوحدة

=========
قنبلة النحلاوي تنسف رواية الناصريين والبعثيين
مهند الخليل | 6/4/1431 هـ

aljazeerah.jpg ليس من المبالغة في شيء أن نصف برنامج (شاهد على العصر) بقناة الجزيرة بأنه مهم جداً، لأنه يتيح لأجيالنا الجديدة أن يستمعوا إلى أشخاص كانوا بارزين ولعبوا أدواراً كبرى -إيجابية أو سلبية- في تاريخ العرب المعاصر، ثم غابوا أو تم التعتيم عليهم. بل إن كثيراً من الكهول الذين عايشوا تلك الفترات لا يعرفون الكثير من خفاياها، التي يستخرجها أحمد منصور من شهوده على العصر.

لكن الشهادة التي يقدمها العقيد السوري المتقاعد عبد الكريم النحلاوي، تعد قمة شامخة بين قمم البرنامج التي أصبح عمرها نحو عشر سنوات. فالرجل هو قائد الانقلاب الذي وقع في 28/9/1961م، وأنهى الوحدة بين مصر وسوريا التي قامت في 22/2/1958م. بل إن شهادة النحلاوي الذي لم يسمع باسمه أكثر العرب اليوم، ونسيه من سمع به في حينه، لكنه ظل موضع سخط الناس جميعاً لأنه قضى على حلم عربي كان واعداً.

ومن يتابع الحلقات التي تحدث فيها الرجل الثمانيني يسجل له صدقه النادر بين صناع الأحداث السياسية وعفويته في الحديث وقدرته على الإقناع، بالرغم من أنه ليس حامل شعارات ولا صاحب نظريات. وقد رفد النحلاوي شهادته المهمة للغاية بأدلة وقرائن تتلخص في وقائع ثابتة تاريخياً وإن كان الإعلام الناصري الهائل قد نجح في طمسها يومئذ، بالإضافة إلى تلاقي شهادته مع مذكرات وشهادات أخرى لرجال من المحيطين بعبد الناصر، وبعبارة أكثر دقة: من خصوم النحلاوي سياسياً.

إن من يدرس شهادة النحلاوي وهي في خواتيمها، ينتهي إلى نجاحه في نسف الرواية القومجية التي بثها الناصريون في ذروة استبدادهم وهيمنتهم على الساحة الإعلامية، والتي يشاركهم فيها البعثيون جزئياً!! فقد التقى الطرفان المتاجران بالوحدة العربية -الناصريون والبعثيون- على تحميل النحلاوي وزملائه وزر الانفصال، ودمغوهم بأنهم عملاء للاستعمار و”الرجعية” العربية. ثم يتشاتم الفريقان بعد ذلك عند الحديث عن أخطاء الحكم في فترة الوحدة وكل منهما يلقي باللائمة على الآخر. ويجري تحميل المشير عبد الحكيم عامر مسؤولية جزئية عن نجاح الانقلاب الانفصالي!!

لكن النحلاوي بنبرته الهادئة وصوته المطمئن وحججه الدامغة، أثبت أن خطايا النظام الاستخباراتي الذي أقامه عبدالناصر في سوريا التي كانت من قبل دولة برلمانية، فيها حرية صحافة وتعددية حزبية وقضاء مستقل، هو الذي نقل الشعب السوري من الهوس بعبد الناصر إلى كراهيته بشدة. ولأن صاحب الشهادة كان مديراً لمكتب المشير عامر -نائب ناصر في دمشق- فقد كان يصارحه بالحديث عن عوامل التذمر المتنامية، حتى إن المشير الذي يعلم ما يجري توجه إلى القاهرة للضغط على رئيسه حتى اضطره إلى تنحية رجل استخباراته ومؤسس دولة التعذيب السوري عبد الحميد السراج وإن في وقت متأخر جداً.

ومن خلال قراءة بيانات الانقلاب الذي قام به النحلاوي وزملاؤه الغاضبون، والتدقيق في توقيت ومحتوى كل منها، يتأكد المراقب الموضوعي من صدق رواية الرجل، وأنه وصحبه قاموا بحركة ذات مطالب إصلاحية محدودة-حصرها في استبعاد عدد من الضباط المصريين الكبار المسيئين للسوريين ولذلك اعترض النحلاوي على زميل له قال للمشير إن التأميم لمصانع ومنشآت من دوافع تحركهم-.وأمام عامر أكد الضباط الانقلابيون أنهم ليسوا انفصاليين بل ليس لهم مطالب سياسية فهم عسكريون محترفون لم يعملوا في السياسة ابداً.
لكن تعنت عبد الناصر هو الذي أحال الحركة من إطارها العسكري المحدود إلى انفصال تام.

وليس أدل على أمانة هؤلاء الضباط وصدقهم مع أنفسهم، من أنهم بعد الانفصال سرعان ما استدعوا الساسة الكبار وأعدوا البلاد لانتخابات حرة ونزيهة، أما هم فقد عادوا إلى ثكناتهم وبعضهم تقاعد ليعيش حياته كأي مواطن!!

غير أن هؤلاء الذي تحركوا لإصلاح الفساد ثم لم يستأثروا بالسلطة ولا بأي مكسب ذاتي، جاء بعدهم انقلاب البعثيين 8/3/1963م، ليقيم نظاماً دموياً وطائفياً لم تعرف سوريا له مثيلاً من قبل!! والمضحك المبكي أن البعثيين الذين استبدوا بكل شيء ونهبوا الثروات العامة والخاصة يتهمون النحلاوي وجماعته بالتآمر وتنفيذ مخططات أمريكا والكيان الصهيوني!!!!!

=========
السبب الأول للانفصال بين مصر والسودان هو عزل محمد نجيب وشعور السودانيين بالخطر، وهذا الأمر مثل خسارة إستراتيجية لمصر لا يمكن تلافيها لأن السودان العمق الإستراتيجي الحقيقي لمصر وكان أهم من الوحدة مع سوريا

جمال حماد: طبعا إحنا خسرنا خسارة إستراتيجية لا يمكن تلافيها أو تداركها لأن السودان هو العمق الإستراتيجي الحقيقي لمصر، يعني الوحدة مع سوريا مع أهميتها ومع مزاياها لم تكن تساوي كثيرا بالنسب للوحدة مع السودان لأنه دي الوحدة الطبيعية لأنها امتداد لمصر في الجنوب.
جمال حماد.. شهادته على عصر الثورة بمصر ج5
=================
كتاب “أيام من حياتى” للمجاهدة زينب الغزالى
أنواع التعذيب في صفوف الاخوان المسلمون في مصر زمن جمال عبد الناصر.. مذكرات معتقل
يقول عالم أزهري شاءت الأقدار أن يكون في صفوف المعتقلين في مصر أيام الرئيس جمال عبد الناصر
وكان يصف صنوف أنواع التعذيب واختصرتها كما يلي :
الحلاقة :
جاء دوري في الحلاقة ،والعسكري الحلاق ليست له أدنى فكرة عن الحلاقة ، نادى علي : تعال ياحمار وبدأ يحرك ماكينته التالفة في رأسي وهي تنتف الشعرة بقوة ، وحين أتألم يقول : انت ما عاجبك حلاقتي يا ابن الكلب ، وينهال علي ضربا ، ويستأنف بطريقة أبشع .
على كل حال لم أعرف فضل هذه الحلاقة إلا لما نتفت رموشي ولحيتي وشعر إبطي وسوأتي بعد ذلك.
الرياضة الجهنمية :
ينادي جاويش السجن : كل الناس برة الزنازين ، إحنا حننزل عشان تشموا هوا ،، انزل بسرعة يابن الكلب
وما هي إلا لحظات حتى يتدفق المعتقلون إلى فناء واسع كبير وهم صفوة أبناء مصر فيهم الوزير ووكيل الوزارة والطبيب والمهندس والمحامي والتاجر والمزارع والصانع والطالب والمعلم والقاضي والفراش والضابط ..
ثم نكون في طوابير .. والطابور عدة صفوف يحيط بنا مسلحون كثر بالرشاشات والمدافع الخفيفة ويسير الطابور تحت الضرب بالكرابيج
يأتي رئيس السجن مع حاشيته ويبدأ رئيس السجن في استدعاء رؤساء الإخوان ليشيؤوا إلى الواقفين بالرقص بعد أن كانو يرشدونهم إلى الله تعالى .
وكانت إدارة السجن تحضر نوعا من الحص الرفيع تنثره في الساحة وتأمر المعتقلين بخلع جميع ملابسهم وأن يسيروا على ركبهم وكان الحصى يمزق ركبنا ..
خدعة حربية :
جاء رئيس السجن يوما ونادى المريض يخرج للعلاج الطبيب جاء .. ويخرج منا المريض المطحون ..
فالعساكر أشبعوا ضربا 100 كرباج حتى يذهب المرض وسط فهقهات الضباط والجنود وتقليبهم كف بكف
ووقف رئيس السجن ليختم هذا : هنا تعذيب فقط لا علاج لانوم لا أكل لاشرب لاراحة لاضمير لاإله
فاهمين يا بهايم ياولاد الكلب يالولاد المعرص
النظافة :
غسل الثياب والابدان كان حلما .. والوضوء خلسة
ولا تقام صلاة الجماعة فإذا ضبطنا نعاقب .
ولم استحم إلا مرة واحدة وبعض الزملاء اخترع طريقة للاغتسال بأقل قدر من الماء يأتي بكوب ويبخ به على جسم زميله ، ويمرر الصابون أحيانا على رذاذ الماء ..
النوم :
كان النوم تعذيبا ..
فمساحة الزنزانة 3*4 وفيها ثمانية مع فرشهم وحمامهم ..
العروسة :
هل رأيت العروسة ؟؟
إنها تمثال من الخشب كالصليب الكبير على شكل إنسان فاتحا ذراعيه ورجليه على شكل 8 ، ويعلها صندوق معدني يحيط بالرأس وفيها مقابض تمسك الأطرف والوسط حتى إذا ماقتيد إليها معتقل لم تفلته .
شهادة فوق العروسة :
كان المعذبون فريقين : فريق عذب وفريق ينتظر التعذيب والأخير يتألم بمشاهدة اللذين يعذبون .. حتى يأتي دوره
ولا أنسى ذلك المنظر :
إنسان ناحل ، عار ، مصلوب على العروسة والمحقق إلى جواره يلبس نظارة سوداء وفي فمه سيجار يسأل : تكلم فيأتي الرد على مرأى من الجميع : لا أعرف شيئا ، فيأمر بضربه خمسين كرباجا ، ومع وقع السياط ارتفع صوت صاحبنا بالتهليل والتكبير فنهر فلم ينتهر فزيد خمسين وخمسين وصوته يعلو ويعلو .. ثم تلاشى
ويهزه الجلاد ويلمزه لكن هيهات فقد فاضت روحه ..
وإذا سألت ماذا يصنع بجسده ؟ إنه يكوم .ز يف في خيشة ويدفن بلا صلاة ولا غسول .. ويدون في كشوف الهاربين ..
طاقية الجنون :
وهو جهاز مثل الخوذه الحديدية فيها شتى أنواع الزنابير الصفراء والحمراء اللاسعة يوضع فوق الرأس بعد حلقة والمحقق يستجب فإذا أجاب بلا أعرف رصت الخوذة أكثر .. فلربما انتهى المسجون إلى الجنون أو الموت .
التعليقة الجهنمية :
يربط المعذب ويداه برباط من حديد ثم يثبت قيد رجليه في طرف حبل يتدلى من السقف وسط بكرة معدنية ويسحب ويعلق بالمقلوب ويستجوب على هذا ..
عملية الخلع :
عبارة عن فصل أي جزء من أجزاء الجسم مثل الشعر الأظافر وأطراف الجسم ..
ويقيد الإنسان في العروسة ثم يأتى بما يشبه الزردية وهي آلة حديدية لها فكان السفلي حاد ومدبب والعلوي مسطح ثم يغرس المدبب أسفل الظفر ثم يبدأ في الشد ببطأ ليزداد في التألم ..
الحرق بالنار
بعضنا يكوى بالنار حتى يطفئ الدم تلك النار ..
النفخ :
بشعة جدا يؤتى بالمسجون ويصلب في العروسة ثم يأتى بأنبوب هوائي مثل أنبوب هواء السيارات
فيدخل في الدبر ثم يمتلئ بطن المسجون بالهواء كالمنطاد ….
التعذيب بالفحشاء :
والكلام هنا عنه مخجل وبشع :
كان المعتقلون يجبرون على أداء الفحشاء واللواط مع بعضهم ولم يكن مطاقا ولا ممكنا فكانت الملابس تجرد ويلصق الجنود أدبار المعتقلين في قبل البعض أو يطرح البعض على وجهه ويلقى الأخر عليه تحت وقع السياط والكرابيج .. ولا يملك الضعاف العجاف المروعون كي يفعلوا ما يطلب منهم ..
أما الزنا فما أسهل أن يقيد المعتقل على العوسة ويؤتى ببنته البكر أو زوجته أو أمه ليعبث بها الجنود وربما صدرت الأوامر إلى بعضهخم بهتكها وصاحبنا مكبل في أحضان العروس الخشبية والجهنمية .
فلا حول ولاقوة إلا بالله ..
وشكرا
ملاحظة : الموضوع : لخصته لكم من كتاب قذائف الحق للغزالي

أ

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: