عن الأمازيغية والعربية خالد شوكات

عن الأمازيغية والعربية

2009 الأربعاء 22 أبريل
 
خالد شوكات
 
 أثار الحوار الذي أجريته مع عمدة مدينة روتردام الهولندية أحمد أبو طالب، و الذي نشرته “إيلاف” كخبر رئيسي مشكورة، جدلا من نوع خاص، أوصله بعض القراء الأعزاء للأسف الشديد رجما بالعنصرية، وتبادلا للشتائم والعار والشنار، لا يليق في كل الأحوال بمن يحمل قضية قومية، يجب أن تكون في نهاية الأمر قضية إنسانية، لأن ثمة خيطا رفيعا بين حب القوم الذي هو فطرة بشرية سليمة، و التعصب الشوفيني الاستعلائي الذي هو حالة مرضية.
لقد وصفت السيد أحمد أبو طالب بالعربي، لأنه لا يتردد شخصيا في قول ذلك، فهو في أكثر من مرة، بما في ذلك يوم لقائي به في مقر بلدية روتردام، قال أنه سياسي هولندي من أصل “أمازيغي” و”عربي” و”مسلم”. والرجل يدرك تماما أنه لا تناقض في داخله بين هذه التوصيفات، بل لعله من السياسيين الهولنديين القلائل من أصل أجنبي، ممن يتعاملون مع أصولهم العرقية أو الدينية بكثير من الأريحية، و بلا عقد، حيث لا يحاولون كما يفعل غيرهم، إثبات أنهم هولنديون أكثر من الهولنديين أنفسهم، ولا أدل على الأمر من أن أبو طالب رفض الرضوخ لضغوط اليمين المتطرف بالتخلي عن جواز سفره المغربي، وبالتالي جنسيته المغربية.
و القول بأنني “عربي” و “أمازيغي” في نفس الوقت لا يحمل أي تناقض لاعتبارات عديدة، فمن الناحية الرسمية أو القانونية، يعتبر كل المغاربة من مواطني دول الاتحاد المغاربي الخمسة، عربا ما دامت دولهم أعضاء في جامعة الدول العربية، وهم يعاملون على هذا النحو في العالم العربي، بل وفي كل أنحاء العالم، حتى وإن توزعت أصولهم الاثنية أو القومية على العروبة والأمازيغية وغيرها من الأعراق المنتشرة في الشمال الأفريقي.
أما من الناحية العرقية، فإنه سيصعب في حقيقة الأمر، وخصوصا في حالة الدول المغاربية، التفريق حقيقة بين من هو عربي حقا ومن هو أمازيغي، فلقد تمازجت القبائل العربية و الأمازيغية لفترة تزيد عن الألف سنة، و أصبح من الصعوبة بمكان لعربي أن يثبت فعلا أنه عربي حتى وإن كان يتحدث العربية، كما يصعب أيضا على الأمازيغي أن يفعل ذلك حتى وإن كان لا يتقن من اللغات غير إحدى اللهجات الأمازيغية.
و قد أثبتت الدراسات التاريخية أن قبائل عربية كثيرة “تمزغت” كقبيلة “المطلاسة” في المنطقة الشرقية للمملكة المغربية، فيما تعربت أيضا العديد من القبائل الأمازيغية مثل قبيلة “الفراشيش” في تونس، أو جل قبائل الشاوية في الجزائر، أو عددا كبيرا من قبائل “لمتونة” و”مصمودة” و “زناتة” في المغرب وموريتانيا وليبيا.
وعلى الرغم من وجود مناطق ذات أغلبية ناطقة بهذه اللهجة أو تلك من اللهجات الأمازيغية، في المغرب أو الجزائر، وبدرجة أقل في تونس وليبيا، فإن ذلك لا يدل على أن العنصر القومي الأمازيغي أكبر بكثير من هذه المناطق المحدودة، وإنه لمن الخطأ الكبير أن يحول بعض القوميين الأمازيغ تعصبا وضيق أفق القضية الأمازيغية إلى قضية “أقليات” في حين أن دول المغرب الكبير هي دول أمازيغية كما هي أيضا دول عربية.
و مشكلة بعض القوميين الأمازيغ على وجه التحديد، كما بعض القوميين العرب أيضا، أنهم مرتبطون في تعريفهم للقومية أو الأمة بالتعريف الغربي، الذي هو تعريف “لغوي” بالدرجة الأولى، ورأيي أن الأمم كما القوميات حالات خاصة، لكل واحدة منها أن تصوغ تعريفها الخاص بها، فالأمة الهندية على سبيل المثال ليست متجانسة لغويا، والأمة الألمانية ليست مصاغة في دولة واحدة، و في دولة الأمة الروسية تعيش مئات الأمم والقوميات، والأمة الأمريكية تتكلم لغة واحدة تقريبا، لكنها منحدرة من قوميات متعددة.
و ضمن هذا السياق، فإنني ما أزال متشبثا برأيي أن الأمة الأمازيغية هي أمة ناطقة باللغتين الأمازيغية والعربية، و أنها متداخلة من حيث المجال السياسي والأقليمي تداخلا عضويا مع الأمة العربية، وأنه يجوز للأمازيغ والعرب في المغرب الكبير أن يقولوا دونما عقد بأنهم مزيج من عنصرين تاريخيين، وأنهم أمازيغ وعرب في ذات الوقت.
و بالعودة إلى تاريخ البلاد المغاربية، فإن الواضح أن المسألة العنصرية لم تكن واردة إلا لماما، وأن الحكم كان منذ اليوم الأول لوصول العرب تداولا، ولم يكن يضير ذلك أحد العنصرين، فقد ولي طارق بن زياد الأمازيغي منذ الإسلام المبكر جيوش المسلمين وفتح الأندلس، و عرفت البلاد المغاربية قيام دول عظيمة أمازيغية القيادة على شاكلة المرابطين والموحدين و الحفصيين والمرينيين والوطاسيين والزيريين والصنهاجيين وغيرهم، بل إن الدول ذات القيادة العربية كدول الفاطميين و الأدارسة والعلويين كانت عمليا دولا أمازيغية لاستنادها في النشأة والاستمرار على القبائل الأمازيغية الكبرى كصنهاجة و زناتة ومصمودة ونفوسة وغيرها..
و يقول المؤرخون أن تعرب المغرب الكبير من الناحية اللغوية قد تحقق عمليا خلال المرحلة الاستعمارية الفرنسية، ليست لأن الإدارة الفرنسية قد عملت على نشر لغة الضاد كما يهمز بعض المتعصبين، إنما كرد فعل على المحاولات الاستعمارية للعب على عامل التفرقة العنصرية وإثارة النعرات العصبية، خصوصا خلال الثلاثينيات من القرن العشرين، عندما قامت بمحاولة تطبيق “الظهير البربري” سيء الصيت.
و ينظر الأمازيغ في المغرب الكبير إلى العربية غالبا، على أنها لغة “الإسلام” وليست لغة “القومية العربية”، ولو تصرف العرب كغزاة واستعماريين في الشمال الأفريقي، ولم يتصرفوا كأخوة في العقيدة والدين بعد أن تحول الأمازيغ إلى اعتناق العقيدة المحمدية، لجرت مقاومتهم وامتنع الناس على الحديث بلغتهم، مثلما جرى الأمر مع غزاة متقدمين كالرومان والإغريق، وغزاة متأخرين كالفرنسيين والطليان و الإسبان.
بل لعل التاريخ يسعفنا بما هو أبلغ دلالة، فلقد ساهم الأمازيغ مساهمة فعالة في صياغة وتطوير اللغة العربية المتواصلة إلى اليوم، ف”لسان العرب” الذي هو موسوعة لغة الضاد الأولى من تأليف عالم لغوي أمازيغي هو “ابن منظور القفصي التونسي”، و “الفية إبن مالك” التي أوجزت كما لم يفعل مصنف قبلها قواعد العربية، هو من تأليف “إبن مالك” الأندلسي الأمازيغي.
و في العصر الراهن تحضرنا أسماء من الوزن الثقيل في الفكر السياسي العربي، من قبيل الشيخ إبن باديس الذي قيل أنه مفجر الثورة الجزائرية الحقيقي، وهو القائل بأن “أرض الجزائر مسلمة وإلى العروبة تنتمي”، و لا يناقش أحد أن الشيخ الجليل هو من أصل أمازيغي أصيل، وبالتحديد “قبائلي”.
أما الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، قائد ثورة الريف العظيمة، و زعيم قبيلة “بني ورياغل” الأمازيغية المجيدة، فهو من أسس مكتب “المغرب العربي” في القاهرة، وقيل أنه أول من أطلق صفة العروبة على بلاد المغرب، أو هو من أوائل من قال بذلك على الأقل.
 و يعد الدكتور محمد عابد الجابري واحد من أبرز وجوه الفكر العربي المعاصر، بل لا أحد يجادل في نزعته القومية العربية الواضحة ثقافيا وسياسيا، وهو أيضا منحدر من أصل أمازيغي، و لا يزال يتكلم هو وأهله في مدينة “فجيج” المغربية إحدى اللهجات الأمازيغية.
أما محاولة البعض استدعاء مبررات التهميش الاقتصادي أو الاجتماعي أو اللغوي أو الثقافي، التي تمارسها بعض الأنظمة في الدول المغاربية ضد المناطق ذات الأغلبية الناطقة بالأمازيغية، لدعم نظرية التمييز العنصري والقومي من العرب ضد الأمازيغ، فإنها برأيي محاولة قاصرة لأن استبدادية وديكتاتورية هذه الأنظمة تحركها دوافع أخرى كثيرة، وقد طال ظلمها العرب والأمازيغ دون تفرقة، وبالقدر الذي يقال أن منطقة “الريف” قد همشت في عهد الحسن الثاني على سبيل المثال، فإن “الجنرالات” و”الضباط” الريافة كانوا أعمدة الجيش الملكي و لا يزالون، وبالقدر الذي يقال أن “أحمد أبو طالب” رمز لنجاح “الريافة” في هولندا، يمكن ضرب كثير من الأمثلة على نجاح عرب آخرين في السياسة الهولندية ك”محمد الرباع” الذي كان أول مغربي يرأس حزبا أوربيا هو “حزب اليسار الأخضر، تماما كما يمكن سوق مئات الأمثلة على “أمازيغ” و”عرب” غارقون في عالم المخدرات والجريمة المنظمة.
شخصيا، أنا مستمتع جدا بهذه الهوية القومية المزدوجة، وقد دعمتها بزواجي من سيدة ريفية فاضلة من مدينة الناظور إحدى حواضر الريف الشهيرة، كما أنعم الله علي قبل ثلاث سنوات بإبن أفخر بأنه سليل الأميرين محمد بن عبد الكريم الخطابي وعلي بن خليفة النفاتي، و سأكون سعيدا عندما أراه يتكلم العربية والريفية إلى جانب لغات أجنبية أخرى..ليس ثمة أعظم من نعمة التنوع.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: