كركـوك مدينــة كانـت جـزءا مـن امارتـي اردلان وبابان : نوري طالباني

 كركـوك مدينــة كانـت جـزءا مـن امارتـي اردلان وبابان
التاريخ: Monday, July 02
الموضوع: بحوث ودراسات
الدكتور: نوري طالباني /  القسم الاول)
 
كانت مدينة كركوك جزءا من امارتي اردلان (617 هـ ـــ  1284 هـ) وبابان (1106 هـ ـــ 1267 هـ) خلال فترات متفاوتة ثم اصبحت مركزا لولاية شهرزور حتى عام 1879. (1) وقد اشار الى ارتباطها بامارة بابان ومن ثم كونها مركزا لولاية شهرزور شاعر كركوك المعروف الشيخ رضا طالباني (1835 ـــ 1910) في قصائد واشعار له باللغات الكردية والفارسية والتركية. (2) فقد قال في قصيدة مطولة له باللغة الكردية: انه يتذكر ايام حكم امارة بابان التي كانت السليمانية مركزا لها والتي لم تكن خاضعة لا لحكم العجم ولا لسلطة آل عثمان. (3) وعندما كان الشاعر في العقد الثالث من عمره تقريبا ونوى زيارة الاستانة، زار وهو في طريق سفره اليها قرية (بريفكان) لزيارة مرقد الشيخ  نور الدين البريفكاني. (4) ونظم الشاعر امام مزاره قصيدة باللغة الفارسية مجد فيها الشيخ البريفكاني احد كبار شيوخ التصوف في كردستان يبدأ الشاعر القادم من كركوك قصيدته بالقول: انه جاء من بلاد شهرزور في طريق سفره لبلاد الروم ــ ويقصد بها تركيا حيث يطلق عليها الكرد هذه التسمية ليزور مرقد الشيخ نور الدين. (5)

 

وفي عام 1879 م عندما قررت الدولة العثمانية نقل ايالة شهرزور من كركوك الى الموصل، سجل لنا الشاعر في بيت شعر له باللغة التركية حزنه واساه، محذرا الاهالي ايضا من هذا التحول وذكر ايضا اسم الوالي الجديد الذي يبدو انه كان معروفا لديه حيث كان في كركوك قبل ذلك التاريخ يقول الشاعر اصبحت الموصل مركز للولاية، واصبح (نافع افندي) واليا عليها فالويل للرعية وليطمر الاهالي رؤوسهم بالرماد! (6) اضافة لهذه الشهادة الشعرية للمراحل التي مرت بها كركوك ودونها لنا الشاعر قبل قرن ونيف، سجل لنا رحالة عثماني معروف شهادته عن هذه المدينة في موسوعة له باللغة التركية تعرف باسم (قاموس الاعلام) يقول العلامة شمس الدين سامي بصدده مدينة كركوك في موسوعته تلك: “انها تقع ضمن ولاية الموصل التابعة لكردستان وعلى بعد 160 كم من الجنوب الشرقي لمدينة الموصل. وهي ايالة سنجق شهرزور لها من النفوس 30000 نسمة وفيها قلعة و36 جامعا ومسجدا و7 مدارس و15 تكية وخانقاه، و12 خانا و1282 دكانا و5 حمامات.” (7) وعن الحالة القومية في مدينة كركوك كتب: ان ثلاثة ارباع الاهالي من الكرد. والبقية من الاتراك والعرب وغيرهم. وفي المدينة 760 يهوديا و460 كلدانيا”.
واحتفظت مدينة كركوك بطابعها الكردي رغم محاولات الادارة العثمانية تقوية نفوذ ومراكز بعض الاسر التركية التي كانت موضع ثقة آل عثمان والتي استقر اجدادها في كركوك بعد نجاح حملة السلطان مراد الرابع عام 1048 هـ واستعادته العراق من الصفويين. (8).
وقد عهدت الادارة العثمانية لرؤساء هذه الاسر التركية الاصل منصب (المتسلمية) اي الادارة مع منحهم القابا عالية. (9) وقدمت هذه الاسر بدورها دعما مستمرا للحكم العثماني وثقافته “وكانوا مصدرا خصبا لتزويده بالموظفين. (10)
وتتطرق دائرة المعارف الاسلامية للوضع الاداري في منطقة كركوك خلال الفترة الاخيرة من الحكم العثماني قائلة: كانت كركوك مركزا لايالة شهرزور في القرن الثامن عشر التي كانت تضم الالوية الحديثة التالية: كركوك واربيل والسليمانية ثم اطلق اسم شهرزور على سنجق كركوك والحق به لواء كركوك في حين ظل شهرزور التاريخي ــ اي السليمانية ــ خارج السنجق الجديد. وشكلت ولاية الموصل عان 1879 وبقيت كركوك مدينة عسكرية مهمة”. (11) ثم تضيف ان ولاية الموصل كانت مكونة من ثلاثة سناجق او ألوية هي الموصل وكركوك والسليمانية وفي عام 1918 فصلت ثلاثة اقضية في شمال الزاب الصغير عن كركوك لتشكل منها لواء اربيل. (12) وبقيت هذه السناجق تابعة لولاية الموصل لحين اندلاع الحرب العالمية الاولى حيث تمكنت القوات البريطانية من احتلالها في نهاية الحرب فقد احتلت تلك القوات مدينة كركوك في 17 ايار 1918 بقيادة الجنرال مارشال الذي انسحب منها في 27 من الشهر نفسه، وعاد اخيرا لاحتلالها بصورة نهائية في نهاية تشرين الاول (اكتوبر) من العام نفسه، لدى ابرام معاهدة صلح مودروس من بريطانيا والدولة العثمانية. (13) ويلاحظ ان باستثناء منطقة السليمانية التي تشكلت فيها ادارة كردية برئاسة الشيخ محمود الحفيد يعاونه بعض المستشارين الانجليز، كانت المناطق الاخرى من ولاية الموصل خاضعة للادارة المباشرة لجيش الاحتلال الانجليزي باشراف عدد من الضباط السياسيين البريطانيين، واكتشفت خلال هذه الفترة من احتلالهم للولاية منابع  النفط الهائلة في كركوك فاعادوا النظر في سياستهم السابقة في المنطقة وسعوا الى البقاء فيها رغم انها لم تكن ضمن حصتهم بموجب اتفاقية سايكس ــ بيكو السرية المبرمة عان 1916 بينهم وبين فرنسا، وادت الجهود التي بذلوها لدى  فرنسا الى اقناعها بالتناول عن هذه الولاية وابرام معاهدة سان ريمو في 24 نيسان 1920 التي تنازلت فرنسا بموجبها عن الولاية لقاء اعطائها نسبة محددة في شركة النفط التركية TPC التي كانت تأسست سابقا بين تركيا العثمانية والمانيا البحث عن النفط واستثماره في حدود ولايتي بغداد والموصل. (14) وهكذا كان اكتشاف النفط في كركوك وفي اطرافها سببا اساسيا لالحاق ولاية الموصل بالدولة العراقية التي انشاها الانجليز عام 1921 من ولايتي بغداد والبصرة والذين نصبوا الامير فيصل بن الشريف حسين ملكا عليها. (15) وقد تم الحاق ولاية الموصل التي تشكل كركوك جزءا مهما منها بالعراق بعد صدور قرار مجلس عصبة الامم في كانون الاول 1925 لتسوية حدود هذه الولاية وقد اتخذ القرار المذكور بعد تقديم لجنة الحدود الدولية تقريرها الى مجلس العصبة‘ عقب زيارتها للولاية في شهر شباط من العام نفسه. (16) وكانت الادارة البريطانية قد جعلت الاجواء مناسبة لزيارة هذه اللجنة الدولية للولاية والتي قدمت اليها بقصد الاستكشاف والاستطلاع فقد نظمت في كانون الاول من عام 1924 زيارة  للملك فيصل الاول لارجاء ولاية الموصل باستثناء منطقة السليمانية، لحث الناس فيها على طلب الانضمام للدولة العراقية الحديثة التي تاسست في اواسط 1921. وقد جعلت الادارة البريطانية من زيارة الملك للولاية مناسبة لرفع العلم العراقي على مباني الدوائر الرسمية فيها، وذلك قبل البت بمصيرها من قبل مجلس عصبة الامم. (17) ويؤكد العديد من الباحثين العراقيين، وفي مقدمتهم المرحوم عبدالرحمن البزاز على ان الجهود البريطانية هي التي حسمت الامر لصالح العراق وجعلت ولاية الموصل جزءا منه ويجب القول هنا بان المصالح الاقتصادية والاستراتيجية لبريطانيا هي التي دفعتها لالحاق ولاية الموصل. فقد كانت بريطانيا الدولة المنتدبة على العرق تخطط لارسال نفط كركوك الى الموانئ الواقعة على الشواطئ  للبحر الابيض المتوسط، ومن ثم شحنها من هناك الى اوروبا والغرب وكان يتعذر آنئذ ارسال نفط كركوك الى تلك الموانئ الا عبر الاراضي العراقية، عن طريق انشاء خط للانابيب تمتد من كركوك حتى الموانئ السورية واللبنانية فلم يكن بامكانها مثلا ارسال نفط كركوك عبر الاراضي التركية نظرا لتوتر العلاقات آنذاك بين بريطانيا وتركيا التي كانت تطالب بولاية الموصل وتعتبرها جزءا منها وقد تم فيما بعد ــ في اواسط الثمانينيات ـــ ربط كركوك بميناء جيهان التركي بانبوب خط جديد لنقل  النفط، ليتم شحنه من هناك الى انحاء العالم. (18) ،ورغم ان الحاق ولاية الموصل بالدولة العراقية المستحدثة قد تم بقرار دولي، الا انه كان مشروطا بوجوب التزام كل من بريطانيا والعراق “الاخذ بالحسبان رغبات الكرد الذين كانوا يطالبون بوجوب تعيين موظفين من اصل كردي لادارة بلادهم وبان تكون اللغة الكردية هي اللغة الرسمية في المرافق الخدمية المختلفة (19). لكن الحكومات العراقية المتلاحقة تراجعت عن هذه الالتزامات الدولية ومارست في منطقة كركوك بالذات سياسة مغايرة لتلك الالتزامات اذ حاولت دوما منع الكرد من لعب اي دور لهم في مقدرات كركوك، خاصة بعد ادراكها لاهميتها الاقتصادية والاستراتيجية بالنسبة للدولة العراقية المستحدثة وللمصالح الحيوية الانجليزية. (20) تبين ذلك مباشرة بعد احتلال كركوك، حيث قررت الادارة البريطانية المحتلة ومن بعدها الحكومات العراقية المتعاقبة ابقاء اللغة التركية لغة للتعليم والادارة في كركوك وحتى نهاية العشرينيات مع اعطاء دور للتركمان لا يتناسب مع حجمهم ونسبتهم السكانية داخل المدينة وفي اللواء وهي السياسة نفسها التي كان العثمانيون يتبعونها فيما مضى. وتم التنسيق بين الحكومات العراقية المختلفة وادارة شركة نفط العراق التي كان الانجليز يديرونها وتتخذ من كركوك مركزا لها، بهدف استقدام ابناء المحافظات العراقية الاخرى لاستخدامهم في منشآت الشركة داخل كركوك وفي اطرافها ولهذا السبب بالذات “تهافت على لواء كركوك الاف من العمال والمحترفين والفنيين تتبعهم الاف اخرى من اصحاب المهن المختلفة وصغار التجار والباعة وطالبي الرزق”. (21) وترتب على استخدام هذا العدد الهائل من العمال والفنيين  وغيرهم في منشآت الشركة والقادمين من الالوية الاخرى، ظهور احياء شبه مستقلة خاصة بالعرب والاشوريين والارمن داخل الاحياء القديمة في كركوك القريبة من تلك المنشآت. (22) ويقدر بعض الباحثين نسبة الزيادة في عدد سكان كركوك للفترة من 1919 الى 1968 الى خمسة اضعاف ما كان عليه، وعدد المهاجرين اليها للفترة ما بين 1947 ـــ 1957 وحدها بـ(39000) مهاجر. (23) ويجب الاشارة هنا الى ان نسبة العمال والمستخدمين الكرد في منشآت الشركة كانت تأتي بعد الاخرين ولا تتناسب مطلقا مع عدد نفوسهم في المدينة وفي اللواء (المحافظة). (24) تبين ذلك بوضوح بعد انشاء شركة النفط في بداية الخمسينيات لمئات الدور السكنية لمستخدميها في منطقةاطلق عليها اسم (عرفة/ Arrapha) او كركوك الجديدة. لقد كان معظم شاغلي تلك الدور من الاشوريين والارمن والعرب والتركان ما جعل الكرد يشعرون بالغبن الذي لحق بهم منذ البداية وهكذا ادى استثمار حقول النفط في كركوك وفي اطرافها الى استيطان اعداد كبيرة من ابناء المحافظات الاخرى داخل مدينة كركوك واستمرت الحكومات العراقية في العهد الملكي في اتباع السياسة نفسها اي تشجيع غير الكرد على الاستيطان في كركوك ومنع استخدام اللغة الكردية في التعليم الابتدائي  في الاحياء الكردية (25) . كما منعت الكرد ايضا من  الاحتفال  بعيد نوروز في كركوك، بينما كانت تسمح باحيائه احيانا في بعض مدن اخرى من كردستان ومع ذلك يجب القول ان هذه الحكومات لم تكن تمارس سياسة طرد الكرد من كركوك ولا توضع العراقيل امام هجرة الفلاحين اليها من القرى الكردية التابعة للواء خلال سنوات القحط والجفاف غير ان وزارة ياسين الهاشمي خططت منذ اواسط الثلاثينيات لتوطين عشائر عربية رحل في سهل الحويجة في جنوب غربي اللواء، وذلك بانشاء مشروع للري لجلب الماء من نهر الزاب الصغير الى السهل المذكور. (26)

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: