عملية قفصة المسلحة لسنة 1980 ليبيا تونس

عملية قفصة المسلحة لسنة 1980 :

– كرونولوجيا الأحداث : عملية قفصة هي عملية مسلحة جرت في الليلة الفاصلة ما بين 26 و27 جانفي 1980، تولت القيام بها مجموعة من الأشخاص قدر عددهم بحوالي 60 مسلح هاجموا مراكز الشرطة والحرس وثكنتين بالمدينة قبل أن يوجهوا دعواتهم إلى الأهالي للانضمام إلى “الثورة المسلحة “والإطاحة “بالنظام البورقيبي” ([36]). وقد وزعت المهام على خمس مجموعات هي على التوالي :

– مجموعة “أحمد المرغني “، تتكون من 23 شخصا وستتولى مهاجمة ثكنة “أحمد التليلي”

– مجموعة “بلقاسم كريمي” و”عبد المجيد الساكري”، مهمتها مهاجمة مركز الشرطة بالمدينة

– مجموعة “حسين نصر العبيدي” و”عبد الرزاق نصيب” تهاجم مركز الحرس

– مجموعتا كل من “العربي الورغمي” و”نور الدين الدريدي” من جهة و”عز الدين الشريف” من جهة ثانية تتوليان مهاجمة ثكنة الجيش داخل المدينة ([37]).

بدأت الأحداث بإطلاق قذيفة بازوكا كإشارة انطلاق، ونجحت بعض المجموعات في الاستيلاء على بعض المراكز الأمنية قبل أن تلتحق بمهاجمي الثكنة العسكرية بالمدينة. وتمكن “أحمد المرغني” من السيطرة على الثكنة العسكرية الخارجية بعد أن أسر من فيها. في مقابل ذلك أبدت الثكنة الداخلية مقاومة حالت دون الاستيلاء عليها([38]). تمكن المهاجمون في صبيحة يوم 27 جانفي من السيطرة على المدينة بعد أن سقطت المراكز الأمنية وثكنة الجيش الخارجية في أيديهم ولم يبق إلا جيب مقاوم بالثكنة الداخلية. لكن ذلك لن يستمر طويلا بسبب عدم استجابة سكان مدينة قفصة للنداءات المتكررة لحمل السلاح والالتحاق بـ”الثورة “، وبسبب غياب التنسيق بين مختلف المجموعات مما أدى إلى فشل قياداتها في تشكيل “حكومة مدنية”. تدعم هذا الفشل بدخول قوات الجيش المدينة وإعلان السيطرة عليها. وبالتوازي مع سير العملية المسلحة يمكن الإشارة إلى بعض الأحداث التي من أبرزها :

– قتل رجل شرطة وأسر أعوان آخرين عند الاستيلاء على مركز الشرطة

– تعطيل حافلة جزائرية واستخدامها كحاجز من طرف “الثوار” بعد أن تم إيقاف ركابها في شكل رهائن

– قتل شخصين في سيارة رفضت الامتثال

– قتل عضو لجنة التنسيق الحزبي الذي جاء يستفسر عما يحدث باعتباره مسؤولا حزبيا

– رفع النداءات عبر مضخم الصوت للالتحاق بالثورة و”الإطاحة بحكم بورقيبة الطاغية وحزبه ووزرائه السراق”

– محاولة “الشريف ” التنسيق مع بعض الوجوه النقابية والمعارضين لكن بدون جدوى

– أسر ثلاثة أعوان شرطة من طرف مجموعة يقودها متطوع من الداخل

– احتجاز 300 جندي كأسرى بقاعة رياضية بالمعهد الثانوي

– رصاصة طائشة تصيب “محمد صالح المرزوقي” أحد قادة العملية، ينقل على إثرها إلى المستشفى

– المهاجمون ينسحبون وينتهي الأمر بإلقاء القبض على “أحمد المرغني” القائد العسكري للعملية بضواحي حامة قابس يوم 6 فيفري واستسلام “عز الدين الشريف” قائدها السياسي ([39]).

– عوامل اختيار قفصة :

لقد ساعدت عدة عوامل على اختيار مدينة قفصة مكانا وزمانا، ولم يكن ذلك وليد الصدفة. فقفصة التي تبعد عن الحدود الجزائرية حوالي 100 كلم وعن الحدود الليبية قرابة 700 كلم، شكلت مركز استقطاب تاريخي لأغلب الحركات الرافضة للسلطة الحاكمة سواء كان ذلك أثناء الفترة الاستعمارية أو إبان فترة الحكم البورقيبي. فالمعروف لدينا أن قفصة بفضل مناجمها وما نشأ بالتوازي مع ذلك من حركة عمالية كانت من الفضاءات المبجلة للحركة النقابية المعروفة باسم “جامعة عموم العملة التونسيين” التي أسسها الزعيم النقابي “محمد علي الحامي”. وهي إحدى ملا ذات الحركة اليوسفية وجيش التحرير الشعبي الذي أسسه “الطاهر لسود” أو ما كان يطلق عليه “بورقيبة” تسمية “الفلاقة” الذين رفضوا تسليم أسلحتهم بعد توقيع اتفاقية الاستقلال الداخلي سنة 1955، وبرتوكول الاستقلال سنة 1956. كما كانت قفصة مركز دعم وتمويل وتسليح للثورة الجزائرية، قبل أن تكون المكان الذي اختارته مجموعة من العسكريين والمدنيين اليوسفيين للتخطيط وانطلاق “حركتهم الانقلابية” لسنة 1962. وهي بالإضافة إلى ذلك موطن “عز الدين الشريف ” القائد السياسي لعملية قفصة وأحد أبرز وجوه المحاولة الانقلابية السالفة الذكر. كل هذه العوامل جعلت من قفصة موطنا لعدم الاستقرار السياسي فحضيت باختيار منفذي العملية المسلحة([40]). تدعم ذلك ببعض المعطيات الأخرى لعل أبرزها قرب الحدود الجزائرية مما سهل توفير الأسلحة والقدرة على التسلل والانسحاب، وانتماء “عز الدين الشريف” القائد السياسي للعملية لجهة قفصة ساعد على إعطاء دور للعامل القبلي خاصة وأن عرش “أولاد عبد الكريم” الذي ينتمي إليه “الشريف” عرف عنه تمرده على السلطة المركزية أثناء حكم البايات بل وافتكاك المجبى من المحلة.

 بالتوازي مع كل ذلك شكلت قفصة مركزا للتأزم الاجتماعي بعد أن انعكست عليها نتائج الاختيارات التنموية الفاشلة لفترة السبعينات من القرن العشرين ([41]). إن ظاهرة البطالة المتنامية في قفصة ستدفع إلى بروز وعي عمالي ونقابي في الفضاءات المنجمية وإلى تنامي حركة الهجرة إلى ليبيا التي قدرت في حدود 51 بالمائة ([42]).

لقد وجد منفذو العملية في هذه العوامل مجتمعة الأرضية المناسبة للاختيار المكاني والزماني، إن عملية قفصة في رأي منفذيها هي امتداد لرد فعل شعبي ساخط على الاختيارات الاقتصادية التي عمقت الفروق الاجتماعية وكرست الاستبداد السياسي، فهي في نهاية الأمر امتداد للانتفاضة العمالية التي عرفتها البلاد سنة 1978 إذا لم تكن إحياء لذكراها بالطريقة المناسبة.

 

– من يقف وراء عملية قفصة ؟

– منفذو العملية : بالرغم من انتماء منفذو العملية للجبهة القومية التقدمية ([43]) ذات التوجه العروبي – اليوسفي، فإنه لم يتم التركيز على تلك الخلفية السياسية والاكتفاء بالنظر إلى تلك الأحداث على أنها من فعل “مكتب الاتصال الخارجي” أحد مؤسسات جهاز الاستخبارات الليبي الذي يحتل مكانة مرموقة لدى القيادة الليبية ([44]).

– بعض الخصائص العامة : ينتمي ما يزيد عن 68 % من المشاركين في عملية قفصة إلى الفئة العمرية ما بين 20 و 30 سنة أما النسبة المتبقية فتتراوح أعمارهم ما بين 31 و 60 سنة. وتقدر نسبة العزاب ب65 % وهي النسبة التي يحتلها من لهم سوابق من بينهم 14 % ذوي سوابق سياسية وحوالي 86 % ذوي سوابق مدنية. يشتغل 81 % من منفذي العملية في أشغال يدوية (البناء، الدهن، النجارة، التجارة والعمل الفلاحي) ولا يشتغل بالعمل الفكري سوى شخص واحد هو “الشريف” الذي كان يعمل بالتعليم وله تكوين زيتوني. وتقدر نسبة العاطلين بحـوالي 10 %. فيما يتعلق بالانتماء الجغرافي فغالبية منفذي العملية ينتمون إلى الولايات الداخلية حيث تصل نسبتهم إلى أكثر من 78 % وتتوزع النسبة المتبقية بين الولايات الساحلية ب حوالي 10 % والعاصمة بحوالي 13 % ([45]).

تبين لنا النسب المعتمدة أن أغلبية أفراد الكمندوس المسلح هم من الشباب غير المرتبطين بعلاقات زوجية، وهو ما ساعد على تجنيدهم في حقل “العمل المسلح” في ظروف اتسمت بالهجرة إلى ليبيا بحثا عن شغل يوفر دخلا قارا بعد أن تعذر عليهم الحصول على ذلك في موطنهم الأصلي، هذا الموطن الذي لم ينل حظه بدوره من المشاريع التنموية. إن النسب المعتمدة تشير بوضوح إلى أن الغالبية العظمى من منفذي العملية هم أصيلي الولايات الداخلية التي ينتمي إليها أغلب المهاجرين إلى ليبيا.

– قيادة العملية : تمركزت قيادة عملية قفصة المسلحة في أيدي شخصين اثنين هما “عز الدين الشريف” القائد السياسي و”أحمد المرغني ” القائد العسكري ([46]).

– “عز الدين الشريف” : أصيل مدينة قفصة، درس لمدة سنتين بالمدرسة الفرنسية العربية قبل أن يلتحق بفرع جامع الزيتونة بقفصة سنة 1948 أين أحرز على الشهادة الأهلية، ثم واصل دراسته بالجامع الأعظم حيث أحرز على شهادة التحصيل قبل أن ينتمي إلى شعبة الآداب و اللغة العربية. في سنة 1957 عمل في سلك التعليم الابتدائي بعد مشاركته في مناظرة في الغرض. شارك سنة 1962 في المحاولة الانقلابية للإطاحة بنظام الحكم مما أدى إلى سجنه 10 سنوات مع الأشغال. بعد انقضاء العقوبة بما في ذلك الفترة التكميلية عاد “الشريف” إلى سالف نشاطه المعارض فالتحق بليبيا ليجد بعض رفاقه القدامى الذين مهدوا له الطريق عبر ربطه “بمكتب الاتصال العربي”، فتوسعت دائرة نشاطه لتشمل الجزائر والبوليزاريو أين تمرس على ممارسة تهريب الأسلحة. بداية من سنة 1978 بدأ “الشريف” الإعداد لعملية قفصة صحبة رفيقه “أحمد المرغني “عبر تسريب الأسلحة إلى قفصة والإعداد البشري والمادي للعملية التي تحدد تاريخها في يوم 27 جانفي1980 ([47]).

– “أحمد المرغني” : من مواليد جرجيس بالجنوب التونسي سنة 1941، زاول تعليما ابتدائيا متقلبا انتهى به إلى الانقطاع عن الدراسة والدخول في الحياة العامة بصفة مبكرة. بدأ أولى تجاربه في الهجرة سنة 1962 عندما انتقل إلى الجزائر للعمل قبل أن يتحول إلى ليبيا سنة 1971 لنفس الغرض. وقد تغير مسار حياته بعد أن احتك ببعض وجوه المعارضة وبسبب انتمائه “للجبهة القومية للقوى التقدمية التونسية “. كلف “المرغني” في أول اختبار له بتفجير مقر الحزب الحاكم في تونس والمركز الثقافي الأمريكي وذلك في شهر جوان من سنة 1972. وقد ألقي عليه القبض قبل تنفيذ العملية وحكم عليه بخمس سنوات سجنا، قضى منها أربع سنوات فقط بسبب العفو الرآسي بمناسبة ذكرى عيد الاستقلال سنة 1976. عاد بعد ذلك إلى ليبيا ليمارس نشاطه مجددا في صفوف الجبهة القومية التقدمية. ثم التحق بعد ذلك بجبهة البوليزاريو لقضاء خمسة أشهر في التدرب على الأسلحة الخفيفة، ثم انتقل إلى لبنان لتجنيد بعض التونسيين في صفوف الجبهة القومية التقدمية ([48]).

– الدور الليبي :

لقد نفت السلطات الليبية أي علاقة لها بعملية قفصة عند انطلاقتها حسب تصريح وزير خارجيتها الذي جاء فيه “الجماهيرية الليبية غير متورطة بصفة مباشرة أو غير مباشرة بالأحداث الجارية بمدينة قفصة “([49]). إلا أن ذلك مجرد موقف سياسي فرضته “العلاقات الدولية والقانون الدولي ” الذي يمنع التدخل في الشؤون الداخلية لدولة ثانية وتغيير نظام الحكم فيها بالقوة. إن جذور التوتر بين الجماهيرية والحكومة التونسية تعود إلى سنة 1974 تاريخ إلغاء “بورقيبة” “المعاهدة الوحدوية ” بين تونس وليبيا الموقعة في 12 جانفي 1974. فقد تبنت الجماهيرية الليبية خلال تلك الفترة خطا وحدويا يقوم على خيار تحقيق فكرة الوحدة العربية بالقوة مما وضعها في موقع العداء لكثير من الأنظمة العربية التي لابد من الإطاحة بها بواسطة “لجان شعبية ثورية” تتولى مهمة إنجاز “الثورة ” وتحقيق الوحدة العربية ([50]).

لا شك أن عملية قفصة لسنة 1980 كانت إحدى مخططات الجماهيرية الليبية التي لا تحتاج إلى إثبات دورها في تنظيمها عن طريق ما يعرف ب”المكتب العربي للاتصال” الذي وفر الدعم المادي والمعنوي واللوجستي والتغطية الإعلامية لعملية قفصة ([51])، التي لم تكن سوى نتيجة لالتقاء مصلحة النظام الليبي ومنفذي العملية الذين ينتمون إلى “الجبهة القومية التقدمية” ذات الانتماء العروبي. وهو التنظيم الذي له حسابات قديمة مع النظام البورقيبي في تونس ترجع إلى فترة تصفية الحركة اليوسفية والقضاء على المحاولة الانقلابية لسنة 1962. وهذه المصلحة ربما تكون محكومة بوحدة الخطاب الأيديولوجي القومي العربي، ذلك أن الجماهيرية الليبية كثيرا ما ادعت أنها وريثة النظام الناصري في مصر الذي يجمع على الانتماء إليه غالبية فصائل الحركة القومية العربية. فهل تحتاج ليبيا إلى تبرير موقفها في تبني هذه العملية وتوفير الدعم الكامل لمنفذيها ؟

– الدور الجزائري :

أصدرت السلطات الجزائرية شأنها في ذلك شأن السلطات الليبية، بيانا أكدت فيه أن حرس مراقبة الحدود لم يسجل أي تسرب لأشخاص أو لحركة مشبوهة. إلا أن “الهادي نويرة” الوزير الأول التونسي شكك في هذا الموقف معتبرا أن الحكومة الجزائرية ضالعة في أحداث قفصة. فقد استند في ذلك إلى اعترافات “عز الدين الشريف ” الذي أقر بوجود علاقة تربطه بالسلطات الجزائرية وبجهاز مخابراتها، وهي العلاقة التي نسجت أثناء اشتغال “الشريف ” لصالح جبهة البوليزاريو الصحراوية. يرجع هذا الموقف الجزائري المؤيد لعملية قفصة المسلحة إلى وجود جناحين داخل حزب جبهة التحرير الحاكم أحدهما ذو خلفية عروبية – إسلامية تربطه علاقات تحالف مع ليبيا([52]).

=====

الطرف الوحيد الذي أيد عملية قفصة المسلحة واعتبرها عملا مشروعا في مواجهة نظام الحكم في تونس هو التيار القومي العربي الناصري مجسدا في “الطلبة القوميون الوحدويون ” الذين لم يكتفوا بإبراز مواقفهم المؤيدة لهذه العملية في ملصقاتهم الحائطية التي كانوا يصدرونها بالمنابر الطلابية وإنما عملوا على تنظيم بعض المصاهرات المؤيدة لما أطلقوا عليه تسمية “ثورة قفصة “([67]).

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: