Archive for 27 مارس, 2009

عبد الله كمال رئيس تحرير روز اليوسف يكتب عن هيكل ابو هزيمة” ثروت محمود فهمي عكاشة ومنتصر مظهر وأهارون بيرغمان

مارس 27, 2009

مونولوجات هيكل تستهدف الأردن

نهاد إسماعيل
 
لست مؤهلاً أن أقدم نصائح للأردن الغني بكفاءاته وخبراته الإعلامية ومقدرته على التصدي للصحافي والكاتب المصري محمد حسنين هيكل وغيره.

لوحظ في الأيام القليلة الماضية أن الآلة الاعلامية الأردنية تحركت بشكل مكثف ونشيط للتصدي لمهاترات وافتراءات هيكل على قناة الجزيرة، والتي تستهدف الأردن و بالتحديد المغفور له الملك حسين بن طلال رحمه الله. قد يكون السبب أن على الأردن أن يدفع ثمن عدم حضوره قمة الدوحة الطارئة أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة. لكن دفع الثمن سيكون ” مع هيكل”.

هيكل الذي يحب الإنفراد في الاستوديو في تقديم مونولوجاته بدون تدخل أو مشاركة ضيوف آخرين معاصرين لكي لا يتعرض للمساءلة والتحدي والتمحيص، هو في رعاية دولة غنية بالنفط والغاز، ويتمتع بحماية أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط، لذا يستطيع ان يقول ما يشاء ضد من يشاء بدون خوف او خجل وبدون أدنى مراعاة للدقة والحقيقة والموضوعية التاريخية. فتارة يهاجم السعودية ومرة يهاجم الأردن وأخرى مصر، وذلك حسب البوصلة السياسية واتجاهاتها من المركز.

هيكل اعتبر نفسه صاحب الحقيقة المطلقة وصانع التاريخ ولا يتوقف عن تذكيرنا باستمرار بإسلوب الحكواتي الذي يمسمر الساذجين بالتنويم المغناطيسي بأمجاد عبد الناصر التي في النهاية قادتنا الى أسوأ هزيمة في تاريخ العرب، أو كما سمّاها هيكل بالنكسة للتخفيف من وطأتها، وتخفيف الضغوط الشعبية على رئيسه عبدالناصر.

تفنيدات المعاصرين: اللواء جمال حماد

 دحض اللواء جمال حماد كم هيكل في صحيفة الأخبار المصرية التي نشرت سلسلة من الحلقات تحت عنوان “وقائع التاريخ بين الحقيقة والتأليف” في مايو آيار 2007، حيث فضح اللواء حماد ممارسات هيكل في الاساءة للتاريخ وانتزاع البطولات الوهمية وسط مخزون من الهزائم منذ العام 1967. وكل ما قاله هيكل عن لقائه مع الرئيس المصري الراحل عبد الناصر في عراق المنشية بفلسطين يعد ضربا من ضروب الخيال أو نوعا من أحلام اليقظة. التفنيد الدقيق يكشف ان هيكل بارع في حبك الروايات المسلية التي لا يقبلها العقل والمنطق.

كان اللواء حماد أحد رجالات الثورة والمقربين من الرئيس عبد الناصر، قام بتقديم الوقائع والاثباتات القاطعة ليدحض ادعاءات هيكل عن لقاءاته الثلاثة مع عبد الناصر والافتراء بالدور الزائف في ملحمة ثورة 23 يوليو، حيث فند حماد أكذوبة هيكل التاريخية عن لقاءته وحواراته واتصالاته مع عبد الناصر في الفترة الحرجة من 19 الى 22 يوليو 1952. بمعنى أخر، كذب هيكل وبالتالي فإن من يكذب لا تقبل روايته.

ثروت محمود فهمي عكاشة ومنتصر مظهر وأهارون بيرغمان:

 تجاهل هيكل عمدا مع سبق الاصرار الاتصالات السرية بين عبد الناصر واسرائيل والمخابرات الأميركية والموثقة في سجلات السي آي أيه الأميركية، والتي نشرها بالتفصيل منتصر مظهر في كتابه “عبد الناصر الملف السري” عام 2003. في 2001 نشر الكاتب والمؤرخ ووزير الثقافة الأسبق ثروت محمود فهمي عكاشة تفاصيل مذهلة عن هذه الاتصالات، والتي أشار اليها أيضا الكاتب احمد ابو مطر في مقالته المنشورة في ايلاف بتاريخ 20 آذار، والتي جاءت بعنوان “هيكل انتقائية حسب المصالح الشخصية”. أهارون بيرغمان مؤرخ اسرائيلي وضابط موساد سابق كشف النقاب في احد مؤلفاته “تاريخ اسرائيل” عام 2007 عن العمليات المخابراتية المعقدة في الفترة 1967 و 1973 والتي شملت شخصيات معروفة وبعضها مقرب من الرئيس عبد الناصر نفسه. تم نشر التفاصيل الكاملة في موقع العربية-نت 28 حزيران 2007.

عبد الله كمال رئيس تحرير روز اليوسف

و في مقالين هامين نشرهما موقع ايلاف في 14 و15 ابريل نيسان 2007، كتب الاستاذ عبد الله كمال رئيس تحرير روز اليوسف باسهاب تحت عنوان” هيكل ابو هزيمة” قائلا ” لم يكن فقط هيكل في بعض السنوات وزيرا في الحكومة وانما مستشارا مسيطر على الرئيس، وفرش له الطريق بالورود نحو هزيمة 1967 وثم كتب له خطاب التنحي وصار أقرب اليه من كل الآخرين”.

حاول هيكل التقرب من الرئيس الراحل محمد أنور السادات لكنه فشل، ما ولّد في نفس الرجل أي هيكل ضغينة كبرى تضخمت لاحقا حين تم اعتقاله في ايلول سبتمبر 1981. منذ ذلك التاريخ حاول هيكل ان يثأر لنفسه بكتاب غير موضوعي عن حقبة الرئيس السادات أسماه “خريف الغضب”. وأتبع ذلك حملته التشنيعية التي كان وما زال يمارسها ضد السادات حتى انه عاير السادات بلون بشرة امه السمراء.

وأوضح كمال محاولات هيكل الفاشلة لتشويه سمعة الجيش المصري في حرب اكتوبر 1973 وفي تشويه سمعة السادات.

يقول كمال ان هيكل حاول التقرب من الرئيس حسني مبارك لأنه لا يزال يظن انه شريكا في الحكم. وطالب بتشكيل مجلس مستشارين للرئيس برئاسة هيكل نفسه. ولكنه فشل في ذلك. أي أن الرئيس مبارك لم يرحب بالفكرة ولم يرحب بهيكل وبعبارة أخرى حلق لهيكل عالناشف. وهذا يفسر حقد هيكل على الرئيس مبارك الذي ادرك انه ليس بحاجة لمنولوجيين ودجالين يصورون الهزيمة بالنصر. ولكن هيكل استمر في حملته التشويهية أيضا ضد حسني مبارك وهذه الحملة لم تتوقف حتى اللحظة.
انتقائية وازدواجية وطمس الحقائق

يحق لنا ان نتساءل لماذا يجد هيكل أن الاتصالات الأردنية الأميركية والاتصالات الأردنية الاسرائيلية أمرا مشبوها يستحق هذا الاهتمام؟ بينما يتجاهل كليا الاتصالات السرية الموثقة بين عبد الناصر واسرائيل في سجلات المخابرات الأميركية ووزارة الخارجية الاسرائيلية. لماذا لا ينتقد هيكل الرئيس عبد الناصر الذي قاد العالم العربي لأكبر هزيمة في التاريخ؟ لتفاصيل أكثر يمكن الرجوع لكتاب مصري آخر بعنوان “عبد الناصر واتصالاته السرية مع الموساد والمخابرات الأميريكة” لهشام خضر وكتاب أهارون بيرغمان “تاريخ اسرائيل” ونشاطات الموساد.

انتقد هيكل العلاقة الأردنية الأميركية الوطيدة، لكنه لم ينتقد نظام دمشق الذي يحاول التقارب من أميركا وفتح قنوات الاتصال مع اسرائيل. وقد يسأل سائل ألا تتهافت ايران وسوريا على فتح قنوات الاتصال والتحاور مع أميركا؟ ألم يتوسل خالد مشعل نيابة عن حماس على فتح ابواب الحوار مع واشنطن؟ ثمة تساؤلات اخرى: ألم يعلن الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات رغبته بالتفاوض مع اسرائيل وأكد ذلك باعترافه بوجود اسرائيل عام 1988 أي عدة سنوات قبل توقيع معاهدة السلام الأردنية الاسرائيلية. ألم توقع مصر معاهدة سلام مع اسرائيل عام 1979 اي قبل 15 عاما من توقيع الأردن اتفاق وادى عربة.

تقليل أهمية ونجاحات الآخرين:
اعتمد هيكل على تجاهل انجازات الآخرين لا سيما هؤلاء الذين يكن لهم ضغنا وحقدا وخير مثل على ذلك تجاهل هيكل تماما معركة الكرامة قبل 41 عاما التي أبلى فيها الجيش الأردني بلاء اسطوريا وحطم فيها اسطورة الجيش الاسرائيلي الذي لايقهر مستعيدا بذلك كرامة العرب. الحديث عن هذا الموضوع لا يناسب أجندة هيكل.

المساعدات المالية الأميركية:
لماذا يحلو لهيكل بأن الحديث عن الأموال التي استلمتها الأردن من الولايات المتحدة التي يسميها اموال السي آي ايه للملك حسين رحمه الله. لقد كان الأردن في ذلك الوقت بلدا فقيرا في الموارد يتلقى مساعدات من الولايات المتحدة الأمريكية والدول العربية الشقيقة، وكل فلس جاء من الخارج انفق على جهاز الدولة والجيش. المساعدات المالية أمر شائع في العلاقات الدولية، فحسب مصادر وزارة الخارجية الأميركية (ميزانية عام 2006 للمساعدات المالية) استلمت الدول التالية اموالا اميركية: اسرائيل والهند وروسيا ومصر والأردن والسلطة الفلسطينية والمغرب واندونيسيا وكينيا وبولوفيا وتركيا والباكستان والبوسنة وحتى العراق وافغانستان ودول أخرى.

لماذا يحاول هيكل وضع الشبهات حول المساعدات الأميركية للأردن فقط، بينما لا ينتقد الأموال الايرانية لحزب الله وحماس وجماعات التخريب في مصر والمغرب واليمن وماذا عن تمويل الميليشيات وفرق الموت العاملة في العراق من مصادر ايرانية؟ لماذا لا يفوّت هيكل أي فرصة للطعن بالهاشميين بحيث يحيك قصصا انتقائية من وحي خياله لتتناسب مع أجندته الحاقدة.

من الواضح أن هيكل ينتقم من الذين تجاهلوه ولم يمنحوه الأهمية التي يشعر انه يستحقها. وهنا تكمن العقدة التي يعاني منها هيكل في موقفه السلبي من المرحوم الملك حسين.

كان الأردن في عهد الملك حسين و ما يزال في عهد ابنه الملك عبدالله الثاني يكتسب احترام وتقدير العدو والصديق. عبد الله الثاني كما كان والده له حضور على مسرح الأحداث العالمية ويحظى باحترام وتقدير على المستوى الدولي، وليس هناك من مبرر موضوعي لموقف هيكل الناقم والحاقد على الهاشميين.

ليس لدى الأردن ما يخفيه او يخجل منه. واذا ظلم الهاشميين من قبل المفبركين سينصفهم التاريخ والاجيال المقبلة.
 هذا التشويه والانتقائية لا تخدم هيكل بل بالعكس تفقده مصداقيتة.

نهاد اسماعيل

اعلامي
=======

يشعر بالارتباك
  
قرأت في مقال آخر ان هيكل وزميله احمد سعيد حققا انتصارا كبيرا في حرب 1967 ووصل الجيش المصري مشارف تل ابيب وتم اسقاط 160 طائرة اسرائيلية وكيف يفسر لنا الاستاذ الكبير المخضرم كيف تحول هذا الانتصار الى الهزيمة الكبرى وكيف تحولت الهزيمة الكبرى الى مجرد نكسة او وعكة بسيطة.
  
 
 

عن علاقة عبد الناصر بالأمريكان / موقف عبدالناصر من اسرائيل / جلال كشك

مارس 27, 2009

عن علاقة عبد الناصر بالأمريكان

هذه فقرة من كتاب ( ثورة يوليو الأمريكية ) وفيها يفند جلال كشك الرواية الرسمية التى تقول بأن اتصال الضباط الأحرار بالأمريكان كان فى ليلة الثورة وليس قبل ذلك .. وهى فقرة تشوبها سخرية عميقة .

لاشك أن اضطرابا شديدا قد وقع في صفوف الناصريين والمتاجرين بالناصرية والكائدين لمصر باسم الناصرية، عندما نشرت كتابي “(كلمتي للمغفلين) حيث طرحت فيه لأول مرة دراسة كاملة بالوثائق لطبيعة الانقلاب العسكري الذي نفذه جمال عبد الناصر ولم يكن- في بدايته على – الأقل- أكثر من واحد من عشرات الانقلابات العسكرية التي نفذتها المخابرات الأمريكية في شتى أنحاء العالم الثالث.. ولم يجرؤ ناصري واحد على أن ينقد حرفا في هذا الكتاب، ولكن لما نصب المولد، وجاء الحاوي الطروب وأحاطت به القردة، في ذكرى هزيمة سيناء الأولى، ومرة أخرى وجدوني أتصدى لهم ناقلا المناقشة من أعظم ثورات العرب التحررية، كما يخلعون على انقلاب ناصر الذي أفضى بالعرب إلى أحلك وأذل مرحلة في تاريخهم.. نقلت المناقشة إلى ” أمريكية الانقلاب، وهل كان عميلا.. أم مجرد متعطش للسلطة قبل أن يحقق هدفه بمساعدة المخابرات الأمريكية..

ولما كان نفي الاتصال بالأمريكان أو إنكار دعم الأمريكان للثورة مستحيلا بعدما قدمنا من أدلة ووثائق ومنطق، وبعدما نشر في العالم كله من حقائق، فقد دب الاضطراب في صفوفهم، وراحوا يحاولون إخفاء الدور الأمريكي في انقلاب يوليو بمحاولات وتصريحات وتفسيرات مضحكة إلى حد البكاء، وقد تغلبت غريزتي المسرحية (وأنا كاتب لمسرحية واحدة يتيمة) وأسلوبي الذي يقول البعض إنه ساخر، تغلب عليّ فكتبت على ظهر تصريح للسيد علي صبري، التعليق التالي، ورأيت أن أنشره ترويحا للنفس قبل أن نخوض في كآبة ما أنزلته بنا ثورة يوليو الأمريكية! .

فاقرءوا السطور التالية كنكتة..

أدلى ” علي صبري” بتصريح قال فيه إنه قابل عبد الناصر لأول مرة في حياته ليلة الثورة وطلب منه عبد الناصر في أول مقابلة: حاجة بسيطة خالص.. يخطف رجله للسفارة الأمريكية ويطلب منهم منع بريطانيا من التدخل ضد الثورة!..

واسمعوا القصة: وكان من الطبيعي أنه في ليلة 23 يوليو أن الرسالة التي يراد أن تبلغ إلى السفارة الأمريكية تبلغ من خلالي بحكم العلاقة الشخصية مع الملحق الجوي الأمريكي وقد اتصل بي البغدادي ليلة الثورة واستدعيت إلى القيادة وقابلت عبد الناصر وكانت هذه أول مقابلة، وأبلغني نص الرسالة الشفوية التي من المفروض أن أبلغها للملحق الجوي الأمريكي والرسالة بسيطة جدا فالجيش قد قام بحركته لتطهير القوات المسلحة من العناصر الفاسدة وليس للحركة أية أبعاد سياسية والشعب كله سيؤيدها لأنها ستتمشى مع مصالحه، والمطلوب أن تتدخل سفارة الولايات المتحدة لمنع أي تحرك للقوات البريطانية من منطقة القناة وقد ذهبت إلى الملحق الجوي الأمريكي وأبلغته الرسالة واتصل أمامي بالسفير الأمريكي في الإسكندرية لينقل إليه ما سمعه منى وفعلا وصلت الرسالة إلى السفارة البريطانية فيما بعد وكان ذلك من الأسباب التي أدت إلى عدم تدخل عسكري بريطاني في الأيام الأولى “.

وتفسير ذلك بالبلدي أن الملحق الجوى الأمريكي قاعد لا بيه ولا عليه بياكل همبرجر.. دق الباب..

- مين؟

- آنا علي صبري.

- أهلا علوة.!.. اتفضل همبرجر.. بيبسي!

- ألف هنا وشفا.. أصل أنا مستعجل..

- خير كفى الله الشر..

- لأ أنا قصدك في خدمة..

- تؤمر ياعلوة.!

- إحنا احتلينا القيادة العامة والإذاعة ومسكنا البلد.. لكن وحق العيش والهامبرجر.. ولا ينقلب على عيني عدس يا شيخ لا إحنا بتوع سياسة ولا لينا أهداف سياسية.. غيرشي كام ضابط عايزين نطهرهم!!
الملحق الجوى- أنا تحت أمرك عايز مطهرات من أمريكا؟!

علي صبري- لأ.. أبسط من كد… عايزين السفارة تشد تليفون للسفير البريطاني وقائد جيش الاحتلال البريطاني.. وتقول لهم حسك عينك تقربوا ناحية الجيش وحركة الجيش..
الملحق الجوي- غالي والطلب رخيص يا علي!.. والله ما تقوم إلا مبسوط هاتي التليفون يابت.

ألو- السفير كافري؟! حذر فزر مين هنا؟!.. لأ.. هيكل مشغول معاهم؟!.. علي صبري صاحبي اللي كنت بأسهر عنده… هو الحقيقة جاي قاصدني.. وأنا قلت بقى إنك مش حتكسفنا.. هو أصله قاصدنا ندى إنذار لبريطانيا العظمى حليفتنا رقم واحد في حلف الأطلنطي، والمسئولة رقم واحد عن مصر.. لأن هم عملوا حركة قصدها تطهير الجيش.. وأنا صدقته وقلبي انشرح له.

السفير الأمريكي- على ضمانتك؟ أوعوا يكونوا بتوع سياسة..

الملحق الجوي- أعوذ بالله.. دا وشه سمح ولا يمكن يكذب!

واتصل السفير الأمريكي على الفور بوزير الخارجية في واشنطن:

اتشيسون: خير الساعة كام دلوقتي.. فيه ايه؟. الملك عايز حاجة؟!

كافري: ملك مين؟ كل سنة وأنت طيب.. في واحد اسمه علي صبري.. طبعا ما تعرفوش ولا أنا أعرفه.. لكن هو بينه وبين الملحق الجوي بتاعنا عيش وملح.. الستات زي الأخوات.. وهو اتصل بالملحق الجوي علشان التطهير..

- تطهير ايه يا سفير الكلب!!.. تصحيني من النوم علشان عاوز شوية مبيدات..

- لأ اسم الله على مقامك.. دول مش عايزين حاجة غير إنذار صغير يرسل للندن الليلة علشان ما حدش يتدخل.

واتصل وزير الخارجية الأمريكي بالرئيس الأمريكي..

اتشيسون: صباح الخير يا ريس.

رئيس الولايات المتحدة: خير ايه وبتاع ايه الساعة كام؟!

وزير الخارجية: متأسف يا ريس.. إنما تعرف سفيرنا اللى في مصر؟ لأ. اسمه كافري.. عنده ملحق، والملحق مراته تعرف مرات واحد اسمه علي صبري.. لأ .. بالإس يا ريس!!..

أيوه طول بالك.. علي ده زار الملحق النهارده وطالبين إنذار لبريطانيا.. هم مش بتوع سياسة أبدا، ولا ليهم أهداف سياسية.. دا مجرد تطهير.

- طب ما يكلموا منظمة الصحة العالمية؟ ..

- لأ هم عندهم مستشفى المواساة وعندهم مطهراتية بس عاوزين تليفون منك لتشرشل تقول له إذا تدخلت بريطانيا الأسطول السادس حيضربها..

وقد كان واتصل ايزنهاور بتشرشل وشلت يد بريطانيا ولم تتدخل بفضل زائر الفجر علي صبري ووجهه السمح الذي كسب قلب الملحق الجوي!

يواصل جلال كشك جادا هذه المرة:

هل يليق هذا العبث؟.. ولماذا هذا اللف والدوران.. مادام عبد الناصر يخشى تدخل اَلْإفنْجفلفيز ضد الثورة، فهل يعقل أن ينتظر إلى أن تصبح أمرا وَاقفعَا، وماذا يحدث لو رفض الأمريكان.. تضيع البلد؟ أليست رواية جميع المصادر العاقلة أكثر منطقية.. وهي أن عَبْد الناصر الحريص على تأمين الثورة، اتصل قبل الثورة بالأمريكان شَارفحًا أهدافه، عَارفضَا التعاون، وعلي صبري نفسه يشهد حرفيا بالتقاء المصالح عندما قال: أعتقد أن الأمريكان قد وجدوا ففي الثورة فرصة، فهم بمساندتهم لها يستطيعون أن يقلصوا نفوذ اَلْإفنْجفلفيز وتحل أمريكا مكان الإنجليز، وكان هذا هَدَفا استراتيجيا لأمريكا بعد الحرب العالمية الثانية، ومصر مفتاح الشرق الأوسط وَإفذَا استطاع اَلْأَمْرفيكَان أن يزعزعوا النفوذ اَلْبفرفيطَانفيّ في مصر وبالتالي المنطقة العربية، وَكَانَتْ هذه هي الأرضية اَلْمفشْترفكَة التي عمل عبد الناصر على اللعب بها فهناك تَنَاقفض بين الاستراتيجية الأمريكية والاستراتيجية البريطانية. وهذا لا يعنى أن تأييد الأمريكان للثورة كان تَأيَيَّدَا مفطْلَقًا ولكنه بهدف تثبيت أوضاع الثورة ثم الانطلاق منه إلى تقليص النفوذ اَلْبفرفيطَانفيّ تمهيداللسيطرة ” (حَرْففيًّا حديث صحفي- نوفمبر 1986).

صدقنا وآمنا.. وقلنا كما قال النجاشي.. هذا وَالْإفنْجفيل مثل هذين! وسبحان من ضرب مَثَلًا ما جناح بعوضة..

• اَلْأَمْريكَان استراتيجيتهم هي إخراج بريطانيا من مصر.

• وجدوا في ثورة عد الناصر فرصة لتحقيق ذلك.

• عبد الناصر وجد أن هذه أرضية مشتركة، تمكنه من الحصول على الدعم الأمريكي لثورته.

• اَلْأَمريكان رأوا أن دعم هذه الثورة وتثبيتها يحقق لهم تصفية النفوذ البريطاني والسيطرة على مصر..

وكل امرأة طالق وكل رقبة حرة إن كنا قَدْ قلنا أكثر من ذلك، إلا أن افسْتفرَاتفيجفيَّة أمريكية منذ الحرب العالمية الثانية، لا يمكن أن تنام عليها أمريكا حتى ينبهها علي صبري ليلة الثورة أو صباحيتها.. واستراتيجية خطيرة مثل هذه. لا يمكن أن يكتشفها عبد الناصر ليلة اَلثَّوْرَة، ولا يمكن أن يفؤَجَّل دَرَاسَتهَا وتجربتها ومحاولتها إلى أن يغامر بها مرة واحدة يوم الثورة..

لقد اتفق الطرفان على تنفيذ اَلثَّوْرَة، ولا يضير الناصريين اَلشّرَفاء أبدأ الاعتراف بهذه الحقيقة فهي لا تجعل من عبد اَلنَّاصفر عَمفيلَا، وإنما متآمرا.. وقد قلنا إن هذه المؤامرة ضمنت نجاح الانقلاب، ومنعت تدخل اَلْإفنْجفلفيز وحققت الكثير من النجاح، ولكن لأنها كانت مؤامرة ومع المخابرات الأمريكية فقد انقلبت بعد ذلك على اَلْمفتَآمفر ودمرت كل شيء ومكنت إسرائيل من إلحاق الهزيمة التاريخية بمصر والعرب..

فلا داعي للف والدوران وتغطية الرأس بكشف السوءة، الاتفاق اَلْافسْتفرَاتفيجفيّ بين” انقلاب يوليو وَالْأَهْدَاف الاستعمارية اَلْأَمْرفيكفيَّة متفق عليه.. نحن نقول ” قبل ” وهم يقولون ” بعد”.. فأي الروايتين أكثر مَنْطفقًا وعقلانية؟!

انتهى .

===============

موقف عبدالناصر من اسرائيل

هذه فقرة من كتاب جلال كشك الأشهر ( ثورة يوليو الأمريكية ) وفيها يلتقط موقفين من اثنين من كبار الناصريين : هيكل وأمين هويدي .. تناولا موقف عبد الناصر من اسرائيل ، وفيها نكتشف أن مواجهة اسرائيل لم تكن في بال عبد الناصر

قال جلال كشك :

” ننتقل الآن إلى السؤال الكبير.. ما موقف عبد الناصر من المواجهة المصرية- الإسرائيلية؟ هل حقا كانت هذه المواجهة- في تصوره- هي قضية الأمن القومي  لمصر ومستقبل القومية العربية، ومن ثم تحتل قائمة الأولويات في استراتيجيته..؟ نحن نقول: لا.. بل ونضيف إن العكس تماما هو الذي حكم سلوك عبد الناصر في الفترة من 1952 إلى 1967.. ونحب أن نبدأ بناصري شديد الحماسة، بل لعله من أطهر الناصريين نفسا وأعفهم يدا  ولسانا، وفي مقدمة الذين قيل فيهم: إن الطريق  إلى جهنم مرصوف بذوي النوايا الحسنة” وهو أمين هويدي ” من ضباط عبد الناصر المقربين له- أو هو يعتقد ذلك- المؤمنين به، عمل في فترة الثورة العراقية في بغداد، ثم وزيرا للحربية كفترة انتقال ثم مديرا  للمخابرات.

يهاجم أمين  هويدي ” (السذج) و ” المغرضين، الذين يقيمون الأحداث الآن، قائلين: إن عبد الناصر كان عليه أن يترك فلسطين في ذمة التاريخ لنتفرغ لأحوالنا ومشاكلنا، وأنه كان عليه أن يقفل عليه حدوده، وبذلك يتفادى الصدام مع إسرائيل)..

ويواصل جلال كشك:

احترنا والله  ما بين الهويدي أمين والأمين هيكل..

الأول يقول: إن الدعوة إلى التفرغ لمشاكل مصر وتفادي الصدام مع إسرائيل لا تصدر إلا عن السذج والمغرضين. والأمين هيكل الواصل للخزائن والوثائق يؤكد لنا: أن أول من طرح هذا الشعار في مصر بل في الوطن العرب هو الزعيم عبد الناصر الذي قال لـ: ر. ك (اختصار ريتشارد كروسمان) الذي بدوره  قال لـ:ب. ج (إشارة إلى بن جوريون) وهذا وحده دليل أكيد على صحة الرواية!!

قال الزعيم أنه لا يشغل نفسه بإسرائيل ، وإنما يركز عل التنمية الداخلية في مصر وأنه لذلك خفض ميزانية القوات المسلحة بخمسة ملايين جنيه عن السنة الماضية “.

حتى أن بن جوريون هرش شعره المنكوش ” لما سمع ذلك ” وتمتم بصوت خفيض وهو يهز رأسه: هذه أنباء سيئة.. أنباء سيئة جدا.

ولا أظن أن هناك مجالا للشك بعد هذا الوصف الدقيق للطريقة التي تصرف بها ب. ج عند سماع الخبر.. فهو أولا كان منكوش الشعر كما وصفه شاهد عيان وأخبر هيكل، وهو ثانيا هرش شعره هذا المنكوش ولم يمسح عليه أو ينتفه تماما.. ثم “تمتم” .. لا “همس” ولا “صرخ”.. إنما “تمتم”.. وبصوت خفيض.. كل هذه الأدلة تجعلنا نصدق انزعاج بن جوريون لأن عبد الناصر غير مشغول بإسرائيل ويعمل على خفض قدرات مصر العسكرية! وهي حالة معروفة بين العشاق.. حتى أن أم كلثوم تشكوا حتى الجفا محروم منه.. ياريتها دامت أيامه ، والأغاني المصرية حافلة بمثل  خليني ع البال يا خلي البال ” ولا شك أن بن جوريون كان يعاني من هذه الحالة التي للأسف هيكل هو المصدر الوحيد للإعلام عنها..

دعنا من الجزء الخاص برأس بن جوريون ومشاعره.. المهم أن عبد الناصر- وهذه واقعة مؤكدة يخفض الميزانية وبخطب الرئيس وبمسلكه- كان يرى عدم التحرش بإسرائيل، عدم الانشغال بها، والتركيز على مشاكلنا الداخلية.. فلماذا يهاجم (هويدي ” هذا الموقف وينسبه للسذج  والمغرضين إلا إذا كان قد قرر الانضمام إلى (جوقة عدم الوفاء ” وتشويه سيرة الزعيم الخالد؟! أو لم يقل حمروش أنه بقبول مصر قوات الطوارئ لتكون حاجزا بينها وبين القوات الإسرائيلية حتى لا تتكرر الاشتباكات تحققت أفكار عبد الناصر وهي: ” ليس هناك محل للحرب مع سياستنا الإنشائية التي قررناها لتحسين مستوى الشعب “. وهو أيضا الذي جزم وقدم أدلة: مما يظهر أن عبد الناصر لم يكن ضد إسرائيل ولم يكن من دعاة تدميرها) خريف عبد الناصر ص 33.

على أية حال بعد سطر واحد اندفع أمين هويدي يثبت أن مصر لم تتحرش قط بإسرائيل.. وأنها فعلا كانت تود لو أن بينها وبين إسرائيل جبلا من نار فلا يصلون إليها ولا تصل إليهم.. إذ يقول: ا ولكن هل تحرشت مصر بإسرائيل حينما قامت بغارتها الوحشية في غزة وأتبعتها بغاراتها في مناطق عديدة بعد ذلك؟ هل تحرشت مصر بإسرائيل حينما انضمت الأخيرة إلى بريطانيا وفرنسا في العدوان الثلاثي. “

انتهى .


جلال كشك في كتابه ( ثورة يوليو الأمريكية ) وهو بعنوان ( التاريخ البلاستيك و هيكل )

مارس 27, 2009

شهادة د. سيار الجميل

ألف د. سيار الجميل كتابا عن هيكل أفرد فيه لقراءة في اتهامات جلال كشك لهيكل خصوصا الفصل الذي كتبه جلال كشك في كتابه ( ثورة يوليو الأمريكية ) وهو بعنوان ( التاريخ البلاستيك وهيكل ) .. وكان مما قال في الكتاب بحق جلال كشك :

وبرغم الأسلوب السياسي الذي هاجم فيه محمد جلال كشك عدوه اللدود محمد حسنين هيكل، واختلافي مع اللغة التي استخدمها كشك في هجومه على هيكل، في استخدام الأسلوب السياسي ضده، إلا أن في كتاب ” ثورة يوليو الأمريكية.. ” إدانات “واضحة ومقارنات صحيحة لا حصر لها في المعلومات التي سجلها المؤلف على كتب هيكل، وان كشك قد وثق جملة كبيرة من مقارناته التي سيستخدمها الباحثون في نقد هيكل بمتابعاتهم عنه مستقبلا.. علما بأن هيكل لم يرد حتى يومنا هذا على اتهامات كشك وغيره ، وهذا ما يضعف من كتابات الرجل، خصوصا وان الاتهامات لم تكن قليلة، فلقد بلغت عدد صفحات كتاب كشك (645) صفحة. ومن يقرأ كتاب محمد جلال كشك سيقف حائرا جدا ليست إزاء رجل اسمه محمد حسنين هيكل، بل إزاء جملة من الأسرار التاريخية في حياة العرب إبان النصف الثاني من القرن العشرين.. والتي اعتقد أن ألغازها ستحلها الأجيال العربية القادمة في القرن الحادي والعشرين

سيار الجميل – أستاذ التاريخ بعدد من الجامعات العربية ، في كتابه ( تفكيك هيكل : مكاشفات نقدية في إشكاليات محمد حسنين هيكل ) / نقلا عن مقال للدكتور محمد عباس بعنوان : يا هيكل من المسؤول ؟

========

ألف د. سيار الجميل كتابا عن هيكل أفرد فيه لقراءة في اتهامات جلال كشك لهيكل خصوصا الفصل الذي كتبه جلال كشك في كتابه ( ثورة يوليو الأمريكية ) وهو بعنوان ( التاريخ البلاستيك وهيكل ) .. وكان مما قال في الكتاب بحق جلال كشك :

وبرغم الأسلوب السياسي الذي هاجم فيه محمد جلال كشك عدوه اللدود محمد حسنين هيكل، واختلافي مع اللغة التي استخدمها كشك في هجومه على هيكل، في استخدام الأسلوب السياسي ضده، إلا أن في كتاب ” ثورة يوليو الأمريكية.. ” إدانات “واضحة ومقارنات صحيحة لا حصر لها في المعلومات التي سجلها المؤلف على كتب هيكل، وان كشك قد وثق جملة كبيرة من مقارناته التي سيستخدمها الباحثون في نقد هيكل بمتابعاتهم عنه مستقبلا.. علما بأن هيكل لم يرد حتى يومنا هذا على اتهامات كشك وغيره ، وهذا ما يضعف من كتابات الرجل، خصوصا وان الاتهامات لم تكن قليلة، فلقد بلغت عدد صفحات كتاب كشك (645) صفحة. ومن يقرأ كتاب محمد جلال كشك سيقف حائرا جدا ليست إزاء رجل اسمه محمد حسنين هيكل، بل إزاء جملة من الأسرار التاريخية في حياة العرب إبان النصف الثاني من القرن العشرين.. والتي اعتقد أن ألغازها ستحلها الأجيال العربية القادمة في القرن الحادي والعشرين

سيار الجميل – أستاذ التاريخ بعدد من الجامعات العربية ، في كتابه ( تفكيك هيكل : مكاشفات نقدية في إشكاليات محمد حسنين هيكل ) / نقلا عن مقال للدكتور محمد عباس بعنوان : يا هيكل من المسؤول ؟

عن تزوير هيكل

 

هذا جزء من مقال الدكتور عباس ( حادث المنشية 2 ) يصدق فيه اكتشافات جلال كشك عن تزوير محمد حسنين هيكل للتاريخ ، بل واختلاف نسخ كتبه العربية عن النسخ الإنجليزية ، فيذكر معلومات للغرب لا يذكرها لقرائه العرب حتى يصل به الأمر إلى أن يحذف من الوثائق نصوصا في طبعته العربية .

————

لقد ظللت أعواما لا أريد أن أصدق جلال كشك في انتقاداته العنيفة واتهاماته الأعنف لمحمد حسنين هيكل.. وكان أحد هذه الاتهامات هو الاختلافات بين نصوص كتبه ما بين الطبعة العربية والطبعة الإنجليزية.. كنت دائما أدافع عن هيكل.. وكنت أقول لنفسي أن خصائص كل لغة تستلزم نوعا من الاختلاف في الأسلوب.. لكن واقعة محددة طعنت قلبي..

واقعة واضحة صريحة مريرة فاجعة تنال مباشرة من مصداقية هيكل الذي كنت أظن أنني فهمته فهو لا يكذب أبدا كما أنه لا يقول الحقيقة كاملة أبدا.. كنت مقتنعا بذلك.. وكنت أظن أنه مفيد على أي حال كمصدر للمعلومات وكمحلل بارع.. ولم أكن قد أمسكت به متلبسا بالتزوير .. وحتى عندما دبج جلال كشك آلاف الصفحات.. وحتي بعد كتابات مايلز كوبلاند ومصطفى أمين ظل رأيي في هيكل كما هو..

كنت دائما أنصف هيكل على حساب جلال كشك.. بل كنت أتهم مصداقية جلال كشك عندما يكتب عن الطبعات الأجنبية لمؤلفات محمد حسنين هيكل..

لكن الميزان بدأ يميل لصالح جلال كشك.. وفي واقعة محددة ولنقرأ في كتابه: ثورة يوليو الأمريكية – الطبعة الثالثة- المكتبة الثقافية ص 95 و 96:

.. ونمضي في المقارنة بين ما قيل للغربيين المتنورين، وما أعدته مؤسسة تزييف التاريخ لقرائها بالعربية.. فنقارن بين صفحتي 49 الطبعة العربية و صفحة 8 من الطبعة الإنجليزية ( من كتاب ملفات السويس) فنفاجأ بأن الأستاذ قد أتحفنا بنص رسالة الوزير الأمريكي المفوض في مصر عن اللقاء بين فاروق وروزفلت، وترجمها مشكورا هو أو مكتب سكرتيرته السابقة، المتآمرة على ” الزعيم ” بواقع التسجيلات.. ومنح الخطاب رقم 11 في قائمة الوثائق التي ازدان بها الكتاب العربي وطرب لها الأميون-. ومن أجل استرداد المصداقية التي ضاعت! إلا أننا نكتشف أنه حتى في الوثائق، فإن الأخ الأكبر لا يتورع عن تنقيح التاريخ، بما لا يخدش حياء قرائه القاصرين.. ففي الوثيقة العربية سقط عمدا أهم ما قاله الرئيس الأمريكي للملك فاروق. الأمر الذي لم يكن بوسعه حذفه من الطبعة الإنجليزية.. أو من يدري لعله فعل وأضافه الناشر الإنجليزي لتعزيز المصداقية إياها!.. والنص المخفي هو:

واقترح الرئيس الأمريكي على ملك غير متجاوب، اقترح روزفلت تقسيم الملكيات الكبيرة في (مصر وتسليمها للفلاحين لزراعتها ) (وقد بلغ الحرص على دقة النص أن كلمة : فلاحين! كتبت هكذا: fellahin.. لتحديد الطبقة المقصودة بالتوزيع .. لماذا ضن ” هيكل على البؤساء من قرائه العرب بهذا النص البالغ الخطورة؟!.. رغم التطويل المتعمد في الطبعة العربية والاختصار في الإنجليزية.. لماذا؟

الجواب معروف: لأنه يعزز حجة القائلين بأن الإصلاح الزراعي هو أصلا، مطلب أمريكي قديم منذ 13 فبراير 1945) أي قبل الثورة بسبع سنين. وها نحن في أول لقاء بين رئيس أمريكي وملك مصر، لا يجد الرئيسي الأمريكي ما يقترحه على ” ملك غير متجاوب ” بل مهتم أكثر بالشكوى من معاملة الإنجليز، لا يجد الأمريكي ما يطلبه إلا الإصلاح الزراعي.. ولكن لأن هذه الحقيقة تعزز حجج خصوم الناصرية فقد استحقت أن تنسخ وفي أول ملزمة.. ولكن هيهات فقد بقي حكمها! بل ونصها الأفرنجي!

وعندما يكتب التاريخ بهدف إخفاء تهمة، فهو لا يكون تاريخا، بل شعوذة وتزويرا في مستندات رسمية..

***

هرعت إلى نسخة ملفات السويس عندي ولم أجد الجملة ..

وظل الميزان يميل لصالح جلال كشك أعواما و أعواما.. ولكن ظلت هذه الواقعة تضيع في زحام مشاغلي وعدم تيسر طبعة إنجليزية.. حتى لجأت أخيرا إلى صديقي الأستاذ محمد طاهر وهو يقيم بالخارج فتفضل بإرسال صورة لصفحة 8 بالنص الإنجليزي..

وشعرت بطعنة الخيانة..

هيكل إذن درج على إخفاء ما يتعلق بعلاقة ثورة 23 يوليو بالمخابرات الأمريكية..

وكان نص الصفحة كالآتي:

Cutting the Lions Tail
populous and potentially the most powerful of the emerging Arab nations And Ethiopia, together with the British at their base in Aden, controlled the strategically vital straits between the Red Sea and the Indian Ocean.

At noon on 13 February 1945, Roosevelt received Farouk on board USS Quincy, anchored in the Great Bitter Lake. To an unresponsive monarch, more interested in complaining about the iniquities of Killearn, he suggested that it might be a good idea to break up the large landed estates in his country and hand them over for cultivation by the fellahin .

At noon the following day he received the King of Saudi Arabia. They considred the question of homeless Jews in Europe, the King insisting on the impossibility of cooperation between Arabs and jews, in Palestine or anywhere else, and the President promising that he would do nothing to assist the Jews against the Arabs and that he would make no move hostile to the Arab people.

The two leaders then went on to discuss the British and the French. `We like the English, said the President, `but we also know the English and how they insist on doing good themselves. You and I want freedom and prosperity for our people and their neighbours after the war The English also work and sacrifice to bring freedom and prosperity to the world, but on the condition that it be brought by them and marked “made in Britain”.’ lbn Saud smiled, and nodded assent.
Later the King said that he had never heard the English so accurately described. `The contrast between, the President and Mr Churchill is `very great,’ he told the American Minister in Jeddah `Mr Churchill speaks deviously, evades understanding, changes the stabject to avoid commitment. C.ordng me repeatedly to bring him back to the point.
 The President seeks understanding in conversation; his effort is to make two minds meet; to dispel darkness and shed light on the issue.’ On his return Roosevelt told Congress that he had `learned more about the whole problem, the Moslem problem, the Jewish problem, by talking with ibn Saud for five minutes than could have learned in the exchange of two or three dozen letters.’ An era of postwar harmony between America and the Arabs seemed to be about to open.

Two months later Roosevelt was dead.

 

عبد الناصر وعلاقاته الخفية “ورجال نظامه بالموساد والمخابرات المركزية الأمريكية ومن بينهم محمد حسنين هيكل،

مارس 27, 2009

لماذا يتجاهل هيكل كل هذه المعلومات؟
 
أحمد أبو مطر
 
  هيكل: انتقائية حسب المصالح الشخصية (2/2)
 
هشام خضر وكتابه “عبد الناصر وعلاقاته الخفية “

(ملاحظة: أنا في هذه الحلقة الثانية لا أتهجم على أحد، ولا أتهم أحدا.أنا دوري هنا هو نقل معلومات موثقة في هذا الكتاب الذي صدر في القاهرة، لأقدم دليلا على أن هيكل انتقائي في كتاباته عندما يتجاهل هذه المعلومات التي أغلبها تدينه هو و شخصيات عمل معها وعاصرها…فلماذا سكوته عنها وتجاهله لها نفيا أو تأكيدا؟. لذلك فمن عنده احتجاج فليرسله للمؤلف. أنا ناقل للمعلومات وناقل المعلومات ليس مسؤولا عنها تماما كما أنّ ناقل الكفر ليس بكافر).
 
دليل جديد على انتقائية هيكل وتضليله أحيانا وسوء استعماله لما بين يديه من معلومات يقدمها الكاتب المصري (هشام خضر) في كتابه:
عبد الناصر وعلاقاته الخفية بالموساد والمخابرات الأمريكية *

 
 هذا الكتاب يتعرض لفترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر (1952 – 1970)، مركزا على الاتصالات والعلاقات الخفية بين عبد الناصر ورجال نظامه بالموساد والمخابرات المركزية الأمريكية ومن بينهم محمد حسنين هيكل، وهو كتاب مثير في معلوماته المسندة لمصادرها كتبا أو وثائق أو شخصيات عاصرت المرحلة، وكان لها دور مؤثر فيها بحكم موقعها في السلطة وقربها من عبد الناصر. يقول الناشر في صفحة الغلاف الأخير للكتاب معرفا به: ” هذا أول كتاب يكشف النقاب عن علاقة عبد الناصر بالموساد والمخابرات الأمريكية بالأدلة والوثائق ومن خلال رموز عهده وأنصاره أمثال: محمد حسنين هيكل وأحمد حمروش وعبد اللطيف البغدادي وأمين هويدي و خالد محيي الدين وإبراهيم عزت والدكتور ثروت عكاشة..كما يكشف المؤلف الكثير من خفايا السياسة في مصر خلال العهد الناصري ودور عبد الناصر التاريخي في تحقيق الأهداف الصهيونية والأمريكية في المنطقة “. والملاحظ أنه بعد مرور خمسة سنوات على صدور الطبعة الأولى من هذا الكتاب، لم يرد محمد حسنين هيكل أو أي كاتب من كتاب الناصرية على ما ورد فيه، حتى أسرة الرئيس جمال عبد الناصر بما فيهم ابنته الدكتورة هدى جمال عبد الناصر التي كانت مسؤولة عن وحدة دراسات الثورة بالأهرام التابعة لمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، لم ترد على أي من معلومات هذا الكتاب ووثائقه، رغم أنها كانت مهتمة بالرد على أمور تبدو شكلية وأقل أهمية فقط لأنها تتعلق بالرئيس عبد الناصر، كما حدث في يوليو عام 2002 إذ قدمت استقالتها من مركزها المذكور لخلافها مع الأهرام لأنها حسب قولها قامت ب ” انتزاع مقولات للرئيس الراحل جمال عبد الناصر عن العلاقات المصرية – الأمريكية من خلال نشر المحاضر السرّية لجلسات اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي “. وكانت الأهرام قد بدأت بنشر هذه المحاضر في الثامن عشر من يوليو 2002 ممهدة لذلك بمقال للدكتورة هدى عبد الناصر، وكان اعتراضها على عنوان المقال: (بعد قبول مبادرة روجرز، عبد الناصر يعلن أنه ليس مستعدا لكي يقف ضد أميركا). هذا رغم أنه في المحضر الرسمي لاجتماع اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي، ورد على لسان الرئيس عبد الناصر حرفيا: ” إحنا مش مستعدين ندخل دلوقت في معركة مع أميركا لسبب بسيط..إذا حصل تغيير في سياسة الولايات المتحدة فلا يمكن أن يحدث فجأة “. والملاحظ أن هذا النص يرد في المحضر الرسمي، وكان اعتراض الدكتورة هدى أن يكون ذلك عنوانا للمقال، أي لا مانع أن يرد ذلك في ثنايا المقال ولكن لا يكون عنوانا للمقال، وبناءا على ذلك قدمت استقالتها من مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في الأهرام، ولا أجد تفسيرا لذلك إلا أنه ربما كانت رؤيتها أن ورود هذا الاعتراف من الرئيس عبد الناصر في ثنايا المقال لن يلتفت له كل القراء، أما وروده في عنوان المقال سيلفت نظر غالبية القراء فيعمدون لقراءة باقي التفاصيل في المقال ذاته. لذلك أبدى الصحافي عزت السعدني المسؤول آنذاك على ملف ” 50 سنة ثورة ” استغرابه من تقديم هدى عبد الناصر استقالتها، وقال إن الأهرام سيواصل في الملف نشر إنتاج وحدة دراسات الثورة وهي أوراق بخط يد عبد الناصر “. – تفاصيل هذه القضية في العدد 8635 من جريدة الشرق الأوسط اللندنية الصادر بتاريخ 20 يوليو 2002. أليس غريبا ومدعاة للتساؤل تقديم استقالة على مسألة شكلية رغم صحة مضمونها والسكوت من عام 2004 حتى اليوم على كل المعلومات والوثائق الواردة في كتاب هشام خضر؟.
 
ومن المعروف أن موافقة عبد الناصر،
 
على مبادرة روجرز وزير الخارجية الأمريكي في زمن ولاية الرئيس ريتشارد نيكسون، جاءت في يوم الثالث والعشرين من يوليو عام 1970 أي في العيد الثامن عشر لما يعرف ب ” ثورة 23 يوليو ” وكانت المبادرة تنص على وقف إطلاق النار بين مصر وإسرائيل، ورفضت كافة الفصائل الفلسطينية آنذاك موافقة عبد الناصر هذه، وشهدت العاصمة الأردنية عمّان تحديدا مظاهرات ضخمة ضد عبد الناصر، وصلت لأبواب السفارة المصرية، وكان رد عبد الناصر وقف بث إذاعة صوت فلسطين التي كانت تبث من القاهرة رغم أنها كانت جزءا من إذاعة صوت العرب لصاحبها أحمد سعيد، أي لا تبث إلا ما ينسجم مع السياسة المصرية في كافة الأمور والمواقف. ووضعت المبادرة قيد التنفيذ من الجانبين المصري والإسرائيلي صباح الثامن من أغسطس لعام 1970، ولكن القدر لم يمهل عبد الناصر طويلا إذ توفي يوم الثامن والعشرين من سبتمبر أي بعد تنفيذ مبادرة روجرز بخمسين يوما، تلك الوفاة التي صاحبها العديد من الآراء والاتهامات، وكان آخر النكات حولها ما أعلنه حاخامات يهود أنهم قتلوا عبد الناصر عن بعد باستعمال السحر الأسود من خلال إدخال 100 مسمار صلب في جسد بهيمة، وهم يرددون بعض الكلمات الغامضة مع كل مسمار يغرسونه، وفي النهاية وضعوا قلب البهيمة على النار كي تتفحم وصار جسدها أسود اللون، وبعد ذلك دفنوه وأعلنوا لتلاميذهم وفاة عبد الناصر. ويلاحظ أن أكبر المشعوذين العرب أكثر عقلانية من هكذا خرافات وخزعبلات يهودية. والسؤال أيضا ماذا كان هيكل سيقول لو أن الموافقة على مبادرة روجرز كانت من رئيس أو ملك عربي آخر، رافق موافقته بقول عبد الناصر ” إحنا مش مستعدين دلوقت ندخل في معركة مع أمريكا “؟.
 
المهم ماذا يقدم كتاب هشام خضر؟
 
يؤكد المؤلف في صفحة رقم 9 من الكتاب أنه لا يهدف (سوى كشف النقاب عن وجه الحقيقة التي أراد ناصر وهيكل قتلها، ولهذا نهلنا معلوماتنا من أنصارهم بدلا من خصومهم حتى يخجلوا ويصمتوا ويكفوا عن اتهام الوطنيين والشرفاء بالعمالة والخيانة. فإذا استشهدنا في كتابنا هذا بحقيقة علاقة ناصر مع الأمريكان واليهود من خلال رموز عهده ورجال عصره وأنصاره، فهل نكون بذلك كاذبين؟. وإذا كان الأستاذ هيكل هو أهم مصادرنا فهل نكون بذلك منافقين وأفاقين؟. وإذا استشهدنا بمذكرات الدكتور ثروت عكاشة والناصري أحمد حمروش والثوري عبد اللطيف البغدادي فهل نكون بذلك مأجورين وموتورين؟.وإذا اعتقدنا في معلوماتنا بيوميات جمال عبد الناصر أثناء حرب فلسطين، فهل نكون بذلك محتالين؟.). المهم أن كافة هذه المصادر والأسماء التي يوثقها الكتاب تدين عبد الناصر بسبب علاقاته المشبوهة وهيكل بسبب سكوته أو (تطنيشه) كما يقول المصريون وأحيانا تبريره لكل أعمال الرئيس فيحول الهزيمة واحتلال سيناء والجولان والضفة الغربية والقدس وقطاع غزة إلى مجرد نكسة!!!.
 
الأسماء التي يكشف الكتاب عن علاقاتها
 
مع أجهزة المخابرات وتحديدا الأمريكية كثيرة، منها الدكتور محمود فوزي الذي كان مندوب مصر في هيئة الأمم المتحدة في زمن الملك فاروق، واستمر قريبا من عبد الناصر حتى تولى منصب وزارة الخارجية ثم رئاسة الحكومة ثم نائب الرئيس عبد الناصر، مما أثار غضب زملاء عبد الناصر من الضباط الذين شاركوه الانقلاب عام 1952. و ينشر هيكل في كتابه (المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل) نص وثيقة توضح دور الدكتور محمود فوزي في الاتصالات مع اليهود أثناء توليه منصب مندوب مصر في الأمم المتحدة، و نصّ الوثيقة كالتالي:
 
 وثيقة رقم 2548 / فلسطين ب ب 501
 
 برقية من المندوب الدائم للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة
 من السفير أوستن إلى وزير الخارجية الأمريكي
عقد بروسكار رئيس اللجنة اليهودية الأمريكية اجتماعين مع محمود فوزي بيك مندوب مصر في مجلس الأمن، وكان فوزي بيك متقبلا بما فيه الكفاية فكرة تشجيع الاتصالات بين العرب واليهود في فلسطين بهدف ترتيب هدنة تيسر ترتيب الأحوال فور انتهاء الانتداب البريطاني، وقال فوزي بيك أنه مخول من القاهرة وفي الغالب من الجامعة العربية أيضا حسب إشارته، بأن يجلس مع وسطاء وممثلين يهود لبحث الوقف كله بدون تعهد نهائي من جانبه)
 إمضاء
أوستن
 
والسؤال هو: لماذا يبقي جمال عبد الناصر أهم رموز العهد الملكي بجانبه وفي أهم المواقع الحكومية من وزارة الخارجية إلى رئاسة الحكومة إلى نائب الرئيس وهو يعرف ارتباطاته هذه؟. والشائع أنّ الذي قدّم الدكتور محمود فوزي لعبد الناصر ودعمه وصولا لتلك المواقع هو محمد حسنين هيكل، وهو يعرف علاقاته وارتباطاته، وبالتالي فهذا التركيز على الدكتور محمود فوزي لا يمكن تفسيره إلا بالحاجة له في الاستمرار في نفس الاتصالات والعلاقات في زمن ناصر ومن بعده السادات.
 
ويورد الكتاب معلومات مشابهة عن أحمد حسين سفير مصر في الولايات المتحدة في العصر الملكي والناصري الذي كان على علاقة مباشرة مع مدير المخابرات الأمريكية آنذاك كيرميت روزفيلت، وقد أكدّ ذلك هيكل في كتابه (حرب السويس) إذ قال: لقد أحسّ جمال عبد الناصر أنه يريد سفيرا في واشنطن يستطيع مخاطبة الأمريكيين، ولفت نظره الدكتور أحمد حسين وزير الشؤون الاجتماعية الذي كان على صلات قديمة بالأمريكيين…كما أنه تعرف مبكرا على كيرميت روزفيلت، وقرّر عبد الناصر أن يبعث به سفيرا في واشنطن وترك له حق اختيار معاونيه).
 
وأيضا حسن التهامي الذي كان يعمل
 
قرب عبد الناصر في رئاسة الجمهورية رغم شكوك وزير الحربية ومدير المخابرات العامة أمين هويدي، وعدم فهمه لماذا يقرب عبد الناصر رجلا كهذا. قال عنه أمين هويدي في كتابه (مع عبد الناصر) ص 80 ” إنه في مجلس الوزراء بعد الهزيمة، كان ينصحهم ألا يتعبوا أنفسهم في بحث إزالة أثار العدوان، وكان يسخر في هذا الصدد ويقول (لم تجهدون أنفسكم هكذا؟ إنني موقن من إنسحاب اليهود، إن الله سيرسل عليهم طيرا أبابيل تحرقهم!….ولا تسألوني لم استوزره عبد الناصر؟ فهذا سؤال يضاف إلى عشرات الأسئلة التي تحيرني ولا أجد لها جوابا وعزائي أنني لست الوحيد في مصر)…تخيلوا ذلك وهو وزير الحربية ومدير المخابرات ّّ!!. أما الكاتب الناصري المعروف عادل حمودة فيعلق على ذلك في كتابه (عبد الناصر والحروب الخفية مع المخابرات الأمريكية) ويقول: ” إذا كان رئيس المخابرات العامة في ذلك الوقت محتارا ولا يملك إجابة عن أسئلة يطرحها، فماذا نفعل نحن؟. لعلنا لا نتجاوز إذا ما توصلنا إلى أن جمال عبد الناصر ظلّ يستخدم حسن التهامي في أدوار معينة مع الولايات المتحدة حتى رحيله في سبتمبر 1970 “. و ” حسن التهامي هو الذي تسلم مبلغ ثلاثة ملايين دولار من مايلز كوبلاند وقام بتسليمها إلى جمال عبد الناصر في عام 1953 وهذا ما ذكره أحمد حمروش وأكده هيكل في أغلب كتاباته “. و ” حسن التهامي هو مهندس المفاوضات السرية مع موشي دايان في الرباط التي تمخضت عنها مبادرة السلام الشهيرة التي قام بها الرئيس أنور السادات “.
 
ومحمد حسنين هيكل عليه نفس الاتهامات،
 
خاصة ممن عرفوه عن قرب مثل الأستاذ محمد جلال كشك الذي يؤكد أن هيكل (أحد أهم عملاء المخابرات الأمريكية مع أستاذه مصطفى أمين، وقد ورد اسمه كثيرا في خطاب مصطفى أمين الوثيقة الذي بعث به إلى جمال عبد الناصر، وقد استشهد فيه بهيكل أثناء لقاءاته مع رجال إل سي آي إيه، بل كان الشريك السري لمصطفى أمين في صياغة بنود اتفاقية البوليس الدولي في سيناء مع الجانب الأمريكي والإسرائيلي في مبنى أخبار اليوم بعد حرب عام 1956. وهيكل هو الذي التقى كثيرا مع كيرميت روزفلت مدير المخابرات الأمريكية و جيمس إيكلبرجر رئيس شبكة العملاء في السفارة الأمريكية) الذي كان يوقظه من نومه الثالثة صباحا ليسأله عن صحة بعض الأخبار المتعلقة بناصر والسوفيت كما ذكر ذلك هيكل نفسه في كتابه (بين الصحافة والسياسة).
 
ومن سمع بفضيحة الصحفي إبراهيم عزت؟
 
هذا الصحفي ذهب في العام 1956 لزيارة إسرائيل مكلفا من صلاح نصر مدير مخابرات عبد الناصر لإجراء مفاوضات مع الإسرائيليين والاستماع لوجهات نظرهم بعلم عبد الناصر وتنفيذا لأوامره، ويورد الكتاب تفاصيل هذه الفضيحة في الصفحات من 81 إلى 95، وهي تفاصيل موثقة مثيرة لا يمكن تلخيصها، والأفضل قراءتها كاملة بالأسماء واعترافات العديد من الشخصيات بما فيهم الصحفي إبراهيم عزت نفسه، والمثير أن الصحافة اللبنانية آنذاك هاجمت عبد الناصر بالاسم هجوما عنيفا لا يتوقعه أحد أن يصدر ضد معبود الجماهير عبد الناصر.
 
وإذا أردت تلخيص وذكر كل الوقائع المذكورة في الكتاب عن علاقات عبد الناصر مع أجهزة المخابرات تلك فهذا يحتاج للعديد من الصفحات لذلك أكتفي بذكر أهم العناوين:
 
الفصل الخامس من الكتاب، عن اتصالات ومفاوضات ثروت عكاشة مع الإسرائيليين بأمر من الرئيس عبد الناصر وتفاصيل ذلك في مذكرات ثروت عكاشة بكل تفاصيلها.
 
الفصل السادس: حمروش وجولدمان وجها لوجه.
الفصول التالية عن العلاقات المشبوهة لرجال ثورة 1952 بالمخابرات الأمريكية حسب اعترافات وكتابات لعدد من رجالها منهم خالد محيي الدين عضو مجلس قيادة الثورة، وأطرف هذه الغرائب قصة برج القاهرة التي يعتمد الكتاب في روايتها على محمد حسنين هيكل نفسه الذي يعترف بأنه تم بناؤه بمبلغ ثلاثة ملايين دولار من المخابرات المركزية الأمريكية، ويؤكد ذلك عادل حمودة حرفيا في صفحة 136 من كتابه (عبد الناصر والحروب الخفية): ” حمل حسن التهامي الدولارات في سيارته المرسيدس متجها إلى جمال عبد الناصر الذي كان في استراحته بالدور العلوي بمبنى مجلس قيادة الثورة بجانب كوبري قصر النيل “. وكل ذلك كي يكون في قمة البرج شبكة اتصالات وتصنت للمخابرات المركزية، وهو ما يؤكده الكثيرون على أن هذه الشبكة موجودة حتى اليوم.
 
إذن لماذا يتخصص هيكل في مهاجمة الملوك الهاشميين،
 
ويتهرب من الرد على هذه المعلومات المنشورة في داخل مصر التي تدينه صراحة بمجمل علاقاته التي توسع الكتاب في ذكرها فاضحا ألاعيب هيكل وتجنيه حتى على شخصيات مصرية منها الرئيس محمد نجيب الذي كسب قضية ضد هيكل في عام 1972، طبعا بعد وفاة الرئيس عبد الناصر لأنه في حياته ما كان قاض أو محكمة تتجرأ على مناقشة أو محاكمة مستشار معبود الجماهير.
 
وعودة للحلقتين اللتين هاجم فيهما،
 
الملك حسين فلا بد من الإشارة إلى ضعف أدلته خاصة أنه كان يحرك أوراقا أمام الكاميرا مدعيا أنها وثائق، ولا يستطيع إلا الله تعالى التأكد من ذلك خاصة أن بعض الأوراق كانت بيضاء وأكثر بياضا من قلب هيكل. ومن تابع الحلقتين بدقة يلاحظ أنه كان متذبذبا بين الإشادة بالملك حسين والهجوم عليه، وفي الوقت نفسه يفسر بعض الأحداث على هواه. فما هو العيب أو الخلل في ذهاب الملك حسين للقاهرة ولقاء الرئيس عبد الناصر ووضعه الجيش الأردني تحت تصرف عبد الناصر؟ هذا رغم تحذيرات الملك حسين لعبد الناصر أن لا ينجر وراء المعلومات التي تأتيه من الضباط البعثيين، وقد ثبت لاحقا صحة هذه التنبيهات، ورغم ذلك مضى عبد الناصر نحو الهزيمة برجليه ويديه، عندما طلب سحب القوات الدولية من سيناء وقطاع غزة وإغلاق مضائق تيران، وهو يعرف عدم جاهزية الجيش المصري لمواجهة الجيش الإسرائيلي، ورغم ذلك كان هيكل وأحمد سعيد يمارسان كذبا مفضوحا ولا أخلاقيا وهما يوصلان عدد الطائرات الإسرائيلية التي تمّ إسقاطها إلى ما يفوق المئة وخمسين، والشارع العربي يصفق ويهلل لأن الغوغائيين في صوت العرب وشريكهم هيكل أعطوه الانطباع أن الجيش المصري على أبواب تل أبيب، وإذا به كان قد انسحب من سيناء كاملة تاركا إياها للجيش الإسرائيلي بدون قتال يذكر، وأغلبية الطائرات المصرية تمّ تدميرها في قواعدها، والمشير عبد الحكيم عامر قائد الجيش المصري في سهرة متعة ساخنة في شقة الممثلة برلنتي عبد الحميد.
 
 ويحاول هيكل أن يكون عالم نفس أيضا فيتهم الملك حسين بانفصام الشخصية رغم أنّ سياسات ومواقف الملك حسين كانت واضحة سواء لمن أيدها أو من خالفها، وعالم النفس هيكل هو نفسه من مارس نفس الدور مع الرئيس السادات بعد أن أقصاه عن مراكز النفوذ، فنجده يكتب عن عقدة السادات النفسية لأنه أسود اللون!!! نعم يستعمل كلمة أسود وليس أسمر التي هي صفة غالبية المصريين والعرب. ولكن هيكل إذا وضع شخصية في موقع الخصم يحاول استعمال كل الوسائل المنطقية والغوغائية للنيل من هذه الشخصية، فيمثل دور عالم النفس وباحث في الاجتماع والحائز على وثائق لا يملكها غيره رغم أنه لا يلتزم بالمهنية المطلوبة عند استعمال هذه الوثائق.
 
إذن من المسؤول عن الهزيمة النكسة يا هيكل؟
 
هذا السؤال يطرحه الصحفي والكاتب الفلسطيني المعروف بصداقته لهيكل وعبد الناصر، إذ أمضى أغلب حياته في مواقع متقدمة في الصحافة المصرية و منها رئاسة تحرير جريدة الجمهورية، وهو الأستاذ ناصر الدين النشاشيبي، الذي وضع كتابا مهما بعنوان(حضرات الزملاء المحترمين)، و يخصص فيه فصلا كاملا للحديث عن هيكل وعلاقاته وافتراءاته وهو (المستشار الأول والأخير) كما سمّاه، ويصرخ النشاشيبي في صديقه هيكل:
 
” يا أخي ويا عزيزي ويا رفيق العمر الصحفي، لقد ضاعت بلدي في عهدكم وعلى يديكم فمن هو المسؤول؟. من؟ من؟ من؟ كنت أنت المقرب الأوحد إلى عبد الناصر، وكنت أنت المؤتمن الأوحد على كل أسراره وعلى كل قراراته قبل التنفيذ و بعد التنفيذ!…وكنت أنت المستشار الأول والأوحد والأكبر لكل نبضة فكر في عقله وتفكيره…فمن أضاع بلدي في غمرة قرار مرتجل أمر بإغلاق المضائق وطلب سحب القوات الدولية وجرّنا إلى الكارثة الأعظم في تاريخ العرب والإسلام؟ “.
 
الخلاصة هي أن هيكل ليس أمينا في تعامله مع أسرار ووثائق المرحلة، ومما يدعو للأسف أن الجماهير العربية العاطفية مغيبة العقل، أصبغت على عبد الناصر وفيلسوفه هيكل صبغة الأنبياء الذين لا يمكن المسّ بكراماتهم حتى ولو جرّونا لهزيمة أضاعت الأرض العربية. ومما يلاحظ أيضا هو تطنيش ونسيان وغيبوبة هيكل عن كل ما يمت لحقوق الإنسان المصري في زمن عبد الناصر، حيث شهدت السجون الناصرية من القتل والتعذيب والتغييب الذي لم يستثن الشيوعيين ولا الإخوان المسلمين، مما يجعل السؤال قائما في وجه هيكل: إذن من هي قوى الشعب العامل إذا كان الشيوعيون من اليسار والإخوان المسلمين من اليمين وقودا لسجون عبد الناصر الذي يمكن اعتباره مؤسس مدرسة القمع والتنكيل في السياسة العربية مع حلفائه لحين من البعثيين.
 
وفي انتظار(بقايا هيكل)،
 
الكتاب الثاني للمؤرخ العراقي الأستاذ الدكتور سيار الجميل، وهو في نقد هيكل على امتداد السنوات العشر الأخيرة، من خلال ” نقد تاريخي ومعرفي وتفكيكي لكل نصوصه التي ألقاها عبر فضائية الجزيرة”. ومن الملاحظات المهمة ما وافاني بها الكاتب والباحث نواف الجداية في النمسا، حيث لفت انتباهي إلى تناقض هيكل مع الدعاية المصرية المرحبة والممجدة بالملك حسين عند وصوله للقاهرة في الثلاثين من مايو 1967، خاصة لأنه أحضر معه إلى الأردن قائدا مصريا للجيش الأردني. وأيضا ضرورة الانتباه لمواقف الأمير عبد الله بن الحسين (الملك فيما بعد) الذي طالب العرب بقبول قرار التقسيم فرفضوه ليتمنوا اليوم أمتارا من غزة والضفة. وأيضا مبادرة الحبيب بورقيبة عام 1964 التي نادى فيها مبكرا بالاعتراف بإسرائيل ضمن حدود 1967، فرفضها القومجيون والناصريون وهاجموا بورقيبة ليترحموا اليوم على حدود 1967 دون التفكير فيمن أضاع بلادي حسب صرخة ناصر الدين النشاشيبي.
 
 والخلاصة أن أحاديث هيكل عن الملوك الهاشميين فيها نسبة كبيرة من التجني والكذب والتلفيق عبر لوي عنق حقائق ووثائق يلف ويدور هيكل حولها محاولا إقناع المستمع بحركات تمثيلية أقرب إلى مسرح العرائس منها لبرنامج توثيقي يقتضي الدقة والمباشرة الواضحة، لأن أية حلقة مدتها نصف ساعة من أحاديث هيكل إذا أردنا تجميع ما فيها من معلومات وحقائق سواء صحيحة أم ملفقة وكاذبة فهي لن تستغرق سبعة دقائق، ولكن الظهور المسرحي التمثيلي يقتضي هذه الحركات و وقت ضائع لا قيمة له.
وما زال السؤال قائما: من أضاع سيناء المصرية والجولان السورية والقدس وقطاع غزة والضفة الغربية عام 1967 الملوك الهاشميون أم عنتريات عبد الناصر التي ما قتلت ذبابة، وأيضا فلنتذكر أن سيناء لم يتم تحريرها عقب حرب أكتوبر ولكن بعد معاهدة كامب ديفيد، وأن الملك حسين انتظر ستة عشر عاما ليوقع معاهدة وادي عربة..فلماذا ما هو حلال على مصر حرام على الأردن، متذكرين أن قيادة الإخوان المسلمين في مصر أعلنت في أكثر من مناسبة أنها إذا استلمت الحكم في مصر سوف تلتزم بكل المعاهدات والاتفاقيات الدولية الموقعة مع مصر أي بما فيها كامب ديفيد…فلماذا مزايدات وتلفيقات هيكل ضد القيادة الأردنية؟.
ahmad64@hotmail.com
 
حلقة قادمة عن: ضحايا اغتيالات الشرفات اللندنية من رجال المخابرات المصرية: أشرف مروان، الليثي ناصف، وعلي شفيق، ومن الفنانين سعاد حسني. وهي أسرار يعرفها هيكل ويطنش عنها أي يتناساها، ولا بد من وضعها كاملة أمام القارىء.
* الطبعة الأولى 2004
الطبعة الثانية 2006
رقم الإيداع 13460 / 2004
الناشر: العالمية للكتب والنشر، مكتبة النافذة
المدير المسؤول سعيد عثمان
العنوان: الجيزة، 2 شارع الشهيد أحمد حمدي، الثلاثيني، فيصل
تليفون وفاكس: 7241803 

=========

هيكل: انتقائية حسب المصالح الشخصية
 
أحمد أبو مطر
 
 
1 / 2

هذه الدراسة لا تهدف مطلقا للدفاع عن أي نظام أو رئيس أو ملك عربي، فهذه ليس مهمتي خاصة أن الأنظمة والملوك والرؤساء العرب لديهم قنواتهم الإعلامية المتنوعة التي تخدم مصالحهم وتدافع عنهم كما يريدون. أما هدف هذه الدراسة هو تسليط الضوء على إشكالية عربية تتعلق بالانتقائية من التاريخ والثقافة والوثائق بما يخدم المصلحة والارتباطات الشخصية لمن يقوم بذلك، ويمارس انتقائيته بشكل سافر لا ينطلي على أي مطلع على تاريخ المنطقة وتطورات أحداثها السياسية. وأعتقد أن الصحفي والكاتب المصري محمد حسنين هيكل الأكثر شهرة في العالم العربي هو من النماذج الفاقعة في ممارسة الانتقائية وتوظيفها حسب ما يريد سواء لمصالح شخصية أو ارتباطات معينة، وتبدو هذه الانتقائية واضحة للمراقب خاصة عندما تتعلق بتاريخ المنطقة خلال الستين عاما الماضية الذي أغلب شهوده أحياء، ووقائعه معروفة للجميع عبر الكتب أو المعايشة. ولا أعتقد أن هناك كاتبا عربيا أو أجنبيا استمر في الكتابة عن أحداث منطقته نفس المدة التي استمر فيها هيكل، فهو اليوم في الخامسة والثمانين من عمره، وبدأ الكتابة قبل عام 1952 التي شهدت انقلاب جمال عبد الناصر (أطلق عليه اسم ثورة) وزملائه من الضباط الذين (أطلق عليهم صفة  الأحرار)،
 
 ومع الثورة وقائدها جمال عبد الناصر،
 بدأ اسم هيكل في الانتشار والشهرة لقربه من عبد الناصر بشكل لم يحظ  به أي كاتب عربي أو أجنبي،   واستنادا إلى  هيكل نفسه أنه هو من كتب الكتيب الذي نشر باسم (فلسفة الثورة) منسوبا لجمال عبد الناصر. ومن شاهد حلقة فضائية الجزيرة (مع هيكل) بتاريخ الثاني عشر من أكتوبر عام 2006 حول هذا الكتيب سيتذكر أن الحلقة كانت مليئة بأدوار العظمة التي أصبغها هيكل على نفسه خاصة حول علاقته بعبد الناصر، وحول من هو مؤلف هذا الكتيب ظلّ يلف ويدور ويروي قصصا لا يستطيع أحد معرفة صحتها من كذبها، وهي قصص لا علاقة لها بموضوع الحلقة الذي كانت مخصصة لكتيب (فلسفة الثورة)، وصفة (كتيب) ليس من عندي لنزع الأهمية عن الكتاب ولكنها صفة أطلقها هيكل نفسه على تلك المقالات الثلاثة التي جمعت في هذا الكتيب. ووسط هذه الحكايات غير الموثقة المعتمدة على رواية الشخص عن نفسه، يقول هيكل حرفيا: (أنا الكاتب ولكني لست المؤلف وجمال عبد الناصر ليس المؤلف وحده، ولكن اللحظة التاريخية و حوارات أجريتها معه و حوارات حصلت مع غيره). فمن من القراء يستطيع أن يفهم من هذه الجملة من هو مؤلف الكتاب؟. هل هو جمال عبد الناصر أم هيكل أم اللحظة التاريخية أم غيره؟ وهل سبق أن سمع أحد في الشرق أو الغرب عن مؤلف اسمه (اللحظة التاريخية؟. وصفة (اللف والدوران) كما يقولون في الشارع المصري سمة من سمات أحاديث هيكل، فلا تركيز على موضوع الحلقة إذ لا مفر من اختلاق أمور شخصية كلها تؤدي لأهميته ودوره في الأحداث ودوما الدور الفاعل المؤثر الذي يؤخذ في الحسبان لدى العديد من دوائر صنع القرار، وشيء طبيعي عنده أن يقول أكثر من مرة عن ملك أو رئيس عربي أنه قابله أكثر من خمسمائة مرة، وهذا لا يعني إلا أن ذلك الرئيس أو الملك لا عمل ولا مهمات لديه سوى استقبال هيكل والجلوس معه والاستماع إليه. في بعض حلقات أحاديثه أحصيت أنه كّرر كلمة (أنا) أكثر من 100 مرة، وهذا لا يمكن تفسيره إلا بالغرور الزائد أو النرجسية المريضة، لأنه فيما يتعلق بحقبة الرئيس جمال عبد الناصر من يستمع لهيكل ويقرأ ما كتبه عنها لا يخرج إلا بانطباع واحد وهو أن هيكل كان الحاكم والمخطط والمنفذ وليس جمال عبد الناصر، وربما يعبر عن هذا ما هو منسوب للرئيس محمد حسني مبارك أنه قال لهيكل في لقاء معه (أنت لم تكن رجل عبد الناصر، أظن أن عبد الناصر كان رجلك)، والمغزى الباطن في هذا القول لا يعني سوى ما أشرت إليه من غرور ونرجسية تصل لحد التلفيق خاصة أنه يروي عن أموات لا يستطيع أحد من البشر استنطاقهم في قبورهم ليؤكدوا أو ينفوا صحة ما يرويه عن نفسه معهم بشكل دائم.
 
عقدة شخصية اسمها الملك حسين والأردن
وهذه العقدة مردها للعلاقات المتأزمة بين نظام الرئيس جمال عبد الناصر والملك حسين أغلب فترات حكم المرحومين، وفي الجانب المصري كانت إذاعة ” صوت العرب ” بقيادة أحمد سعيد وجريدة الأهرام برئاسة محمد حسنين هيكل أهم أداتين إعلاميتين لدى جمال عبد الناصر، وكانتا خاصة إذاعة صوت العرب المسموعة جدا في الأقطار العربية آنذاك من وسائل عبد الناصر الهجومية ضد أغلب الأنظمة العربية التي لا تعلن السمع والطاعة له في كافة الأمور أيا كانت، خاصة في مواقف حولها استقطاب وخلاف عربي مثل وحدة مصر وسوريا  الشكلية في فبراير عام 1958 وانتهت بقرار من السوريين في أيلول عام 1961 لأسباب عديدة منها عدم حدودية القطرين مما يعوق أي تنسيق أو تكامل في كافة الميادين، والخراب والفساد والقمع الذي أشاعه عبد الحكيم عامر كحاكم عسكري للقطر السوري، ووزير داخليته سيء الذكر عبد الحميد السراج الذي أشاع في سوريا رعبا لا مثيل له، جعل الكاتب اللبناني سعيد تقي الدين يطلق عليه لقب (السلطان الأحمر)، أما الأستاذ غسان زكريا (عديل السراج) فقد وضع عنه كتابا أيضا بعنوان (السلطان الأحمر)، كشف فيه تفاصيل الجرائم التي كان يرتكبها عبد الحميد السراج بحق قيادات الشعب السوري بدعم من عبد الناصر رئيس الجمهورية العربية المتحدة  وموافقته إذ حوّل الإقليم الشمالي (سوريا) إلى ” سجن كبير اختفت فيه كل مظاهر الديمقراطية وشكلياتها، وضرب فيه وعذب وزراء ونوابا وأطباء ومحامين وصحافيين ورجال أعمال ومهندسين ونساء ورجال دين، وهو ما لم يجرؤ الاستعمار الفرنسي على مدى ربع قرن على فعله وهو يحتل الشام ولبنان بمئة ألف جندي ” كما قال غسان زكريا في كتابه المذكور. ومن الجرائم البشعة التي ارتكبها عبد الحميد السراج قتل القيادي الشيوعي اللبناني فرج الله الحلو في السجن ثم تذويب جثته بالأسيد  وإلقائها في نهر بردى، وذلك في الخامس والعشرين من حزيران عام 1959 عندما كان قياديا في الحزب الشيوعي السوري اللبناني قبل انقسامهما، وفي العام التالي (1960) تمّ تصفية الشيوعي المصري شهدي عطية في سجنه الناصري بالقاهرة بطريقة بشعة أيضا، و انتشرت سيرتهما بعد قصيدة الشاعر المصري نجيب سرور التي مطلعها:
القرن يقال العشرون
والعام التاسع والخمسون
لكن لا أذكر ما الشهر
لا أذكر ما اليوم
والساعة لا أعرف كم
فهنا
في جوف الزنزانة
خلف الشمس
يجري توقيت الجستابو
 
فلماذا تغيب هذه الصفحات السوداء،
من كافة كتابات وذكريات محمد حسنين هيكل، وهو يعرف أدق تفاصيلها أكثر من غيره بحكم ادعائه أنه كان شاهدا على كل تفاصيل مرحلة عبد الناصر؟. أليس هذه انتقائية غير محايدة وغير أمينة عندما يتقصد حكاما عربا بالذات ويسكت عن جرائم بشعة ارتكبت في بلده مصر ولم يرتكب مثلها مطلقا أولئك الحكام في بلادهم؟. هل هذه هي حيادية ومهنية كاتب بحجم هيكل؟ أم الانتقائية التي تفرضها المصالح الشخصية؟.
ومقارنات أخرى معاصرة للجميع،
تؤكد أن هيكل يستهدف حكاما عرب بالذات خدمة لمصالح شخصية وأجندات خاصة بغيره، بدليل أن ما تحقق في الأردن لا يختلف عن غيره من الدول العربية، وكأمثلة عاصرها الجميع:
أولا: دخلت سبعة جيوش عربية عام 1948 الحرب ضد عصابات الهاجاناة، وكانت النتيجة هزيمة العرب وإعلان دولة إسرائيل، واحتفظ الجيش المصري بقطاع غزة والجيش الأردني بالضفة الغربية  بما فيها القدس الشرقية،التي أصبحت فيما بعد جزءا من المملكة الأردنية الهاشمية. فما هي الإنجازات التي تحققت على الجبهة المصرية لتميزها عن الجبهة الأردنية كي تكال التهم للقيادة الأردنية آنذاك؟.
ثانيا: دخلت الجيوش المصرية والسورية والأردنية حرب عام 1967 التي انتهت بهزيمة حزيران أو نكسة كما خففها هيكل لتكون ضمن مبررات عودة الرئيس عبد الناصر عن استقالته التي أعلنها متحملا الهزيمة أو النكسة. كانت نتيجة تلك الهزيمة العربية احتلال كامل شبه جزيرة سيناء المصرية وكامل هضبة الجولان السورية وكامل الضفة الغربية الجزء من المملكة الأردنية الهاشمية، فإذا كان الجميع في الهزيمة شرق و غرب، فلماذا استهداف هيكل للقيادة الأردنية آنذاك فقط؟.
ثالثا: كانت مصر أقوى قوة عسكرية بشرية وعسكرية عربية أول من وقّع اتفاقية صلح وسلام مع دولة إسرائيل في منتجع كامب ديفيد الأمريكي بين الرئيسين المصري أنور السادات والإسرائيلي ميناحم بيجن، ومن يومها والسفارة الإسرائيلية مفتوحة والعلم الإسرائيلي يرفرف عليها في القاهرة. بينما انتظرت القيادة الأردنية ستة عشر عاما إلى عام 1994 حتى وقعت اتفاقية وادي عربة مع دولة إسرائيل، ولم يتم ذلك إلا بعد توقيع القيادة الفلسطينية برئاسة الرئيس ياسر عرفات اتفاقية أوسلو عام 1993، وعندئذ لم يكن مطلوبا من القيادة الملكية الأردنية أن تكون ملكية أكثر من الملك ياسر عرفات الذي كان قد أعلن سابقا في عام 1988 في المجلس الوطني الفلسطيني المنعقد في الجزائر قيام دولة فلسطين ضمن حدود عام 1967 مما عنى اعترافا بدولة إسرائيل قبل توقيع اتفاقية أوسلو بستة سنوات، وبناءا على رغبة فلسطينية عربية في دعم الكيان الفلسطيني، اتخذ الملك حسين قراره الشهير بفك الارتباط مع الضفة الغربية، ليقول للعالم أجمع ومن ضمنه دولة إسرائيل أن الضفة الغربية لم تعد جزءا من المملكة الأردنية الهاشمية بل هي جزء من الدولة الفلسطينية التي أعلنها المجلس الوطني الفلسطيني ضمن حدود عام 1967. فلماذا استهداف القيادة الأردنية دون غيرها ممن وقّع معاهدات سلام وصلح مع دولة إسرائيل؟. وهي القيادة التي دعمت وتدعم كل ما تريده القيادات الفلسطينية من عرفات إلى عباس.
 
وماذا عن معركة الكرامة يا هيكل؟
انتقائية هيكل المحسوبة سلفا تجعله يتغاضى في أحاديثه وكتاباته عن صفحة مشرفة من صفحات تاريخ الأردن والجيش الأردني في زمن المرحوم الملك حسين، وهي معركة الكرامة الشهيرة التي خاضها الجيش الأردني في الحادي والعشرين من مارس عام 1968 أي بعد ثمانية شهور من هزيمة حزيران النكسة عند هيكل. هذه المعركة لا يستطيع محب أو كاره للنظام الأردني أن يتجاهلها لأنها فعلا أعادت بعض الثقة والكرامة للجيوش والشعوب العربية، وحسب اعترافات قادة الجيش الإسرائيلي فإنها كانت مفاجأة كبيرة لهم  وهي التي دامت قرابة 16 ساعة، لم يشهدوا مثيلا لاقتحامية وصمود الجيش الأردني في كافة معارك حرب حزيران عام 1967. وحسب المصادر الإسرائيلية والغربية ومنها الموسوعة الأمريكية ويكيبديا فقد بلغت الخسائر الإسرائيلية 250 قتيلا و450 جريحا وإسقاط 6 طائرات مقاتلة وتدمير 88 آلية مختلفة تمكن الجيش الإسرائيلي من إخلاء أغلبها، وبقيت في أرض المعركة 20 دبابة وآلية مختلفة. بينما بلغت خسائر الجيش الأردني 87 شهيدا و 108 جريحا وتدمير 13 دبابة و 39 آلية مختلفة. ومن شهادات قادة الجيش الإسرائيلي كما أوردتها الموسوعة الأمريكية:
قال حاييم بارليف رئيس الأركان الإسرائيلي في حديث له أن إسرائيل فقدت في هجومها على الأردن آليات عسكرية تعادل ثلاثة أضعاف ما فقدته في حرب حزيران.
قال عضو الكنيست الإسرائيلي شلومو جرسك ” لا يساورنا الشك حول عدد الضحايا بين جنودنا.
وصف قائد مجموعة القتال الإسرائيلية المقدم أهارون بيلد المعركة فيما بعد لجريدة دافار الإسرائيلية بقوله ” لقد شاهدت قصفا شديدا عدة مرات في حياتي لكنني لم أر شيئا كهذا من قبل، لقد أصيبت معظم دباباتي في العملية ما عدا اثنتين فقط “.
قال أحد كبار القادة العسكريين العالميين وهو المارشال جريشكو رئيس أركان القوات المسلحة السوفيتية في تلك الفترة”: ” لقد شكلت معركة الكرامة نقطة تحول في تاريخ العسكرية العربية “.
ومن المعروف أن الجيش الإسرائيلي طلب وقف إطلاق النار بعد حوالي عشرة ساعات من بدء المعركة عقب إدراكه أن خسائره في تصاعد متزايد، ورفض المرحوم الملك حسين وقف إطلاق النار رغم الضغوطات الدولية طالما هناك جندي إسرائيلي واحد شرقي نهر الأردن. وهذا ما تحقق بانسحاب الجيش الإسرائيلي كاملا بعد أن تعذر عليه إيجاد موطىء قدم دائم له شرقي النهر، وهذا كان أحد أهداف الهجوم الإسرائيلي.
فلماذا التغاضي يا هيكل عن هذه الصفحات المشرقة في تاريخ الأردن؟ هل الحيادية والمهنية الصحفية تجيز ذلك أم الانتقائية المصلحية فقط؟.
 
عبد الناصر الملف السرّي
هذا العنوان ليس من عندي لكنه عنوان الكتاب الذي صدر في القاهرة عام 2003 عن مكتبة النافذة للكاتب المصري المعروف منتصر مظهر، و يعرف الناشر بالكتاب على الغلاف الأخير بقوله: (هذا أول كتاب عن عبد الناصر يبين نقاط القوة والضعف في حياته الشخصية والعسكرية والسياسية، يعرضها المؤلف على النحو التالي: ميلاد ناصر ونشأته. علاقة عبد الناصر بالمخابرات الأمريكية. اتصالات ناصر السرية بإسرائيل. حادث المنشية. انفراد عبد الناصر بالسلطة. عبد الناصر والإخوان. 56 ميلاد زعيم. ناصر ديمقراطي أم ديكتاتور؟. الصدام مع عامر. الصراع الخفي بين عبد الناصر ومراكز القوى. النكسة وسقوط زعيم. عصابة الأربعة. سقوط علي صبري. سامي شرف والخديعة الكبرى. ناصر والسادات.لماذا اختار عبد الناصر السادات نائبا له؟. ناصر وأم كلثوم. حياته الخاصة أسرار وحكايات. اللحظات الأخيرة في حياة عبد الناصر. من الذي سرق خزينة عبد الناصر؟). إنّ حجم المعلومات التي يقدمها الكتاب مسنودة لشهود عيان منهم محمد حسنين هيكل، تضع كثيرين من قيادات الثورة المصرية ومنهم الرئيس جمال عبد الناصر والعديد من الشخصيات المصرية في دائرة الاتهام بما فيهم محمد حسنين هيكل نفسه،  ومن ضمن ما اعتمد عليه كتاب الصحفي الأمريكي المشهور مايلز كوبلاند (لعبة الأمم) الذي تمّ منعه في العديد من الدول العربية ومنها مصر عبد الناصر. ومن ضمن الوثائق المهمة التي يقدمها الكتاب رسالة الصحفي المصري مصطفى أمين رئيس تحرير جريدة الأخبار التي يعترف لعبد الناصر شخصيا من سجنه بتعامله مع المخابرات المركزية الأمريكية، مؤكدا أن تعامله هذا كان يتم بعلم عبد الناصر ومباركته، لذلك يطلب منه الإفراج عنه، وهذه الرسالة الشهيرة لم تعد سرا وأكدتها العديد من المصادر المخابراتية المصرية، ومن الوثائق المهمة كتاب مذكرات ثروت عكاشة الذي صدر عام 2000، وكان عكاشة يشغل مناصب عديدة مهمة منها الملحق العسكري المصري في باريس عام 1954 ، ويسرد في مذكراته تفاصيل بالأسماء والتواريخ والأماكن عن اتصالاته مع الإسرائيليين بأمر من عبد الناصر شخصيا، ووضع عبد الناصر في تفاصيل تلك الاتصالات ومباركته لها وحثه على الاستمرار فيها. والسؤال هو: لماذا استهداف القيادة الأردنية بمعلومات مشابهة أقل توثيقا ومصداقية؟. لماذا اتصالات عبد الناصر ونظامه مع الإسرائيليين حلال واتصالات غيره حرام؟. لماذا اتصالات عبد الناصر ونظامه مع الإسرائيليين عمل وطني واتصالات غيره عمل خياني؟.
 
هل هناك من يؤكد انتقائية هيكل أيضا؟
من الكتب المهمة والضروري قراءتها لمن يريد أن يفهم خلفيات الكتابة عند محمد حسنين هيكل، هو كتاب (تفكيك هيكل) للمؤرخ العراقي المعروف الأستاذ الدكتور سيار الجميل، الصادر عام 2000 في طبعته الأولى عن الأهلية للنشر والتوزيع في عمّان، وهو كتاب يعتمد الرصانه في التوثيق والدقة في الموضوعية مما يجعله من أهم المصادر خاصة أنه (مكاشفات نقدية في إشكاليات محمد حسنين هيكل) كما يقول العنوان الفرعي للكتاب. هذا الكتاب ليس من السهل تلخيصه فلا بد من قراءته، وهو إن بدأت فيه لن تتركه إلا عند الانتهاء من صفحاته الستمائة وخمسة وعشرين صفحة. ومما يؤيد انتقائية هيكل المصلحية ما قاله المؤلف في صفحة 225 من الكتاب: (لقد تأكد لنا بما لا يقبل مجالا للشك أن هيكل ينقل ما يطيب له أن ينقل، بل ويضيف في تسجيلاته ما يحلو له أن يضيف !! وأنه يتغاضى عن ذكر ما لا يرد ذكره وقوله. وإذا كان قد ساق في مقالته عن شخصية الملك حسين (وجهات نظر، 3 / 13 ) بعض ما يطيب له من الاتهامات معتمدا على كتاب رولاند دالاس   Alife on the Edge
ومسجلا ما يحلو له مع تلاعبه بالنصوص ومتغافلا عن نصوص أخرى متعمدا). وفي الصفحة 396 يقول الدكتور سيار الجميل ما يبدو وكأنه رأي نهائي له بعد كل هذه الدراسات والتحليلات لكتابات هيكل: ” لقد بدا هيكل أمامي وأنا أفكك نصوصه وأعالج أفكاره وأتتبع مواقفه في صورة رجل تهمه نفسه جدا وقبل أي شخص آخر…وإذا كان القدر قد أتى بغير عبد الناصر إلى السلطة، فسيكون معه أيضا، فهو لا تهمه لا الناصرية ولا القومية ولا الليبرالية ولا الاشتراكية…إلخ. إن ما يهمه فقط هو هيكل فقط لا غير “.
 
ويبقى محمد حسنين هيكل شخصية مهمة،
والنقد السابق لطريقته الانتقائية وتوظيفه للنصوص والارتباطات بما يوافق شخصيته ومصالحه، لا يعني تقليلا من أهمية الرجل، ولكن لا أحد فوق النقد، أو كما قال الدكتور سيار الجميل في كتابه المذكور ص 400 بعد أن يؤكد أنه يحترم هيكل وليس خصما له: ” ولكنني كنت مناقشا له ومجادلا لمعلوماته وأفكاره. فلست خصما للرجل، بل خصم للنص الذي كتبه والخطاب الذي أنتجه. ومع إعجابي بأسلوبه الأدبي والصحافي، لكنني أقف ضد طريقته بتوظيفه للوقائع والمواقف، وعملية اللف والدوران حولها…فالمستقبل وحده سيكشف نوعية بضاعة محمد حسنين هيكل على امتداد حياته السياسية والفكرية في خمسين سنة من القرن العشرين “. وأضيف: وعشر سنوات حتى اليوم من القرن الحادي والعشرين!!.

ahmad64@hotmail.com
الحلقة الثانية: ماذا يقدم هشام خضر في كتابه: عبد الناصر وعلاقاته الخفية بالموساد والمخابرات الأمريكية. وهو كتاب صدر في القاهرة أيضا عام 2004.
 
 ==========
 
هذه فقرة أنقلها حرفياً من كتاب مايلز كوبلاند (لعبة الأمم) في الصفحة رقم (96) بدون تعليق: _ وزادت العلاقات قوة بين ليكلاند والضباط الأحرار عن طريق حسنين هيكل الذي كان صلة الوصل بينهم. وقد أصبح هيكل في ما بعد من أقرب المقربين لعبد الناصر في حين لم يكن آنئذ أكثر من محرر في صحيفة سياسية يملكها مصطفى أمين أحد أصدقاء عبد الناصر. وقد هيأ هيكل الجو للعديد من المقابلات بين ليكلاند وقادة الضباط الأحرار بما فيهم عبد الناصر نفسه, واعتاد ليكلاند أن يستقبلهم في شقته المطلة على النيل بترحاب وإكرام زائدين. إنتهى _ كل ما نرجوه هو أن يطلع علينا الذي يتكلم بحسن هيكل ولا علاقة له مع حسنين هيكل الذي يقص علينا أقل من نصف الحقيقة

===

العبرة بالنتائج, ما ذا حقق عبدالناصر لمصر والامة العربية غير الخسائر والهزائم؟ كم قتل وسجن عبدالناصر من شعبة ومن معارضية , وفي المقارن الملوك في الاردن بنوا في الاردن الازدهار والتقدم الذي تحسدهم عليه حتى الدول البترولية وكل معاير التقدم من طب ونسبة تعليم وانخفاض الامية وغيرها حققها الملوك في الاردن ..ويكفي الاردن شرف انه لم يتم اعدام اي سياسي او معارض اردني …اي زعيم عربي سمح عن من كان يحاول القيام بالانقلاب علية؟ الملك كان يسمح عن كل الاساءات والانقلابات التي حصلت علية

=======


نتمنى على هيكل أن يتحفنا بحلقات يكشف فيها المستور الذي كان وراء هزيمة حزيران وهو يعطي لنفسه الأهمية بمعرفة الخفايا بسبب التصاقه بعبد الناصر والقيادة المصرية وكيف استطاع الجاسوس الأسرائيلي ( وهناك كتاب اسمه: وسقطت الطائرات عند الفجر ) أن يفتعل حادثة عيد ميلاده يوم 4 حزيران باحتفالات قد أجراها في كل أرجاء نوادي الضباط على الجبهة المصرية والتي لم يبخل بجلب صناديق الويسكي مع أحلى فنانات وراقصات مصر التي أسكرت كل الضباط الطيارين حتى فجر يوم 5 حزيران حين أبتدء الطيران الأسرائيلي بتدمير كل الطائرات المصرية وهي جاثمة على الأرض . والسؤال الذي يطرح نفسه بكل قوة هل أن خيانة الملك حسين حتى وإن صح ذلك يخصص لها حلقتين في شاشة الجزيرة الصهيونية والحادثة التي كانت وراء أكبر هزيمة للعرب لم يشر إليها في أي حديث له على مدى عقود مضت ولم أسمعه مرة واحدة يشير إلى صديق عبد الناصر الشخصي ( مايلز كوبلاند ) رئيس مكتب السي اي ايه الموجود في قصر القبة والذي كان يستقبله عبد الناصر في منزله مرات ومرات أفليست هذه بحد ذاتها خيانة أم مسموح له كونه زعيم القومية العربية والسؤال الأهم هنا الذي نوجهه هو: هل كان في تلك الأوقات في إجازة هه هه هه شي بضحك والله !!! 

 

وثيقة عثمانية تثبت بيع الفلسطينين الأراضي لليهود / فلسطين اليهود

مارس 27, 2009

وشهد شاهد من اهلكم

وثيقة: بدايات تواطؤ المسؤولين في بيع الأراضي الفلسطينية لليهود المهاجرين عام 1890*

تاريخ النشر: 09/02/2008

ترجمة: الأستاذ كمال خوجة
موقع عرب 48
Y.PRK.AZS 27/39
1311
إخبارية صادقة نرفعها إلى مقام مولانا الخليفة

نحن الذين غمرتنا الدولة العلية العثمانية أباً عن جد بالإنعام والإحسان الجزيل، وبدافع من الشعور والإحساس الوجداني، وبما جبلنا عليه من الفطرة والحمية الدينية والوطنية، نعتبر أنفسنا مسئولين ومطلوبين بالإخبار عن كل تصرف أو تحرك يخالف رضا مولانا السلطان في أي جهة من جهات الممالك العثمانية المحروسة. فنحن في الأصل من أهالي البلقاء وحيفا وبيروت، عندما كنا موظفين مستخدمين في لوائي عكا والبلقاء سمعنا وعلمنا من مصادر موثقة ومؤكدة ارتكاب بعض المسئولين في قضاء حيفا التابعة للواء عكا بعض الأعمال التي تتنافى والرضا العالي لمولانا ظل الله في الأرض. وقد وجدنا في أنفسنا الجرأة لعرضها فيما يلي:
من المعلوم لدى الجميع بأن إدخال اليهود الأجانب من رومانيين وروس وإسكانهم في الممالك المحروسة بشكل عام وفي بلاد فلسطين بشكل خاص وتمليكهم للأراضي ممنوع منعاً باتاً بموجب الإرادة السنية لحضرة مولانا السلطان. ولكن وبدافع من المنافع والمصالح الشخصية من البعض والأفكار الفاسدة والمناوئة للبعض الآخر حدث في العام الماضي ألف وثلاثمائة وستة 1890م، بتوسط من موسى خانكر وماير زبلون اليهوديين الروسيين المقيمين في بلدتي يافا وحيفا وهما من رجال البارون هيرش، اتفق متصرف عكا صادق باشا عندما كان قائمقاماً ومتصرفاً هناك مع قائمقام حيفا السابق مصطفى القنواتي، والحالي أحمد شكري ومفتي عكا علي أفندي ورئيس بلدية حيفا مصطفى أفندي وعضو مجلس الإدارة نجيب أفندي على إدخال وقبول مائة وأربعين عائلة يهودية طردوا من الممالك الروسية في قضاء حيفا، وعلى بيع الأراضي التي يملكها والي أضنة السابق وشقيق المتصرف المشار شاكر باشا وسليم نصر الله خوري من أهالي جبل لبنان حيث كانوا قد اشتروها بألف وثمانمائة قطعة ورقية من فئة المائة في الخضيرة ودردارة والنفيعات لليهود المذكورين بثمانية عشر ألف ليرة، مع إعطاء المأمورين المذكورين ألفي ليرة مقابل تعاونهم لتحقيق ذلك. وبعد ذلك وفي إحدى الليالي أنزل اليهود المذكورون من السفينة إلى الساحل تحت إشراف مأمور البوليس في حيفا عزيز ومأمور الضابطة اليوزباشي علي آغا، وتم توزيعهم في نواحي القضاء. ثم قام رئيس بلدية حيفا مصطفى أفندي دون أن تكون له أية صلاحية وفي أمر يحتاج إلى إرادة سنية سلطانية بتنظيم رخص مزورة بتاريخ قديم وإحداث مائة وأربعين منزلاً على الأراضي المذكورة وتحويلها على قرية وإسكان اليهود فيها وتنظيم سجل ضريبي قبل أن يكون هناك أي شيء وإعطاء هؤلاء اليهود صفة رعايا الدولة العثمانية من القدم ويقيمون في تلك القرية.
ولم يبق الأمر عند هذا الحد بل كان الادعاء بأن هؤلاء كانوا من أتباع الدولة العلية وولدوا في قضائي صفد وطبريا ويقيمون في القرية المعروفة بمزرعة الخضيرة، وأنهم لم يكونوا مسجلين في سجلات النفوس، فأجريت بحقهم معاملة المكتومين، وتحصيل غرامة قدرها مجيدي أبيض واحد (أي ست مجيديات) من كل من له القدرة على الدفع، وإعفاء من لا يملك القدرة على الدفع، واكتملت المعاملة بأسرها في يوم واحد فأصبحت لهم صفة قدماء الأهالي فيها. وقبض وكيل المشار إليه شاكر باشا مفتي عكا علي أفندي وسليم نصر الله خوري من جبل لبنان ثمانية عشر ألف ليرة قيمة بيع تلك الأراضي، دون أي اعتبار لمصالح الأمة والوطن، ولمجرد تأمين أسباب الراحة وتحقيق الأطماع الفاسدة لهؤلاء اليهود الذين طردوا وأبعدوا من الممالك الأجنبية. إن ما حدث لا يمكن كتمه أو إنكاره كما أن ذلك ثابت من خلال المعاملات الجارية في سجلات الدوائر الرسمية في عكا وحيفا. وأغلب ظننا بأنه سبق وأن قدم بعض الذوات الثقاة معلومات حول الموضوع، ويمكن الاستعلام بالوضع من متصرفيات نابلس والقدس المجاورتين لعكا وحيفا للتأكد من صحة ما أبلغنا به، ويمكن بهذه الطريقة التحقق من صحة ما نقول من قبول وإنزال اليهود كلما مرت سفينة في ميناء حيفا.
وفيما عدا هذا فإن قرية زمارين التي يملكها ويحكمها اليوم البارون روتشيلد ويبلغ عدد بيوتها حوالي سبعمائة تعج باليهود، توفي مالكها في وقت سابق بلا وارث وعندما صدر الإعلام الشرعي بوجوب تسجيل القرية المذكورة في دفتر الشواغر، بيعت بطريقة من الطرق لليهود، وبغية توسيعها وزيادة أهميتها تم تمليك ثلاث قرى بالتتابع وهي: عسفيا وأم التوت وأم الجمال، وإلحاقها بزمارين. وتسهيلاً لإجراء ما يلزم لتحقيق هذا النوع من الطلبات اللاحقة اشترى اليهود من صادق باشا المشار إليه أراض خربة لا تتعدى قيمتها ألفين أو ثلاثة آلاف قرش بألفي ليرة ليشتروا بعد ذلك الأراضي المهمة على الساحل بين حيفا ويافا وتعرف بخشم الزرقة وتحد الأراضي السنية وتزيد مساحتها عن ثلاثين ألف دونم، إذا فرضنا أن قيمة الدونم الواحد ليرة واحدة تكون قيمتها ثلاثين ألف ليرة، اعتبروها خمسة آلاف دونم وباعوها بخمسة عشر ألف قرش أي الدونم الواحد بثلاثة قروش، بيعت ليهود زمارين التي سبق ذكرها، وهو أمر يستغربه كل إنسان.
إلى جانب ذلك فإن القسم الأعظم من المكان المعروف بجبل الكرمل ذات الأهمية لدى الدولة أي أكثر من خمسة عشر ألف دونم بيعت بالحيل والطرق الملتوية من قبل رئيس البلدية مصطفى الخليل وعضو الإدارة نجيب الياسين إلى رهبان دير الكرمل باسم فرنسا، ونظرا للغيرة والمنافسة الحاصلة من رعايا دولة ألمانيا تجاه الرهبان، تمكن هؤلاء أيضا من الحصول على عشرة آلاف دونم من الأرض بسعر متدن جداً، ولم يمض وقت طويل حتى ظهر منافس آخر ثم تم تمليك سيدة تعرف بالست الإنجليزية وبتوسط من القنصل الإنجليزي في حيفا المستر سميث خمسة آلاف دونم من الأرض لقاء سكوتها على بيع تلك الأراضي للآخرين، وقاموا جميعا بإنشاء مبان وكنائس عظيمة عليها، على إثر ذلك وبمبادرة من متصرف عكا زيور باشا انتخب قائمقام الناصرة السابق وكيلا للحكومة السنية، فأقام في عهد رئيس محكمة البداية في حيفا محي الدين سلهب الطرابلسي دعوى ضد الأجانب المذكورين بطلب استعادة تلك الأراضي، ووصل كسب القضية مرحلة شبه نهائية، ولكن وردت برقية سامية في الأمر بتعطيل كافة المعاملات المتعلقة بهذه الدعوى ونقل المرحوم زيور باشا إلى القلعة السلطانية ** وبذلك أصبحت شواطئ البحر وجبل الكرمل وتلك الأراضي والمناطق المهمة التي تفتدى كل حفنة من ترابها بالروح بيد الغاصبين الأجانب بدعوى التقادم. ويقوم الآن الإيراني عباس المنفي حالياً في عكا الذي يحقق كل شيء يريده بفضل ثروته ونفوذه بالتفاهم مع رئيس بلدية حيفا مصطفى وعضو المحكمة الحالي نجيب بسلب أراضي العاجزين والفقراء من الأهالي بأثمان بخسة ليقوموا بعد ذلك بتهيئتها وبيعها بأثمان فاحشة لليهود والأجانب الآخرين لتحقيق مصالحهم الشخصية.
بقي أن نقول بأن هؤلاء اليهود بفضل المال الذي بذلوه صاروا مرعيي الخواطر، فصاروا يسومون الأهالي المسلمين في القرى المجاورة لليهود أبشع أنواع الظلم، كما تسلطوا على أعراض النساء. وفي عهد المدير السابق لناحية قيصاري علي بك الشركسي وصلت إخبارية بأن اليهود في زمارين يقومون بتزوير العملات، فتوجه المتصرف إلى قراهم للتحقيق في هذه المسألة وغيرها من المسائل وبدافع الاستبداد والتحكم ضرب المدير المذكور وأهانه ولجأ إلى بعض الوسائل النفسية لعزله من منصبه، وقد استغل يهود زمارين تراخي بعض المسؤولين المحليين معهم فحبسوا الرجال وقاموا بتعذيبهم، كما يقومون الآن بتخزين مختلف أنواع الأسلحة والذخائر، كما بنوا مدرسة ضخمة لتدريس مختلف العلوم، وقد لجأنا إلى الإخبار عن كل هذا آملين أن تتخذ الوسائل الكفيلة لوضع حد لمثل هذه الأعمال والأمر لحضرة من له الأمر.
3 أغسطس سنة 1309 (15 آب 1893).

ـــــــــــ
* نشر موقع “عرب48″ ترجمة حرفية لوثيقة عثمانية تحكي على لسان ثلاثة مخبرين للدولة العثمانية تفاصيل تواطؤ بعض المسؤولين في فلسطين عام1890، في بيع أراضي تمتد بين حيفا ويافا للمستوطنين اليهود. وننوه إلى أن ترجمة هذه الوثيقة خصنا بها المترجم التركي الزميل الأستاذ كمال خوجة، أحد الشخصيات البارزة في الجمعية الدولية للمترجمين العرب.
مخبر- من أهالي بيروت، المدير السابق لناحية الشعراوية بداخل البلقاء ومدير نجد الحالي، صبحي.
مخبر – من أهالي حيفا، المدير السابق للريجي بلواء البلقاء، سعيد بحق محمد
مخبر- من أهالي عكا، معاون المدعي العام السابق بعكا، محمد توفيق السيد
(هذه الترجمة مطابقة للأصل العثماني المحفوظ لدي أنا المترجم كمال أحمد خوجة).
**جناق قلعة

http://www.thaqafa.org

 

========

بيع الاراضي وقائع حدثت

وهنا اعتراف صحفي مثل جهاد علاونة بان جده باع الاراضي ايضا

اقتباس

وما زلت أسمع من كبار السن رجالا ونساءا عن رجال باعوا مآت الدونومات في عمان وإربد بأثمان بخسة دراهم وجنيهات معدودة ومنهم مثلا من كان يبيع أرضه لكي يذهب في بداية الخمسينيات 1950- 1960م إلى القاهرة من أجل أن يستمع لصوت أم كلثوم… ومنهم من كان يبيع أرضه من أجل ثمنية حلاوة شامية… وهذا يعني أن تجار الحلاوة والقمح هم الذين أجبروا الفلاحين على بيع أراضيهم ولم يكن الموضوع متعلقا بالخيانة السياسية للوطن وللدين وللأرض وللإنسان .
ومنهم من باعها من أجل أن يركب سياره…ومهم من باعها من أجل أن يحصل على مهر عروس …ومنهم من باعها من أجل أن يشتري راديو يستمع من خلاله للغناء والطرب …ولم يبع أحد أرض فلسطين من أجل خيانة دينه ومذهبه ..فلم تكن مثل تلك الصطلاحات شائعة وكان اليهود في تلك الفترة أصدقاء للجميع وجيران متحابون مع جيرانهم وكانوا يزوجون بناتهم اليهوديات للمسلمين .
وأنا واحد من الناس الذي باع جده أرضه بسبب التعب من العمل الزراعي الذي لا يغني ولا يسمن من جوع فلقد كان الفلاحون يملكون مآت الأراض الزراعية بنفس الوقت الذي كانوا يموتون به جوعا ومن سوء التغذية أيضا فما تنفع الأراضي الزراعية للإنسان وهو يموت جوعا لا تستطيع الأرض أن تخلص الفلاح من تعبه وجوعه إلا بالتخلي عنها وبيعها وأكل ثمنها :حلاوة وسكر …وطحين ..وذره …وقمح ..

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=111190

=======

و هنا اذكر بما نبه له الصحفي الفلسطيني زهير اندراوس

==========
زهير اندراوس
رئيس تحرير صحيفة “كل العرب” الصادرة في الناصرة

عملاء الدونمات وعملاء القيادات

لا يختلف اثنان على ان ظاهرة العملاء في صفوف الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة باتت خطيرة للغاية، لا بل يمكن اعتبارها انها وصلت الى حد الوباء في المجتمع الفلسطيني، والتصفيات التي يقوم بها الاحتلال الاسرائيلي لرموز المقاومة تؤكد ان الخونة والعملاء استطاعوا اقتحام الدوائر المغلقة وتزويد المخابرات الاسرائيلية بمعلومات تمكنها من تنفيذ جرائمها. اكتب هذه الكلمات بعد ان انتهيت في هذه الايام من مطالعة كتاب جديد صدر مؤخرا باللغة العبرية لمؤلفه د. هيلل كوهين، مستشرق يدرس موضوعي الاسلام والشرق الاوسط في الجامعة العبرية في القدس. الكتاب الذي يحمل عنوان جيش الظل: عملاء فلسطينيون في خدمة الصهيونية, هو كتاب مثير للغاية، ليس من ناحية السرد، انما بسبب الجرأة التي يعالج فيها الكاتب ـ وهو بالمناسبة محسوب علي ما يسمي اليسار الاسرائيلي الصهيوني ـ موضوع العملاء، حيث يتطرق الي الفترة الواقعة بين العام 1917 وحتي النكبة المشؤومة عام 1948.
وللتنويه فقط، نشدد في هذا السياق علي ان المؤلف هو صهيوني، وبالتالي فان كتابه جاء ليعزز الرواية الاسرائيلية حول ما حدث، مع ذلك يجب التوقف عند هذا الكتاب والمعلومات التي وردت فيه وعدم الاكتفاء بدحض ما جاء فيه بصورة عاطفية، نعتقد انه من منطلق المسؤولية الوطنية يجب التعامل مع الكتاب بنظرة علمية وعملية والرد عليه باسرع وقت ممكن، لانه في المحصلة العامة يوجه اتهامات خطيرة للفلسطينيين حيث يقول ان الاف الفلسطينيين كانوا وما زالوا عملاء للحركة الصهيونية منذ بداية القرن العشرين، منهم سماسرة الارض وعملاء سريون، تجار اسلحة ومنفذو عمليات قتل مدفوعة الاجر ( مرتزقة)، سياسيون رفيعو المستوي، قرويون عاديون، قيادات عمالية ومحاربون واخرون، ويخلص الكاتب الى القول ان هؤلاء كانوا الطبق الذهبي الذي قامت عليه الدولة العبرية، فنشاطاتهم كان لها تاثير مركزي على مقدرة اسرائيل العسكرية والمخابراتية، وعلى خريطة الاستيطان وعلى ترسيم حدود الدولة اليهودية، ويضيف المؤلف انه عندما بدات الحرب المصيرية في العام 1948 كان الفلسطينيون مشرذمين ولا رغبة لديهم في القتال، وعليه جاءت الضربة الاسرائيلية القاصمة، النكبة.

ويقول المؤلف ـ او يمكن استعمال مفردة يزعم ـ بان الكتاب يعتمد علي الاف الوثائق التي ما زالت حتي يومنا هذا سرية للغاية، ولكنه لا يفصح لنا كيف وصل اليها واعتمد عليها، هذا التنويه من طرفه يثبت ان وراء الأكمة ما وراءها.

علي اية حال، المثير في الكتاب انه يورد اسماء عشرات العائلات الفلسطينية من سكان فلسطين التاريخية، الذين تعاملوا مع الحركة الصهيونية وقدموا لها الخدمات المختلفة من بيع الاراضي وحتى التآمر علي ابناء شعبهم.

لا نريد في هذا السياق ان نورد اسماء العائلات والاشخاص والشخصيات الذين وردت اسماؤهم وافعالهم في الكتاب، لاننا اذا قمنا بذلك سنخدم من حيث لا ندري الرواية الاسرائيلية الرسمية حول ما حدث.

باعتقادنا ان مراكز الابحاث الفلسطينية في الوطن والشتات ملزمة بمعاينة الكتاب بعيدا عن العواطف والرد عليه باسرع وقت ممكن، لان تجربتنا مع الحركة الصهيونية تقودنا الي التفكير بان الاسرائيليين سيقومون بترجمته الي لغات عديدة، وعلي الاغلب الي العربية ايضا لشرعنة اغتصاب فلسطين واقناع الرأي العام العالمي بان الفلسطينيين هم الذين باعوا ارضهم وبلادهم ووطنهم.

نقولها بصراحة متناهية: لا يكفي ان نقول بان الكتاب هو كتاب صهيوني لمؤلف مستشرق يحاول الطعن والتشهير والتجريح والاحراج، لا يكفي ان نعفي انفسنا من الرد عليه بالقول انه كتاب اخر هدفه خدمة الصهيونية وموبقاتها، علينا كابناء هذا الشعب ان نقاوم هذه الرواية الاسرائيلية ورد الصاع صاعين ولكن بنفس الطريقة التي تعامل بها المؤلف مع الكتاب، واذا تبين لنا ان عائلة فلان او عائلة علان قامت فعلا ببيع الاراضي وقدمت عائلة اخري خدمات مختلفة للحركة الصهيونية، علينا ان نتعامل معها وان نذبح البقر المقدس ، والا نتورع عن فضح هذه العائلات والقيادات.

من ناحية اخري فاننا ملزمون بتقديم لائحة دفاع علمية للرد علي لائحة الاتهام التي قدمها الكاتب الاسرائيلي ضدنا، وذلك لرد الاعتبار للعائلات التي ذكرت في الكتاب، ليس هذا فحسب، نقول للاسف الشديد ان عدم معالجة ظاهرة العملاء علي اختلاف انواعهم ستؤدي في نهاية المطاف الى استفحال الظاهرة اكثر واكثر، علينا ان نتدارك الامور وان نستبق الاحداث لكي لا نندم حين لا ينفع الندم، لان من باع حبة تراب من ارض فلسطين للحركة الصهيونية هو اخطر بكثير من العميل الذي يقدم المعلومات عن تحركات النشطاء الفلسطينيين تمهيدا لتصفيتهم، لان الارض التي بيعت لا يمكن استرجاعها، اما النشطاء الذين انضموا الي قافلة شهداء فلسطين فشعبنا اثبت انه يملك القدرات علي النهوض وايجاد قيادات بديلة لمواصلة النضال من اجل التحرر واقامة الدولة الفلسطينية العلمانية الديمقراطية وعاصمتها القدس.
وعلينا ان نذكر وتنذكر ان معركة الشعب الفلسطيني مع الحركة الصهيونية لا تقتصر فقط على ساحة القتال.

=========

بعض اسماء العائلات العميلة للحركة الصهيونية وهي من كبار العائلات الفلسطيينية

Army of Shadows: Palestinian Collaboration with Zionism, 1917-1948
By Hillel Cohen
Translated by Haim Watzman
(University of California Press, 344

Apart from his portrayal of land speculators, informers and other marginal types, Cohen has written some fascinating chapters on prominent figures in the Arab community who were in contact with the Jewish Yishuv. Many of them came from the country’s most distinguished families: Nashashibi from Jerusalem, Arshid from Jenin, Tukan from Nablus, Abd al-Hadi from Araba, Fahoum from Nazareth and Shukeiry from Acre. They were joined by important sheikhs from Abu Ghosh, Malha, Beit Jubrin, Anabta and other villages around the country. Some cooperated with the Yishuv because they saw the Jews as intermediaries whose help could, and should, be sought in dealing with the British administration.

 

و لازالت عملية بيع الاراضي

تهديد فلسطيني بكشف الشركات العربية التي تسهل بيع الأراضي في القدس

2008-07-10

غزة – ضياء الكحلوت

هدد رئيس لجنة القدس في المجلس التشريعي ورئيس مؤسسة القدس الدولية في غزة الدكتور أحمد أبو حلبية بكشف أسماء السماسرة والشركات العربية التي تقوم بتسريب الأراضي إلى الإسرائيليين في مدينة القدس المحتلة. وأكد أبو حلبية في مؤتمر صحفي في غزة على وجود عدد من الشركات التي لها ارتباطات مع شركات إسرائيلية تقوم بشراء الأراضي المقدسية كبيع من عربي لعربي ومن ثم تسربها للشركات الإسرائيلية.

http://www.alarab.com.qa/details.php?docId=49446&issueNo=198&secId=15

 

 ورد في الوثيقة العثمانية و اعتراف المثقفين و الصحفيين الفلسطينين ببيع الارضي لليهود وآخرهم رئيس لجنة القدس في المجلس التشريعي و هنا اود من القارىء الكريم الاطلاع على ما يلي :

الوثيقة العثمانية فيها ذكر لوقائع بيع الاراضي لليهود
و يالها من وثيقة تتضمن اتهام لجد رئيس السلطة الفلسطينية الحالي محمود عباس بانه من اولئك الخونة و العملاء
ويبدو تكريما لذلك الجد الخائن ان اختار الفلسطينيين حفيده ليكون رئيسا عليهم

اقتباس

ويقوم الآن الإيراني عباس المنفي حالياً في عكا الذي يحقق كل شيء يريده بفضل ثروته ونفوذه بالتفاهم مع رئيس بلدية حيفا مصطفى وعضو المحكمة الحالي نجيب بسلب أراضي العاجزين والفقراء من الأهالي بأثمان بخسة ليقوموا بعد ذلك بتهيئتها وبيعها بأثمان فاحشة لليهود والأجانب الآخرين لتحقيق مصالحهم الشخصية.
انتهى

=========

و من مقال الصحفي جهاد علاونة و اعترافه بان جده باع الاراضي ايضا
و الاعتراف سيد الادلة

مقتطفات مقتبسة من المقال

الاقتباس

ولم تكن عملية البيع في فلسطين وحدها بل كانت سارية المفعول في جميع أنحاء إمارة شرق الأردن وغربه
…ولم يبع أحد أرض فلسطين من أجل خيانة دينه ومذهبه ..فلم تكن مثل تلك الصطلاحات شائعة وكان اليهود في تلك الفترة أصدقاء للجميع وجيران متحابون مع جيرانهم وكانوا يزوجون بناتهم اليهوديات للمسلمين .
وأنا واحد من الناس الذي باع جده أرضه بسبب التعب من العمل الزراعي الذي لا يغني ولا يسمن من جوع فلقد كان الفلاحون يملكون مآت الأراض الزراعية بنفس الوقت الذي كانوا يموتون به جوعا ومن سوء التغذية أيضا فما تنفع الأراضي الزراعية للإنسان وهو يموت جوعا لا تستطيع الأرض أن تخلص الفلاح من تعبه وجوعه إلا بالتخلي عنها وبيعها وأكل ثمنها :حلاوة وسكر …وطحين ..وذره …وقمح ..
إن من باع فلسطين ليسوا رجالا وصفهم مظفر النواب بقوله :
من باع فلسطين سوى قائمة الشحاذين على أرصفة الطرقات ومائدة الدول العظمى .
لقد باعها الجائعون ولم يقصدوا من بيعها أن يبيعوا معها دينهم وظمائرهم بل كانت موضه دارجه يبيع الفلاحون بها أراضيهم ويستبدلونها بمواد غذائية
لقد كانت تباع أرض فلسطين من قبل الفلاحين لليهود وللتجار القادمين من الشام, غير أن اليهود إشتروا بحجم أكبر من العرب .
ولم تكن عملية بيع أراضي فلسطين لليهود عيبا دينيا ولم تكن هنالك حساسيات دينية أو سياسية بين المسلمين واليهود

الملك عبد الله الأول رغم أنه دفع حياته ثمنا لجهل العرب وأستشهد على أرض وفلسطين وهو يقدم المساعدات المالية لهم كي يخفف من عملية بيع الأراضي او ليكافح جيوب الفقر في القدس ونابلس وحيفا ويافا والسلط وإربد وعمان …إلخ وهذا ليس دفاعا عن الملك عبد الله ولكنني هنا أتحدث عن مسألة علمية عن أرض تهلك بقاؤها الفلاح وأهله وكان ثمنها أفضل من إقتنائها , ومن لا يصدقني فليسأل جدوده وكبار السن في حارته وحيه السكني .
لقد باع الفلاحون أراضيهم وإتهم أبناؤهم الملوك ببيعها وهم منها براء براءة الذئب من دم يوسف .
انتهى

=====

اعتراف صريح بظاهرة العملاء الفلسطينين
وباعة الاراضي الفلسطيين لليهود

من رئيس تحرير صحيفة “كل العرب” الصادرة في الناصرة
زهير اندراوس
بعنوان
عملاء الدونمات وعملاء القيادات

مقتطفات مقتبسة من المقال

الاقتباس

لا يختلف اثنان على ان ظاهرة العملاء في صفوف الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة باتت خطيرة للغاية، لا بل يمكن اعتبارها انها وصلت الى حد الوباء في المجتمع الفلسطيني، والتصفيات التي يقوم بها الاحتلال الاسرائيلي لرموز المقاومة تؤكد ان الخونة والعملاء استطاعوا اقتحام الدوائر المغلقة وتزويد المخابرات الاسرائيلية بمعلومات تمكنها من تنفيذ جرائمها. اكتب هذه الكلمات بعد ان انتهيت في هذه الايام من مطالعة كتاب جديد صدر مؤخرا باللغة العبرية لمؤلفه د. هيلل كوهين، مستشرق يدرس موضوعي الاسلام والشرق الاوسط في الجامعة العبرية في القدس. الكتاب الذي يحمل عنوان جيش الظل: عملاء فلسطينيون في خدمة الصهيونية, هو كتاب مثير للغاية، ليس من ناحية السرد، انما بسبب الجرأة التي يعالج فيها الكاتب ـ وهو بالمناسبة محسوب علي ما يسمي اليسار الاسرائيلي الصهيوني ـ

انتهى

يحذر من الرد العاطفي والرد بنظرة علمية لوجود اتهامات خطيرة فلو كان يملك الرد وهو الفلسطييني المثقف لما استنجد لرد ما جاء في الكتاب
ويطلب من مراكز الابحاث الفلسطينية في الوطن والشتات ملزمة بمعاينة الكتاب بعيدا عن العواطف والرد عليه باسرع وقت ممكن،

الاقتباس

يجب التوقف عند هذا الكتاب والمعلومات التي وردت فيه وعدم الاكتفاء بدحض ما جاء فيه بصورة عاطفية، نعتقد انه من منطلق المسؤولية الوطنية يجب التعامل مع الكتاب بنظرة علمية وعملية والرد عليه باسرع وقت ممكن، لانه في المحصلة العامة يوجه اتهامات خطيرة للفلسطينيين حيث يقول ان الاف الفلسطينيين كانوا وما زالوا عملاء للحركة الصهيونية منذ بداية القرن العشرين، منهم سماسرة الارض وعملاء سريون، تجار اسلحة ومنفذو عمليات قتل مدفوعة الاجر ( مرتزقة)، سياسيون رفيعو المستوي، قرويون عاديون، قيادات عمالية ومحاربون واخرون، و

نقولها بصراحة متناهية: لا يكفي ان نقول بان الكتاب هو كتاب صهيوني لمؤلف مستشرق يحاول الطعن والتشهير والتجريح والاحراج، لا يكفي ان نعفي انفسنا من الرد عليه بالقول انه كتاب اخر هدفه خدمة الصهيونية وموبقاتها، علينا كابناء هذا الشعب ان نقاوم هذه الرواية الاسرائيلية ورد الصاع صاعين ولكن بنفس الطريقة التي تعامل بها المؤلف مع الكتاب، واذا تبين لنا ان عائلة فلان او عائلة علان قامت فعلا ببيع الاراضي وقدمت عائلة اخري خدمات مختلفة للحركة الصهيونية، علينا ان نتعامل معها وان نذبح البقر المقدس ، والا نتورع عن فضح هذه العائلات والقيادات.
انتهى

اعتراف ببيع الاراضي

الاقتباس

لان من باع حبة تراب من ارض فلسطين للحركة الصهيونية هو اخطر بكثير من العميل الذي يقدم المعلومات عن تحركات النشطاء الفلسطينيين تمهيدا لتصفيتهم، لان الارض التي بيعت لا يمكن استرجاعها،
انتهى

و من العجب ان الكاتب نقل اسماء العائلات الفلسطيينية
بعض اسماء العائلات العميلة للحركة الصهيونية وهي من كبار العائلات الفلسطيينية

Army of Shadows: Palestinian Collaboration with Zionism, 1917-1948
By Hillel Cohen
Translated by Haim Watzman
(University of California Press, 344
Apart from his portrayal of land speculators, informers and other marginal types, Cohen has written some fascinating chapters on prominent figures in the Arab community who were in contact with the Jewish Yishuv. Many of them came from the country’s most distinguished families: Nashashibi from Jerusalem, Arshid from Jenin, Tukan from Nablus, Abd al-Hadi from Araba, Fahoum from Nazareth and Shukeiry from Acre. They were joined by important sheikhs from Abu Ghosh, Malha, Beit Jubrin, Anabta and other villages around the country. Some cooperated with the Yishuv because they saw the Jews as intermediaries whose help could, and should, be sought in dealing with the British administration.

اما من يرد عاطفيا فنقول له انه ورد في الوثيقة العثمانية ان جد رئيس السلطة الفلسطيينة احد اولئك الخونة فكافائه الشعب الفلسطيني ان نصبوه رئيسا عليهم تقديرا لجهود جده الخيانية

فهيك شعب بدو هيك قيادة

====

ونختم باعتراف رسمي لبيع الاراضي لليهود

رئيس لجنة القدس في المجلس التشريعي ورئيس مؤسسة القدس الدولية في غزة الدكتور أحمد أبو حلبية الذي هدد بكشف الاسماء
نعم
اعتراف رسمي ببيع الاراضي الي اليهود مازال مستمر ا اما التغطية لهذه الجريمة بالقول انه من بيع عربي لعربي
و نضيف فهذا لا ينفي البيع لليهود لان السمسار الفلسطيني يشتريه من فلسطيني آخر ليبيعه الي اليهود والشركات الفلسطيينة تشتري من الفلسطيني لتبيعه لليهود

 

ألف شاب مصري يعيشون في إسرائيل

مارس 13, 2009

تقرير من تل أبيب: 30 ألف شاب مصري يعيشون في إسرائيل

صورة أرشيفية لمبان سكنية في مستوطنة إسرائيلية – أ ف ب
3/10/2009

رشا لطفي – خاص – 30 ألف شاب مصري يعيشون في إسرائيل ..هذا الرقم ليس هدفه الفرقعة الإعلامية بل هو رقم حقيقي كشفته الأرقام الواردة من تل أبيب والدراسات الصادرة من المراكز البحثية ومصلحة الهجرة.

الرقم المخيف يدق ناقوس خطر ويكشف عن شباب يائس فقد بوصلة الانتماء للوطن وارتمى في أحضان عدوه وظنوا أن الجنة مقرها إسرائيل.
 
كشفت دائرة الإحصاء المركزية في إسرائيل في تقريرها السنوي أن عدد العمال المصريين يمثل 13 في المائة من نسبة العمالة المدنية بالجيش الإسرائيلي، يليهم الأردنيون.

وأوضح التقرير الإسرائيلي الذي نشر في عدد من الصحف العبرية والفرنسية، أن عدد الشباب المصري الذي يعيش في إسرائيل يبلغ نحو 30 ألف شاب كما أن العمال الأجانب بـ”إسرائيل” تم استقدامهم من 100 دولة، وفي مقدمتها تايلاند التي يمثِل عدد عمالها 28 في المائة من إجمالي العمال، تليها الفلبين 20 في المائة والصين 10 في المائة.

وأشار إلى أن 300 عامل فقط تم استقدامهم من دول غربية في حدود 1 في المائة، وهم من الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وهناك 23 في المائة من العمال الأجانب غير القانونيين في “إسرائيل” تم استقدامهم من روسيا وأوكرانيا و13 في المائة من الأردن، والباقي من المكسيك والبرازيل وكولومبيا ومصر وتركيا والتشيك.

دفع الرقم النائب الإخواني صابر أبو الفتوح إلى التقدم بسؤال لرئيس مجلس الوزراء ووزيرة القوى العاملة، حول حقيقة هذا الأمر، وأسباب لجوء هؤلاء العمال للعمل في دولة “العدو”.

وأكد أبو الفتوح أن “سياسة الحكومة الفاشلة هي التي جعلت المصريين يفضلون الهروب حتى لو إلى الكيان الصهيوني حيث فرص العمل”،  مشيرًا إلى أن هذه العمالة “تشكل خطورة بالغة على الأمن القومي المصري، وتزيد فرص الجاسوسية لحساب الكيان الصهيوني”.

وذكر النائب أن التقرير أشار إلى أن الجيش الصهيوني يعتمد على العمالة المصرية بشكل قوي؛ لأنها تطيع الأوامر ولا تناقش، مضيفًا أن التقرير أوضح أن المصريين يحصلون على مبلغ 20 دولارًا يوميًّا، بالإضافة إلى وجبتين مجانًا.

كما أشار التقرير إلى أن هناك أكثر من عشرة آلاف مصري يعيشون داخل “إسرائيل” تزوجوا من “إسرائيليات” وأنجبوا أطفالاً، وأنهم يتوزعون في مدينتي بئر سبع وحيفا، ونسبة قليلة تقيم في تل أبيب.

وتساءل النائب “أبو الفتوح” عن الآلية التي خرجت بها هذه العمالة إلى خارج البلاد؟! وهل هناك اتفاقيات بين الحكومة المصرية والدولة العبرية في الاستفادة من العِمالة المصرية أم لا؟!

ولفت إلى أنه لو كانت الحكومة تعلم بذلك فتلك مصيبة، وإن كانت لا تعلم فتلك كارثة محققة”.

وكان تقرير آخر صادر من المخابرات العسكرية الإسرائيلية قد أوضح أن عدد المسلمين العاملين بالجيش “الإسرائيلي” زاد بنسبة 20 في المائة عن العام الماضي، وهؤلاء يحملون جنسيات لدول عربية ويعملون سائقين وناقلي بضائع حسبما قيل.

وأوضح عضو مجلس الشعب جمال زهران أن الكيان الصهيوني هدفه ضرب استقرار مصر وتحقيق الدمار في جميع الدول العربية والإسلامية ويحشد كل الإمكانات المادية لذلك، ويجند جميع الوسائل لتحقيق هذا الغرض الدنيء، ولهذا يقومون بإغراء من يهاجر إليهم من شباب مصر فيوفرون له المال والزوجة، حتى يفقد هويته الوطنية مقابل حفنة دولارات.

ويضيف: “الأمن القومي المصري في خطر وهذا هو الهدف الذي تسعى إسرائيل إلى تحقيقه عن طريق جذب الشباب وإغرائهم بالمال والجنس، ويجب على الشباب أن يعلموا أن الحرب ما زالت دائرة بيننا وبين العدو الصهيوني، حتى وإن كانت غير معلنة ولذلك لابد من منع الشباب المصري من الهجرة لإسرائيل بشتى الطرق ولو عن طريق اتخاذ قرار سريع بإصدار تشريع قانوني بإسقاط الجنسية المصرية عن هؤلاء الشباب، لأن القانون الحالي يمنح الأبناء جنسية آبائهم مما يعطيهم الحق في دخول الكليات العسكرية أو البرلمان وفي ظل حصولهم على الجنسية الإسرائيلية يصبح الأمر كارثة محققة، لأنهم سيكونون على علاقة بأمهاتهم الإسرائيليات وربما تغلبهم هذه العلاقة فيصبح ولاؤهم لإسرائيل، ولا يخفى على أحد خطورة الأمر في ظل هذا الوضع.

ويؤكد الدكتور خالد الصاوي استاذ علم النفس أن الشباب الذين يهاجرون إلى إسرائيل لا تزيد أعمارهم على 25 عاماً، ولم يشتركوا في الحروب التي خاضتها مصر لذا لم يشعروا بمعنى الوطنية الحقة ولا يفرقون بين الوجود في وطنهم مهما كانت حالتهم المادية داخله وبين الارتماء في أحضان إسرائيل.
 
ويري الخبير النفسي أن هجرة الشباب المصري إلى إسرائيل أصبحت ظاهرة خطيرة تنذر بكارثة محققة، وسوف ندفع نتيجتها إذا لم يتم وقف نزيف الهجرة إلى بلد يكن كل العداء للعرب والإسلام، ولمصر بصفة خاصة، وأن كان ما يفعله الشباب جريمة لا تغتفر تدل على عدم الانتماء للوطن.

وأشار إلى أنه من المطالبين بإسقاط الجنسية المصرية عن هؤلاء الشباب، لكن قبل ذلك نحاول أن نعيدهم إلى أرض الوطن فإذا لم يستجيبوا على الجهات المسؤولة إصدار قانون فوري بإسقاط الجنسية المصرية عنهم، لأنهم في هذه الحالة يخونون دينهم ووطنهم.

وقال إن إحساس الشباب بعدم الأمان المادي ليس مبرراً لهذا التصرف، والسبب الحقيقي يكمن في نفوسهم وعدم تربيتهم على الانتماء لبلدهم أو حب وطنهم مهما كانت ظروفه، ولعل تجاهل الإعلام لغرس هذه الصفات في نفوس الأجيال الجديدة أهم أسباب المشكلة.

أقرأ أيضاً:
تقرير: تراجع الطلب على العمالة المصرية محلياً وخارجياً في سبتمبر 2008

 رشا لطفي – خاص – 30 ألف شاب مصري يعيشون في إسرائيل ..هذا الرقم ليس هدفه الفرقعة الإعلامية بل هو رقم حقيقي كشفته الأرقام الواردة من تل أبيب والدراسات الصادرة من المراكز البحثية ومصلحة الهجرة. الرقم المخيف يدق ناقوس خطر ويكشف عن شباب يائس فقد بوصلة الانتماء للوطن وارتمى في أحضان عدوه وظنوا أن الجنة مقرها إسرائيل. كشفت دائرة الإحصاء المركزية في إسرائيل في تقريرها السنوي أن عدد العمال المصريين يمثل 13 في المائة من نسبة العمالة المدنية بالجيش الإسرائيلي، يليهم الأردنيون. وأوضح التقرير الإسرائيلي الذي نشر في عدد من الصحف العبرية والفرنسية، أن عدد الشباب المصري الذي يعيش في إسرائيل يبلغ نحو 30 ألف شاب كما أن العمال الأجانب بـ”إسرائيل” تم استقدامهم من 100 دولة، وفي مقدمتها تايلاند التي يمثِل عدد عمالها 28 في المائة من إجمالي العمال، تليها الفلبين 20 في المائة والصين 10 في المائة. وأشار إلى أن 300 عامل فقط تم استقدامهم من دول غربية في حدود 1 في المائة، وهم من الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وهناك 23 في المائة من العمال الأجانب غير القانونيين في “إسرائيل” تم استقدامهم من روسيا وأوكرانيا و13 في المائة من الأردن، والباقي من المكسيك والبرازيل وكولومبيا ومصر وتركيا والتشيك. دفع الرقم النائب الإخواني صابر أبو الفتوح إلى التقدم بسؤال لرئيس مجلس الوزراء ووزيرة القوى العاملة، حول حقيقة هذا الأمر، وأسباب لجوء هؤلاء العمال للعمل في دولة “العدو”. وأكد أبو الفتوح أن “سياسة الحكومة الفاشلة هي التي جعلت المصريين يفضلون الهروب حتى لو إلى الكيان الصهيوني حيث فرص العمل”، مشيرًا إلى أن هذه العمالة “تشكل خطورة بالغة على الأمن القومي المصري، وتزيد فرص الجاسوسية لحساب الكيان الصهيوني”. وذكر النائب أن التقرير أشار إلى أن الجيش الصهيوني يعتمد على العِمالة المصرية بشكل قوي؛ لأنها تطيع الأوامر ولا تناقش، مضيفًا أن التقرير أوضح أن المصريين يحصلون على مبلغ 20 دولارًا يوميًّا، بالإضافة إلى وجبتين مجانًا. كما أشار التقرير إلى أن هناك أكثر من عشرة آلاف مصري يعيشون داخل “إسرائيل” تزوجوا من “إسرائيليات” وأنجبوا أطفالاً، وأنهم يتوزعون في مدينتي بئر سبع وحيفا، ونسبة قليلة تقيم في تل أبيب. وتساءل النائب “أبو الفتوح” عن الآلية التي خرجت بها هذه العِمالة إلى خارج البلاد؟! وهل هناك اتفاقيات بين الحكومة المصرية والدولة العبرية في الاستفادة من العِمالة المصرية أم لا؟! ولفت إلى أنه لو كانت الحكومة تعلم بذلك فتلك مصيبة، وإن كانت لا تعلم فتلك كارثة محققة”. وكان تقرير آخر صادر من المخابرات العسكرية الإسرائيلية قد أوضح أن عدد المسلمين العاملين بالجيش “الإسرائيلي” زاد بنسبة 20 في المائة عن العام الماضي، وهؤلاء يحملون جنسيات لدول عربية ويعملون سائقين وناقلي بضائع حسبما قيل. وأوضح عضو مجلس الشعب جمال زهران أن الكيان الصهيوني هدفه ضرب استقرار مصر وتحقيق الدمار في جميع الدول العربية والإسلامية ويحشد كل الإمكانات المادية لذلك، ويجند جميع الوسائل لتحقيق هذا الغرض الدنيء، ولهذا يقومون بإغراء من يهاجر إليهم من شباب مصر فيوفرون له المال والزوجة، حتى يفقد هويته الوطنية مقابل حفنة دولارات. ويضيف: “الأمن القومي المصري في خطر وهذا هو الهدف الذي تسعى إسرائيل إلى تحقيقه عن طريق جذب الشباب وإغرائهم بالمال والجنس، ويجب على الشباب أن يعلموا أن الحرب ما زالت دائرة بيننا وبين العدو الصهيوني، حتى وإن كانت غير معلنة ولذلك لابد من منع الشباب المصري من الهجرة لإسرائيل بشتى الطرق ولو عن طريق اتخاذ قرار سريع بإصدار تشريع قانوني بإسقاط الجنسية المصرية عن هؤلاء الشباب، لأن القانون الحالي يمنح الأبناء جنسية آبائهم مما يعطيهم الحق في دخول الكليات العسكرية أو البرلمان وفي ظل حصولهم على الجنسية الإسرائيلية يصبح الأمر كارثة محققة، لأنهم سيكونون على علاقة بأمهاتهم الإسرائيليات وربما تغلبهم هذه العلاقة فيصبح ولاؤهم لإسرائيل، ولا يخفى على أحد خطورة الأمر في ظل هذا الوضع. ويؤكد الدكتور خالد الصاوي استاذ علم النفس أن الشباب الذين يهاجرون إلى إسرائيل لا تزيد أعمارهم على 25 عاماً، ولم يشتركوا في الحروب التي خاضتها مصر لذا لم يشعروا بمعنى الوطنية الحقة ولا يفرقون بين الوجود في وطنهم مهما كانت حالتهم المادية داخله وبين الارتماء في أحضان إسرائيل. ويري الخبير النفسي أن هجرة الشباب المصري إلى إسرائيل أصبحت ظاهرة خطيرة تنذر بكارثة محققة، وسوف ندفع نتيجتها إذا لم يتم وقف نزيف الهجرة إلى بلد يكن كل العداء للعرب والإسلام، ولمصر بصفة خاصة، وأن كان ما يفعله الشباب جريمة لا تغتفر تدل على عدم الانتماء للوطن. وأشار إلى أنه من المطالبين بإسقاط الجنسية المصرية عن هؤلاء الشباب، لكن قبل ذلك نحاول أن نعيدهم إلى أرض الوطن فإذا لم يستجيبوا على الجهات المسؤولة إصدار قانون فوري بإسقاط الجنسية المصرية عنهم، لأنهم في هذه الحالة يخونون دينهم ووطنهم. وقال إن إحساس الشباب بعدم الأمان المادي ليس مبرراً لهذا التصرف، والسبب الحقيقي يكمن في نفوسهم وعدم تربيتهم على الانتماء لبلدهم أو حب وطنهم مهما كانت ظروفه، ولعل تجاهل الإعلام لغرس هذه الصفات في نفوس الأجيال الجديدة أهم أسباب المشكلة.
 

مواطنون ليبيا و السودان يطلبون اللجوء الي اسرائيل

مارس 13, 2009

طريق الآلام .. من دارفور إلى إسرائيل

يسلكه الآلاف من السودانيين والأفارقة في رحلة شبه يومية إلى الدولة العبرية.. بعضهم يقضي جوعا .. وعطشا .. وبالرصاص

 
لاجئ أفريقي يحمل لافتة كتب عليها «اليهود كانوا هم ايضا لاجئين» خلال مظاهرة أخيرا في القدس للمطالبة بحقوقهم في العيش كلاجئين (أ.ف.ب) 
 
تل أبيب: نظير مجلي
درب الحرير الأسطوري في آسيا.. درب الأربعين، بين مصر والسودان، كانا الأشهر في الماضي، عندما كان المسافرون يقضون اياما ولياليَّ، في طرق ترابية طويلة، للوصول الى هدفهم سواء كان تجاريا او غيره.. يقضون في الطريق.. او يصلون الى جهتهم. لكن في بداية القرن الواحد والعشرين الحالي، أضيف لهما طريق ثالث، وهو «طريق الآلام» الذي يربط مدنا افريقية عديدة بإسرائيل. يأتون من دارفور بالسودان، وإريتريا، وإثيوبيا، وتشاد، وساحل العاج، وغانا، ورواندا، همهم الأول الوصول الى اسرائيل وبأي ثمن، حتى ولو كان فقدان الحياة، جوعا او عطشا او بالرصاص. يتدفقون يوميا، وبالمئات، فيقعون بين نارين.. فالواصل منهم الى مقصده يصارع من اجل العيش في مكان لا يعترف بوجوده كلاجئ، اما الآخرون فيقعون فريسة للاعتقال.. او الموت.. بأشكال مختلفة.
فالقصة يبدو طويلة وذات تفاصيل متشعبة. سلوى وسماح طفلتان سودانيتان شقيقتان، الأولى عمرها عشر سنوات والثانية ثلاث عشرة سنة، تشكلان عائلة. عائلة صغيرة وتعيسة، لكن نسيج العائلة الواحدة يربط بينهما بقوة ظاهرة. عندما تكلمانك تلتصقان ببعضهما بعضا كتوأمين سياميين، كأنهما تدافعان عن نفسيهما في مواجهتك، أيا كان هدفك ونواياك. فالخوف يهز الجسدين الغضين، والشكوك تسيطر على العيون البريئة، وأول ما تريدانه منك هو أن تطمئنهما بأنك لن تأخذهما الى تشرد آخر ولجوء آخر أو أي مستقبل مجهول لحياتيهما.

تعيشان اليوم في ملجأ خاص باللاجئين الأفارقة من النساء والأطفال، أقيم منذ عدة شهور في مدينة الكرمل، التي تطل على حيفا والبحر الأبيض المتوسط. تحملان بطاقتي إقامة مؤقتة في اسرائيل، لا تعرفان قراءة أي حرف من حروفهما باللغة العبرية. والدهما يعيش في السودان. والدتهما ومعها شقيقان آخران لهما، أحدهما رضيع والثاني في الثانية من العمر، موجودون في مكان ما من مصر لا تعرفانه. قد يكونون في الصحراء وقد يكونون في السجن. كل ما تعرفانه انهما كانتا تسيران في الصحراء وأمهما تسير وراءهما مع الشقيقين الطفلين. المرشد المصري أوصلهم الى الحدود مع اسرائيل وبقي عليهم فقط تجاوز بضعة أمتار، فداهمتهم قوة من الشرطة المصرية في سيناء. سلوى وسماح هربتا الى الأمام، من دون الالتفات الى الوراء وتجاوزتا الحدود الى الدولة العبرية.

فرحت سماح وتلفتت الى الوراء، فلم تجد والدتها وشقيقيها. شاهدت فقط سيارة شرطة مصرية. وخلال حيرتها، حضرت قوة من الجيش الاسرائيلي وألقت القبض عليها وعلى شقيقتها وبقية المتسللين معهما، ونقلتهم الى المعتقل في بئر السبع. ومن هناك سارتا في طريق طويل مرير حتى وصلتا الى هذا الملجأ في مدينة الكرمل، حيث عرفتا الدفء والحنان أول مرة منذ شهور.

هذا الملجأ هو واحد من عدة بيوت تؤوي النساء والأطفال الذين باتوا من دون رب عائلة من اللاجئين الأفارقة في اسرائيل، تديرها مؤسسات اسرائيلية وأجنبية معروفة بنشاطاتها لأجل حقوق الانسان، وتضم المئات من الناشطين اليهود والعرب (فلسطينيي 1948) والأجانب، ومعظمهم متطوعون لهذه الخدمة الانسانية.

لكن أحدا منهم لا يعيش باطمئنان ازاء مستقبله، لأنهم جميعا يعرفون أن اليوم الذي سيطردون فيه من هنا آت لا محالة. فالحكومة الاسرائيلية ستعمل كل ما في وسعها لترحيلهم والتخلص منهم في أقرب وقت ممكن. مأساة تمزق عائلة هاتين الطفلتين على هذا النحو، هي واحدة فقط من المآسي التي تصيب اللاجئين الأفارقة الهاربين الى اسرائيل. وقد تكون هذه العائلة محظوظة بشيء واحد، هو ان الوالد الذي ما زال في السودان، تمكن من الاتصال بالطفلتين والاطمئنان عليهما، ويسعى للبحث عن زوجته وطفليه الآخرين. لكن غالبية العائلات الأخرى الممزقة تعاني من قطيعة تامة بين كل شق فيها. وعائلات كثيرة فقدت واحدا أو أكثر من أفرادها على «طريق الآلام»، الذي تمر به منذ مغادرة الوطن وحتى الوصول الى اسرائيل. فهناك من قضى جوعا وعطشا، وهناك من قتل برصاص القوات المصرية، وهناك من طاله الموت بسبب تصرفات المهربين أو اهمالهم. سعيد دريج، أحد أوائل الذين وصلوا الى اسرائيل من دارفور، ويعمل اليوم متطوعا بنصف وظيفة في إحدى الجمعيات التي تهتم باللاجئين الأفارقة في اسرائيل، يلخص حالتهم بالقول: «نحن لم نعد نعرف من هو الصديق ومن هو العدو في صراعنا. الصراع فرض علينا من الأصل. نحن مواطنون آمنون كنا نعيش من أجل قوتنا لا أكثر، لكن الصراعات في بلادنا أغرقتنا. في البداية كان الصراع بين الحكومة والمتمردين، ثم جاءنا صراع اضافي بين الميليشيات والناس، ثم صراع داخلي بين مختلف العناصر في دارفور نفسها، ثم الابادة الجماعية، ثم الصراعات الاقليمية والدولية على حسابنا أو من أجل مصلحتنا، لا نعرف. وصلنا الى اسرائيل من دون أي أمل في أن تحل مشكلتنا، واسرائيل لا تستطيع ان تحل مشكلتنا ولا تريد أن تحلها، وكل لقمة خبز نحصلها هنا تكون نتاجا لكفاح مرير. ونتوقع أن يطردونا في اية لحظة من هنا، حتى نحن أبناء دارفور».

وسألناه عن التطور الذي حصل أخيرا، إذ أعلن عن فتح مكتب لـ«الحركة الشعبية لتحرير السودان» في تل أبيب، وإن كان هذا مؤشرا على تحسين أوضاعهم، فأجاب: لا يوجد شيء من هذا. ولا أدري إذا كان مثل هذا الاقتراح جديا. فأنا أعتقد أن اسرائيل تريد أن تتخلص منا لا أن تؤسس وجودنا فيها. وأضاف: «أنا لا أنكر أن هناك أناسا كثيرين في اسرائيل جيدون وانسانيون ويقدمون لنا مساعدات كثيرة وهناك عائلات بأكملها تتجند لمساعدتنا وتغمرنا بالود والحنان والكرم، ولكن السلطات الاسرائيلية ليست كذلك. فقط من جرب هجوما من شرطة الهجرة علينا يستطيع ان يدرك مدى الكراهية لنا في صفوف القيادات الاسرائيلية. نحن لسنا مطمئنين هنا الى أي شيء».

يقدر عدد اللاجئين الأفارقة في اسرائيل بين 6000 و7000 لاجئ حاليا، غالبيتهم من الرجال الشباب في عمر 20 – 30 عاما، ويوجد بينهم أيضا نساء وأطفال. وفي الشهور الأخيرة زاد عدد الأطفال والنساء، لأن عائلات باكملها أصبحت تتسلل الى اسرائيل. ولكن المسؤولين في الجمعيات الاسرائيلية لا يوافقون على الأرقام التي نشرت أخيرا، والتي تقدر عددهم بأكثر 11000 لاجئ. ولكن وزارة الداخلية الاسرائيلية تقدر بأن يزيد عددهم عن هذا الرقم حتى نهاية السنة ليقارب العشرين ألفا، «إذا لم تتخذ الحكومة موقفا حازما في محاربة هذه الظاهرة الخطيرة»، حسبما يقول يعقوب جنوت، مدير دائرة السكان في الوزارة. ويكشف جنوت عن ان عدد المهاجرين الأفارقة الى اسرائيل في سنة 2007 بلغ 5231 شخصا، وان وتيرة قدومهم الى اسرائيل في تصاعد مذهل، حيث انه في شهر يناير (كانون الثاني) وحده بلغ العدد 1000، وفي الأسبوع الأول من شهر فبراير (شباط) المنصرم وصل الى 500. وبحسب هذه الوتيرة، فإن عدد المهاجرين الأفارقة الذين سيصلون الى اسرائيل هذه السنة سيتجاوز 12 ألفا. عدد السودانيين من بين هؤلاء، حسب تقرير لوكالة غوث اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، وفقا لاحصاءات الشهر الماضي، يبلغ حوالي 2700، فيما يوجد 2200 من إريتريا، هم بالأساس أولئك الهاربون من الخدمة العسكرية الاجبارية، التي تفرض عليهم «من دون تحديد الفترة الزمنية ومن دون اجازات»، كما يقول أحد اللاجئين. وأما الباقون فهم من إثيوبيا وساحل العاج وتشاد ورواندي وغيرها. واللافت للنظر انه في هذه السنة وصل في اطار التسلل الى اسرائيل من سيناء المصرية عدد من المواطنين الليبيين واللبنانيين أيضا. والسودانيون هم ليسوا من دارفور فقط، حيث هناك أناس هاربون من جنوب السودان، وهناك سودانيون هاربون من سنين طويلة في مصر وهربوا نتيجة الاضطهاد، كما يدعون. وعدد اللاجئين القادمين من دارفور لا يزيد عن 650 شخصا. المحامية عنات بن دور، واحدة من هؤلاء الذين يعالجون الجانب القانوني لقضية اللاجئين الأفارقة في اسرائيل، تستعيد تاريخ هذا اللجوء وقصته، فتقول لـ«الشرق الأوسط»: «موجة اللجوء الى اسرائيل بدأت مع انفجار قضية دارفور في السودان. لا أحد يعرف كيف أصبحت اسرائيل هدفا لهذا اللجوء ولماذا. لكننا بدأنا نسمع عن تسلل أفراد بأعداد قليلة في البداية، فيما الغالبية الساحقة منهم لجأوا الى بلدان أخرى، مثل مصر وليبيا وتشاد وغيرها. وفي اللقاءات مع العديد منهم سمعنا انهم هربوا الى اسرائيل لأن المصريين لا يعاملونهم بشكل انساني وشكوا من تعامل عنصري بسبب لون بشرتهم. وهناك من يرى سببا موضوعيا لرفض المصريين استيعابهم، لأن عدد السودانيين اللاجئين في مصر تجاوز ثلاثة ملايين».

وتضيف ان السياسة الاسرائيلية تجاه اللاجئين السودانيين وغيرهم مركبة وتتغير من آن لآخر. ولكن جوهر هذه السياسة يتلخص في توجه أساسي للتخلص منهم في أقرب وقت ممكن. بيد ان هذه السياسة تواجه بمعارضة شديدة في اسرائيل من طرف جمعيات حقوق الانسان.

والحقيقة ان المعارضة لا تقتصر على جمعيات وحركات حقوق الانسان. فقد تجندت كليات العمل الاجتماعي في أربع جامعات اسرائيلية، هي جامعة القدس وجامعة بئر السبع وجامعة تل أبيب والجامعة المفتوحة، للموضوع. وفي جامعة بئر السبع تمنح نقطتان أكاديميتان لكل طالب يتطوع لمعالجة المشاكل الاجتماعية التي تعاني منها العائلات الأفريقية. وفي الجامعات الأخرى يتم تشجيع الطلاب على معالجة مشاكل هذه العائلات واستخدام العلاج كمادة أكاديمية معترف بها في الوظائف الدراسية. كما تجند 63 نائبا، من مجموع 120 نائبا في البرلمان الاسرائيلي لمناصرة قضية دارفور والمطالبة بالاعتراف بهم لاجئين ومنحهم حق اللجوء السياسي. وبالمقابل تجندت عدة منظمات يهودية في الولايات المتحدة لنصرة هؤلاء اللاجئين. وانتقد بعض قادة تلك المنظمات السياسة الاسرائيلية بهذا الشأن، واعتبرها البعض «سياسة خالية من الذكاء ومن الحسابات السياسية السليمة». واعتبرها البعض الآخر «مجردة من المشاعر الانسانية».

يقول البروفسور يائير أورون، رئيس كلية العمل الاجتماعي في الجامعة المفتوحة في اسرائيل، الذي يقيم علاقات وطيدة مع اليهود الأميركيين النشيطين في هذا المجال: «نحن اليهود شعب عاش التشرد والظلم في التاريخ، ويخجلني كيف تتعامل حكومتنا مع هذا الموضوع. هناك اهمال لموضوع ضحايا دارفور يذكرني بالإهمال الذي ساد العالم في فترة محاولة النازية ابادة اليهود». الأفارقة في اسرائيل موزعون على عدة جهات: حوالي 1600 معتقل في السجون، أو في معسكرات اعتقال أقامتها مصلحة السجون الاسرائيلية خصيصا لهم. وهناك حوالي 200 امرأة وطفل يعيشون في ملاجئ منتشرة في شتى أنحاء البلاد. والباقون منتشرون في مدينتين اسرائيليتين بالأساس هما تل أبيب وايلات.

المعتقلون يقبعون في خيامهم وزنازينهم تحت بند «أناس ينتظرون الطرد خارج البلاد»، كونهم مسجلين متجاوزي حدود دخلوا اسرائيل من دون تأشيرة رسمية. وقضية الطرد هذه ليست سهلة. فمن يمكن طرده هو من يصل الى الحدود ويضبط عليها، فتتم اعادته من حيث أتى. ولكن المصريين لا يتحمسون لاستقبال هؤلاء اللاجئين العائدين. وحسب مزاعم اسرائيلية، فإن اسرائيل كانت قد أعادت حوالي 50 أفريقيا الى سيناء بالتنسيق مع السلطات المصرية، ولكن أيا من ذوي هؤلاء لا يعرف مصير قريبه، مما جعل العديد من منظمات حقوق الانسان في اسرائيل والعالم الغربي يتهمون مصر “«إخفائهم في غياهب السجون أو القبور». وعليه فإن وضعهم في السجن ليس حلا، وستضطر اسرائيل في مرحلة لاحقة الى توطينهم في أراضيها، إذا لم تكن هناك امكانية واضحة وراسخة وآمنة لاعادتهم الى أوطانهم أو ترحيلهم الى دولة أخرى مستعدة لاستيعابهم.

أما الباقون فقد حصلوا على اقامات مؤقتة، يستطيعون استخدامها للعمل والعيش مما يربحونه بعرق الجبين. بعضهم يشكون من ظروف استغلال بشعة، ولكن معظمهم مرتاحون ولا يمانعون في استمرار العيش في اسرائيل حتى في ظل هذه الظروف. أما النساء والأطفال فإنهم يعيشون في الملاجئ بعيدا عن مطاردات الشرطة المدنية أو شرطة الهجرة، ولكنهم يعرفون انهم سيضطرون الى المغادرة في يوم من الأيام ليس بعيدا. وفي الوقت الحاضر يتم تشغيل النساء في أشغال تسلية وترفيه، فيما يرسل الأطفال الى المدارس العربية في المنطقة.

وتسعى منظمات حقوق الانسان الاسرائيلية، بالتعاون مع وكالة غوث اللاجئين، مجابهة محاولات الحكومة الاسرائيلية طردهم الى دولة ثالثة وابقاءهم في اسرائيل الى حين تحل الأزمات وتتوقف الحروب في بلادهم. وبالاضافة الى تجنيد القوى الجماهيرية ويهود الولايات المتحدة ومنظمات حقوق انسان دولية، يتوجهون الى المحكمة العليا الاسرائيلية لتأمر الحكومة بوقف مخططها الترحيلي. والمحكمة سبق أن تدخلت في موضوع دارفور. والحكومة أبلغتها بأنها مستعدة للاعتراف باللاجئين من دارفور، ولكنها غير مستعدة لقبول الباقين.

وحسب المدعي العام، فإن قبول هؤلاء اللاجئين سوف يسجل كسابقة قانونية تتيح استقبال عشرات ألوف اللاجئين. ويفسر المدعي العام هذا الموقف بالقول ان اسرائيل لا تستطيع أن تتحول الى ملجأ لكل من يعاني من الاضطهاد في أفريقيا، وذلك لأسباب عديدة، أهمها الأمن، حيث انها «تخشى من قيام منظمات ارهابية بزرع جواسيس وارهابيين بينهم». وأضاف ان هنالك سببا ديموغرافيا (سكانيا) أيضا، حيث ان «اسرائيل تريد أن تحافظ على طابعها كدولة يهودية، وهي ترفض عودة اللاجئين الفلسطينيين الى تخومها لهذا السبب، فكيف تقبل لاجئين آخرين وكيف تفسر مثل هذا القبول أمام المجتمع الدولي».

ويزداد موقف الحكومة الاسرائيلية تشددا، مع تصاعد وتيرة التدفق اليها، حيث ان الشهور الأخيرة تشهد قدوم 700 لاجئ افريقي في الشهر الى اسرائيل، عبر سيناء المصرية. ويتخوف الاسرائيليون من هذا التدفق، لمعرفتهم أن هناك حوالي 3 ملايين سوداني في مصر وحدها، وهؤلاء يشكلون احتياطيا لاستمرار الهجرة وزيادتها.

ويتضح ان النقل الى اسرائيل أصبح تجارة رابحة لدى مجموعات كبيرة من العاملين في التهريب، الذين يقيمون شركات خاصة بهذا الموضوع ويقومون بتفعيل بدو سيناء لمرافقة الوفود من بلدة العريش (آخر محطة يصل اليها اللاجئون قبل بدء الرحلة الى اسرائيل) وحتى الحدود. وسعر هذه الرحلة يحدد حسب المسافة أو حسب الظروف. فمن يريد الوصول من السودان الى اسرائيل مباشرة عليه أن يدبر مبلغ 2000 دولار أميركي. ولكن من يصل بقواه الذاتية الى العريش يدفع 500 دولار. وهناك تخفيضات للعائلات. ومن ينظم الرحلة مع سكان سيناء البدو من دون وساطة الشركات، يدفع مبلغا بين 300 – 350 دولارا.

وتقدم الشركة للاجئين واسطة النقل والرجل المرشد. ووظيفة المرشد هي أن يتحايل على قوات حرس الحدود المصرية المنتشرة في سيناء، ويسير حتى الحدود مع اسرائيل في طرق ملتوية. وتتغير مسارات هذه الطرق يوميا. ويدير المرشدون البدو ألاعيب أمام هذه القوات، كلعبة القط والفأر. وتشير النتائج الى ان المرشدين هم المتفوقون حتى الآن. وعند عبور الحدود الى اسرائيل كانت هناك مجموعات استقبال من بدو النقب (فلسطينيي 1948)، تنقلهم من المناطق الحدودية الى المدن الجنوبية والوسطى، خصوصا بئر السبع وايلات وتل أبيب. لكن الشركة المصرية تنازلت عن خدمات تلك المجموعات، حيث ان اسرائيل لم تعد تستطع اعادة اللاجئين الى مصر. وأصبح اللاجئون يصلون الى الحدود وينتظرون قوات الجيش أو حرس الحدود الاسرائيلي. فتحضر هذه وتنقلهم الى محطة شرطة بئر السبع، حيث يتم اعتقال الرجال الشباب ويتم قذف النساء والأطفال الى السوق، حيث تتقاذفهم رياح الظروف. فهناك من يكون نصيبها لقاء مندوبي الجمعيات فيحملونها الى الملاجئ، وهناك من تحظى بعائلة مساندة تتبناها وأولادها أو تتبنى أحد أولادها، وهناك من يكون مصيرها استمرار التشرد.

مثقفون عرب هربوا إلى إسرائيل

مارس 13, 2009

مثقفون عرب هربوا إلى إسرائيل

حفيد الثائر عبد القادر الجزائري يعيش في “كيبوتس” ويشيد بالاستيطان

 
 
القدس: أسامة العيسة

صحافيون، روائيون، شعراء، من سلالات شعبية أو بورجوازية وأحياناً عروبية ثائرة، هربوا إلى إسرائيل منذ قيامها إلى اليوم، لأسباب بقيت في غالبيتها مجهولة وغامضة. الدولة العبرية قدمت قراءتها وتعليلاتها لما حدث ويحدث، لكن العرب نادرا ما كشفوا عن خفايا ابنائهم الذين فضلوا العدو على الوطن، ومنهم، من بذل جهداً مجنوناً كي لا يعاد إلى بلاده، وهنا غيض من فيض، حكايات هرب المثقفين العرب باتجاه إسرائيل، التي يشتم منها، في الأحيان روائح جاسوسية، وفي أحيان أخرى دلالات تقزز وتذمر من راهن أليم.

في ستينات القرن الماضي، كان وجيه غالي طالبا في كلية الطب في القاهرة، منتميا إلى جماعية يسارية، ومرتبطا بعلاقة حب عنيفة مع يهودية مصرية ماركسية، ولم تكن بدايات هذا الطالب والكاتب والناشط اليساري المنتمي لعائلة أرستقراطية تنبيء عن نهايته الدرامية فيما بعد.

وفي كتابه “من الأرشيف السري للثقافة المصرية”، الذي صدر عن “دار الطليعة” في بيروت عام 1975، خصص الناقد المصري غالي شكري بضعة سطور عن وجيه غالي.

أول مصري شجاع يزور إسرائيل

* يقول شكري عن غالي بأنه “كان ينتمي إلى إحدى الحركات اليسارية، ولكنه استطاع الهرب، إلى لندن. وهناك تلقفته إحدى (الجهات) وكانت تعرف ميوله الصحافية وموهبته الأدبية، واستطاعت أن تغريه بالسفر إلى إسرائيل، وعاد ليكتب مجموعة من التحقيقات المثيرة لجريدة (الصاندي تايمز) إلى جانب إسرائيل، وزيادة في التكريم والغواية نشرت له رواية في سلسلة “بنجوين” عن التعذيب في سجون مصر، وما زالت الرواية في المكتبات وعلى ظهر غلافها تعريف بوجيه غالي يقول انه أول مصري شجاع يزور إسرائيل ويكتب عنها بحرية كاملة”. ويضيف شكري الذي وضع كتابه حين كان الذهاب إلى إسرائيل من المحرمات العربية “ولكن هذا الرائد الشجاع، وجد منذ عامين منتحرا في إحدى غرف البنسيون الذي يقيم به في لندن، وترك رسالة بخط يده اعترف فيها بخطيئة العمر، أشارت إليها الصحف الإنجليزية بصورة عابرة لان البوليس احتفظ بها، فلم تكن موجهة إلى احد بالذات”.

غالي الذي كتب وانتحر

* وقبل عامين تذكر العرب غالي، وأنجزت كاتبتان من مصر ترجمة لروايته الوحيدة التي تحدث عنها غالي (بيرة في نادي البلياردو) والتي صدرت بالإنجليزية عام 1964، وهي اقرب إلى السيرة الذاتية عن ابن إحدى الأسر الأرستقراطية المصرية، يتحدث الفرنسية في البيت والإنجليزية في المدرسة، يسافر رفقة حبيبته اليهودية الماركسية إلى لندن، وتؤدي خيارات الراوي به إلى طريق مسدود انتهى في الواقع بانتحار غالي عام 1969 في لندن، وبعد انتحاره أصدرت المحررة الأدبية ديانا اثيل كتابا عن تجربتها معه بعنوان (بعد جنازة).

وفي حين يظهر اسم غالي، بين وقت وآخر، في دراسات عربية، كأحد الأسماء الأدبية العربية التي كتبت بالإنجليزية، فإن اسمه يتردد في إسرائيل، محاطا بكثير من الغموض، حول خيارات كاتب زار إسرائيل وأعجب بها، وكتب عنها، ثم انتحر، مع مزيد من الأسئلة: هل كان غالي مجرد صاحب وجهة نظر تجاه إسرائيل أم انه كانت له ارتباطات مع أجهزة أمنية إسرائيلية؟ أو أجهزة أخرى أو ما أطلق عليها غالي شكري “الجهات”.

هل كان معارضا للنظام الناصري، إلى درجة الذهاب إلى دولة العدو والكتابة عنها بحماس؟ أم انه كان مجرد ترس في آلة يحركها أعداء بلده الأصلي؟، وهي أسئلة وان كان لدى إسرائيل إجابة عنها لم تعلن، فانه يتعين على المهتمين بمسارات الثقافة العربية البحث عن إجاباتهم لا انتظار الرأي الإسرائيلي في هذا الموضوع.

حفيد عبد القادر الجزائري في كيبوتس

* وغالي اسم من أسماء عربية كثيرة تنشر الصحف العبرية، بين فترة وأخرى، قصصا صحافية عنهم وتقدم أبطالها، على أنهم من المثقفين العرب أو تجري مقابلات مع بعضهم يعيشون في إسرائيل وتقدمهم ككتاب، أو صحافيين، أو إعلاميين.

وكل قصة تنشر تضاف إلى ما يمكن تسميته ملف “المثقفون العرب وإسرائيل”، وهو ملف كتبت صفحاته الأولى منذ سنوات طويلة، وربما بعضه يعود قبل تأسيس دولة إسرائيل نفسها عام 1948.

وبالإضافة إلى غالي، فإن هناك أسماء لمثقفين يعيشون في إسرائيل تثير قصصهم كثيرا من الصدمة خصوصا للقارىء العربي، فحفيد الأمير عبد القادر الجزائري، مثلا اختار العيش في كيبوتس في إسرائيل، تعبيرا عن إعجابه بالحياة التعاونية ـ الاشتراكية في هذا النوع من التجمعات الاستيطانية.

وأعلن عن ذلك للمرة الأولى عام 1994، ورغم أن حفيد احد أبطال الثورة الجزائرية، يرفض الحديث للصحافة، إلا انه يخرج عن صمته، أحيانا ليشيد بتجربة إسرائيل، ويؤكد التزامه اليساري الاشتراكي.

نبيه سرحان صار يهودياً

* ولعل اشهر المثقفين العرب الذين يعيشون في إسرائيل هو نبيه سرحان (له أسماء أخرى متعددة) وهو شاعر شعبي مصري، ينتمي لنفس قرية الكاتب المصري الشهير يوسف إدريس، اخذ يدعو للتطبيع مع إسرائيل بعد هزيمة حزيران (يونيو) 1967، وتعرض للاعتقال لعدة اشهر في مصر، سافر بعدها إلى ليبيا ومن هناك إلى اليونان، حيث اتصل بالسفارة الإسرائيلية، طالبا اللجوء السياسي، ليدخل إلى إسرائيل ويعيش فيها بصفته يهوديا ليبيا، كلما طلبت منه السلطات الإسرائيلية ان يعرف بنفسه.

وذهبت مع سرحان، إلى إسرائيل، زوجته المصرية، ولم يكن حتى أولاده يعرفون بحقيقة هويته العربية السابقة، وإحدى بناته أصبحت مغنية مشهورة في إسرائيل باسم (حياة سمير)، ولم تعرف بخلفية والدها العربية إلا قبل سنوات قليلة.

مصري في راديو إسرائيل

* وعمل ضمن الخدمة العربية في (راديو إسرائيل) التي كانت تشرف عليه المخابرات الإسرائيلية، وقدم سرحان برنامجا موجها أسمى نفسه فيه (ابن الريف)، يستهدف المصريين، قدمه سرحان بلهجة مصرية، وكان يفتتحه بعبارة شهيرة هي (يا أولاد مصر الطيبين).

وبعد نحو عشر سنوات من وجوده في إسرائيل، ظهر سرحان في مطار بن غوريون، بصفته مذيعا في راديو إسرائيل، ليغطي وصول الرئيس المصري السابق محمد أنور السادات إلى تل أبيب، في زيارته التاريخية، وحسب ما روى سرحان فيما بعد فان السادات الذي كان يعرفه سابقا فوجئ بوجوده وقال له “افتكرناك في ليبيا، وها أنت تسبقنا إلى إسرائيل”. ونشرت الصحف الإسرائيلية آنذاك تقارير عن “المصري الذي يعيش بيننا” بعد أن كشفت هوية سرحان العربية.

سرحان عميل أم صديق

* وقبل سنوات اختار سرحان أن يسكن في بيت يقع بين مستوطنة (جيلو) المقامة على أراضي مدينة بيت جالا الفلسطينية، جنوب القدس، وحي في مدينة بيت جالا يسمى (بير عونة). وأصبح يتردد كثيرا على مدينة بيت لحم، خصوصا بعد إنشاء السلطة الفلسطينية، وارتبط بعلاقات صداقة مع مسؤولين في السلطة الجديدة، وأصبح ظهوره في مركز شرطة المدينة عاديا، وكان لا يكف عن إلقاء النكات بلهجته المصرية العادية، وفي الليل يسهر مع أفراد القوة 17 الذين كانت لهم نقطة عسكرية بالقرب من بيته.

وفي احتفالات أعياد الميلاد في مدينة بيت لحم عام 1995، ظهرت ابنة لنبيه سرحان، أمام كنيسة المهد في بيت لحم، ترسم الأسماء على حبات الأرز مقابل مبالغ مالية، وقالت حينها إنها تعيش في الولايات المتحدة الاميركية وإنها تتردد على إسرائيل التي تحمل جنسيتها، وإنها تنتمي إلى عائلة متعددة الأديان.

وفي انتفاضة الأقصى تعرضت بيت لحم، مثل باقي المدن الفلسطينية إلى قصف من جيش الاحتلال، وأصبح المنزل الذي يعيش فيه سرحان بين خطوط التماس.

حقيقة العلاقات الجزائرية الإسرائيلية

مارس 13, 2009

 
 

حقيقة العلاقات الجزائرية الإسرائيلية

 

د.عبد الرحمن مكاوي 

 

المؤرخون المتتبعون لتاريخ الشرق الأوسط الحديث، خاصة تاريخ  تطورات الأحداث المتعلقة بالصراع العربي الإسرائيلي سجلوا تناقضات كثيرة في  مواقف عدة دول عربية من القضية الفلسطينية، فلقد اكتشفوا أن الصهيونية العالمية و إسرائيل كانتا حاضرتين و بقوة في الوطن العربي قبل استقلال العديد من الدول العربية وبعده،  فالماسونية العالمية التي لعبت أدوارا متعددة و خطيرة في بلورة و صنع النخب العربية و تحضيرهم، للقبول والتعامل مع دولة إسرائيل بعد الاستقلال، كانت لا تخفي علاقاتها العضوية و الإيديولوجية مع الصهيونية العالمية بداية من القرن التاسع عشر، مستعملة أدوات كثيرة و معروفة كالأحزاب الشيوعية و الأممية الاشتراكية و النقابات و مناهج التعليم و الجيوش، ووظفت في بعض الأحيان حتى الكنيسة  الكاثوليكية لبلوغ أهدافها، في هذا الإطار فإن تاريخ الجزائر لا يخرج عن هذه القاعدة.

 

و هكذا اعتمدت الماسونية منذ سنة 1880 وطيلة وجودها في الجزائر على بعض الزوايا و زعماء بعض القبائل، و على الأقلية اليهودية الجزائرية التي نجحت في استئصالها من محيطها العربي الإسلامي و البربري من خلال تطبيق قانون كريميو  Cremieux الذي منح الجنسية الفرنسية إلى كل اليهود الجزائريين، مما جعلهم طرفا مباشرا في الصراع الداخلي في ما بعد.

 

فالجزائريون انقسموا وقسموا من جراء هذا التدخل الاستعماري إلى فئتين :

 

الأولى فرانكفونية لغة و تفكيرا و منظورا و سلوكا و لباسا، و الثانية عروبية إسلامية. من هذا الانقسام الإيديولوجي و اللغوي تسربت إسرائيل إلى الجزائر و عملت و لازالت على زرع الشقاق و الألغام داخل القطر الجزائري الشقيق، و هذا التسرب الإسرائيلي تجلى مباشرة بعد فاتح نوفمبر 1954 عندما انقسمت جبهة التحرير الوطني إلى جناح يساري لائكي مدعوم من طرف الشيوعية العالمية و الماسونية، تيار وجد صدى و دعما كبيرين عند الرفاق في موسكو و باريس و اسبانيا و إيطاليا و إسرائيل، طائفة  كان هدفها فتح قنوات تعامل مع إسرائيل و الابتعاد عن التعويل على العرب و خاصة  الابتعاد عن ثورة يوليوز الناصرية.

 

أما التيار الثاني فكانت تقوده جمعية العلماء المسلمين بزعامة ابن  باديس و الشيخ الإبراهيمي، اللذان كانا يناهضان هذا التوجه الذي نعتاه بالإلحاد و العلمانية آنذاك.

 

كان من أهم قادة التيار الأول اليساري الماركسي السيد عبد الرزاق عبد القادر حفيد الأمير عبد القادر الجزائري، العضو البارز في الشعبة الماسونية المالطية ( Chevalier de l’ordre de Malte). فكان عبد الرزاق عبد القادر من الشخصيات النافذة و القوية في جبهة التحرير الوطني الجزائرية خلال الثورة، إلى جانب عبان رمضان الأمازيغي و ديدوش مراد و بن بلوعيد و آخرين، كان ينصح رفاقه بضرورة التقارب و لم لا الاعتراف بدولة إسرائيل، فكراهية عبد الرزاق عبد القادر للعرب و اللغة العربية وصلت إلى درجة مطالبته للثوار الجزائريين بعدم الاتكال على العرب في حرب التحرير ضد فرنسا، بل ذهب الى أبعد من ذلك في إحدى المناسبات في ألمانيا  حينما قال بأن الثوار سوف يردون جميل الشيوعية العالمية و الماسونية عند استقلال الجزائر بسبب مساندتهم للثورة الجزائرية ضد فرنسا.

 

فالسيد عبد الرزاق عبد القادر الذي كان من مؤسسي جبهة التحرير الوطني كان متزوجا من إسرائيلية من أصل بولوني و عاش معها في إحدى الكبوتزات (المستوطنات) الإسرائيلية التي بناها الحزب الشيوعي الإسرائيلي في الضفة الغربية.

 

في سنة 1957، تعهدت جبهة التحرير الوطني الجزائرية على لسان فرحات عباس من منبر الأمم المتحدة عن مساندة الجبهة ليهود الجزائر بالهجرة إلى أرض الميعاد دون شروط أو عراقيل.  و هنا بدأ الخلاف في الجزائر بين الجناحين المتصارعين داخل الجبهة،  صراع  لا زالت تداعياته قائمة إلى حد الآن. فبعد تصفية المناضل عبان رمضان من طرف العقيد بوصوف في مدينة العرائش المغربية، بدأ تراجع التيار الماركسي في جبهة التحرير الوطني الجزائرية، و حل محله تدريجيا التيار العروبي الإسلامي.

 

و قد سجل المؤرخ ميخائيل لسكيارMichael laskier هذا الانقسام الذي كان سببه الأساسي هو الموقف من إسرائيل و الفرنكوفونية و العلمانية و الماسونية. من نتائج هذا التجاذب السياسي كذلك إقصاء المناضل فرحات عباس عن القيادة  كما سجن عبد الرزاق عبد القادر حفيد الأمير عبد القادر سنة 1963 بسجن سركاجي بتهمة الخيانة العظمى و التخابر مع إسرائيل، تم نفي بعد ذلك خارج البلاد حيث انتهى به المطاف في إسرائيل، حيث دفن في إحدى المستوطنات بالضفة الغربية، و في هذا الإطار يقول المؤرخ الإسرائيلي من جامعة القدس “جوزيف أبتبول” أن حفيد الأمير عبد القادر والمناضل الكبير في الثورة الجزائرية اعتنق الديانة اليهودية و مات وهو يحمل اسما و هوية إسرائيلية.

 

بعد استقلال الجزائر سنة 1962، بدأ التيار العروبي الإسلامي برئاسة المناضل بن بلة من التموضع في القضية الفلسطينية و الصراع العربي الإسرائيلي تدريجيا عن طريق تقزيم الحزب الشيوعي الجزائري و نفي بعض قادته، نظرا لوقوفهم مع الحزب الشيوعي الإسرائيلي في إطار الشيوعية العالمية.

 

مرحلة حكم الرئيس بن بلة كانت مرحلة قصيرة، انشغلت الجزائر فيها بترتيب البيت الداخلي : إخماد ثورة القبائل المسلحة الزاحفة على العاصمة، إجهاض مشروع ترقستان في الجنوب، استكمال تصفية رموز اليسار الماركسي على حساب  التقارب مع التيارين الناصري و البعثي. فبن بلة اتجه غربا خالقا نزاعا تاريخيا و إيديولوجيا مع المغرب، الذي كان يوضع في خانة الدول العربية الرجعية ، سياسة تهدف بالأساس إلى ضمان تماسك الداخل الجزائري عن طريق جر البلد المجاور إلى مواجهة عسكرية سميت بحرب الرمال سنة  1963 تحت عناوين وشعارات إيديولوجية. أما مشاكل الشرق الأوسط و على رأسها فلسطين، فجزائر بن بلة فوضت الأمر إلى حليفها عبد الناصر. فكان دعم بن بلة لعبد الناصر مقتصرا على الشعارات والبيانات الحماسية لا غير.

 

“التصحيح الثوري” الذي أتى بالعسكر إلى الحكم سنة 1965 برئاسة المرحوم هواري بومدين شهورا بعد إعلان قيام الثورة الفلسطينية في فاتح يناير 1965،  أدخل الجزائر على الخط  تحت شعارها المشهور “نحن مع فلسطين ظالمة و مظلومة”، فالمرحوم هواري بومدين أراد أن يكون الفلسطينيون مستقلين عن الوصاية العربية، التي كانت في رأيه  سبب اغتصاب فلسطين، كما كانت رؤيته تتمثل في أن تحرير الأرض لا يمكن تحقيقه إلا بالقوة، فكثيرا ما كان يردد في خطاباته الحماسية “إن ما أخد بالقوة لن يسترجع إلا بالقوة”. في هذا الإطار يشير  بعض مؤسسي منظمة التحرير الفلسطينية بان جزائر بومدين “أشبعتنا شعارات و عناوين فارغة”، فباستثناء بعض المساعدات العسكرية و المالية القليلة، فان الجزائر لم تتدخل إلا في الحقل الدبلوماسي لمناصرة الفلسطينيين.

 

وهذا ما سجله بعض المؤرخين في حرب الستة أيام سنة  1967، حيث لم تحرك الجزائر فيها ساكنا إلا بعد إعلان وقف إطلاق النار، و سكوت الجزائر في مذبحة أيلول الأسود بالأردن. الأمران الوحيدان اللذان يمكن ذكرهما في هذا الصدد هو أن التيار العروبي البعثي الذي حكم في الجزائر من 1965 إلى 1980 ميز بين المواقف السياسية و المصالح الاقتصادية في علاقاته الخارجية، فالعلاقات الغير المباشرة مع إسرائيل استمرت تحت نار هادئة عبر شركات إسرائيلية في كندا و أمريكا و أوروبا و قبرص و اليونان وتركيا. خلال هذه الفترة، كان الإسرائيليون يدخلون إلى الجزائر و يقيمون فيها بجوازات أ وروبية و أمريكية، حتى  أن الشركة الكندية التي بنت مقام الشهيد في العاصمة هي في ملك اسرائليين و كنديين. إن الوزير الأول في مقاطعة  كبيك في السبعينات و الصحافي أثناء الثورة روني ليفسك ( (René Lévesque كان الوسيط بين اليهود الكنديين و الإسرائيليين من جهة و الجزائر من جهة أخرى.

 

حقبة الرئيس الشاذلي بنجديد عرفت أول لقاءات سرية جزائرية إسرائيلية بوساطة فرنسية وأمريكية في أوروبا و أمريكا اللاتينية، لقاءات خصصت لميدان التعاون الاقتصادي، فإسرائيل باتت تبيع للجزائر الطماطم و البطاطس و القمح و الدواء و البذور عبر شركات إسرائيلية مقراتها في أوروبا.( انظر مذكرات احمد بوطالب الإبراهيمي).

 

بعد الإطاحة بالشاذلي بن جديد من طرف المؤسسة العسكرية، و ما تبعها من حصار غربي للجنرالات، و رفض أغلبية الدول بما في ذلك دول المعسكر الشرقي بيعهم أسلحة متطورة لمجابهة الإرهاب ( إرهاب الجماعة المسلحة الجزائرية و جماعة الدعوة و القتال)، تحول جنرالات الجزائر إلى شراء الأسلحة من إسرائيل عن طريق البوابات التركية و الجنوب الإفريقية و من خلال السوق السوداء التي يسيطر عليها العملاء الإسرائيليون التابعون للموساد.(Marchands de la mort)

 

فالتطبيع الجزائري الإسرائيلي هو أمر قديم حديث، و التحفظات المتعددة التي عبرت عنها الجزائر فيما يخص مشروع الإتحاد من أجل المتوسط و الذي أعلن عنه في الثالث عشر من شهر يوليوز في باريس كان موقفا غير صحيح و غير واقعي، فالجزائر كانت ترى في هذه المنظومة المتوسطية فرصة للتطبيع مع إسرائيل بشكل مرحلي و سري كما كتب الزميل الجزائري سليمان بوصوفة، “مواقف غير جادة و لا تعكس حقيقة العلاقات الإسرائيلية الجزائرية التي كانت تجري تحت الطاولة وفي سرية تامة و في أكثر من عاصمة غربية”.

 

أهم محطات هذه العلاقات هي مشاركة الجزائر في مؤتمر أنا بوليس للسلام الذي جرى في نوفمبر 2007 و ذلك بوفد رسمي يرأسه مندوبها في الجامعة العربية عبد القادر حجار. فالجزائر دولة غير معنية مباشرة بالصراع و لا تعتبر من دول الطوق. فكيف يمكن تفسير هذا اللقاء الرسمي الإسرائيلي الجزائري؟ و ماذا كان الهدف منه؟.

 

إضافة إلى هذا الفصل من اللقاءات، نلاحظ أن لقاء الرئيس عبد العزيز بوتفليقة و وزير الدفاع الإسرائيلي الحالي أيهود براك في جنازة الملك الراحل الحسن الثاني في الرباط 25 يوليوز 1999 دشن سلسلة اللقاءات المباشرة بين الجزائر و إسرائيل، فاللقاءات الإسرائيلية الجزائرية أصبحت تمر في هدوء و في ظلام دامس، آخرها توج بزيارة وفد إعلامي جزائري إلى إسرائيل دون أن تحرك السلطات الجزائرية و الشعبية ساكنا، كما أن العلاقات التجارية تواصلت دون انقطاع بين البلدين عبر شركات أروبية يملكها إسرائيليون إلى درجة أصبحت الجزائر تستهلك أكتر من 5 مليار دولار سنويا من المنتوجات الصناعية و الفلاحية و الطبية الإسرائيلية.

 

فصل آخر من تاريخ الجزائر مع إسرائيل ينبغي الإشارة إليه، هو قرار الرئيس بوتفليقة فتح قنوات مباشرة مع الجالية اليهودية  في أوروبا و السماح لها بزيارة الجزائر تحت غطاء زيارة المقابر و الأضرحة المقدسة اليهودية، وهنا تجدر الإشارة إلى دور الحاخام هادنبريغ رئيس منظمة اليهود الفرنسيين  (CRIF)في ترتيب و تدبير جميع العلاقات الجزائرية الاسرائلية في باريس و العالم. و قد أشارت مواقع وزارة الخارجية الاسرائلية إلى اللقاء الذي تم في العاصمة الفرنسية بين المناضل الكبير رئيس البرلمان الجزائري السابق البشير بومعزة و الحاخام الفرنسي هنري هادنبريغ، و التي كانت مناسبة لبحث سبل ترقية العلاقات الجزائرية الإسرائيلية، ولكن في إطار سري وغير معلن عنه وتحت الطاولة في انتظار الوقت الذي تكسر فيه العقدة النفسية عند المواطن الجزائري العادي الذي يرفض كل تطبيع مع الكيان الصهيوني.

 

إن انضمام الجزائر إلى ميثاق برشلونة ثم إلى مشروع الإتحاد من أجل المتوسط هو إعلان غير مباشر عن التطبيع مع إسرائيل رغم التحفظات الأولية و ما تبعها من فلكلور إعلامي، فكفانا خداعا و نفاقا، و كفانا خطبا رنانة وكلمات معسولة وذر الرماد في العيون، فالتطبيع جزء لا يتجزأ و بالونات اختبار وجس نبض الشارع الجزائري اتجاه إسرائيل هي أساليب معروفة عند الجزائريين الشرفاء.                      

 

أما فيما يخص موضوع علاقات إسرائيل مع المغرب البلد المجاور، و التي تجعل منه بعض المنابر الإعلامية الجزائرية مادة  دسمة للقذف و التجريح و منبرا للسخرية، نقول إن للمغرب  علاقات واضحة مع اليهود المغاربة في إسرائيل، علاقات تقوم على ركيزتين أساسيتين، الركيزة الأولى هي أن العلاقات تتم بصفة معلنة و في واضحة النهار، و من خلال جالية يهودية مغربية نشيطة، لازالت تحتفظ بجنسيتها و مصالحها في المغرب، بل تشكل أقوى الجاليات المغربية في الخارج، جالية تعتبر ملك المغرب ملكها، جالية وصل بعض أفرادها إلى مستوى المسؤولية في إسرائيل (وزراء و نواب) ، فاستقبالهم في المغرب يتم على أساس مغربيتهم ليس إلا. 

 

فالتواصل بين اليهود المغاربة و بلدهم الأصلي أمر طبيعي بالنسبة للشعب المغربي،  تواصل أدى بالمغرب إلى إنشاء تنسيقية مشتركة لتدبير شؤون هذه الجالية التي تتصاعد أهميتها في إسرائيل و في العالم، إلى درجة مكنت المغرب بلعب دور الوساطة بين الأطراف المتنازعة في المنطقة : هذا لا يعني بتاتا أن المغرب قام بالتطبيع المجاني وتخلى عن التزاماته القومية، فهو مع مشروع السلام العربي و لازال، و يقوم بعدة إجراءات دبلوماسية هادئة لمحاربة كل تهويد لمدينة القدس خاصة حي المغاربة المعروف. كما أنشأ بيت مال القدس لمساعدة المقدسيين في البقاء في فلسطين و آخر عمل قام به المغرب  و ذلك  بطلب  من حماس و بإلحاح ، هو تدخله لرفع الحصار عن قطاع غزة.

 

إننا في الوطن العربي في حاجة ماسة لمواقف عربية واضحة من إسرائيل، لا إلى شعارات و خطب فارغة، فالجزائر تتزعم المقاطعة السياسية لإسرائيل في نفس الوقت الذي تعمل فيه على التطبيع اقتصاديا وذلك تحت الطاولة !!.

 

 ** أستاذ العلاقات الدولية ـ جامعة الحسن الثاني ـ المغرب

 

 

المراجع:

 

1-جوزيف أبتبول : حفيد الأمير اليهودي –منشورات جامعة القدس

 

2- ميشال لسكيار فلسطين من المغرب إلى أوسلو

 

3- الطاهر الأسود: صحيفة القدس العربي – العلاقات الإسرائيلية-الجزائرية

 

4- سليمان بوصوفة : إسرائيل و التطبيع مع الجزائر –القدس العربي.

 

5-الصادق هدجرس الأمين العام السابق للحزب الشيوعي الجزائري، العنف و السياسة : مجلة هرودوت رقم 77.

 

6-احمد طالب الإبراهيمي: سيرة ذاتية

الدكتور طه حسين المصريين يحبون النفاق / شخصية المصري

مارس 6, 2009

الدكتور طه حسين المصريين يحبون النفاق / شخصية المصري
——–

ذكر ان الدكتور طه حسين قال ان المصريين يحبون النفاق
وهنا سانقل بحث حول الموضوع

=========
الشخصية المصرية
دكتور / محمد المهدى
استشارى الطب النفسى
” فى هذا الوقت الذى يضطرب فيه الفكر فى مصر ويضطرم بحثا عن شخصيتها ودورها الإنسانى والحضارى …. فإننا فى حاجة إلى فهم كامل لوجهنا ووجهتنا , لكياننا ومكانتنا , لإمكانياتنا وملكاتنا … وأيضا لنقائصنا ونقائضنا , بلا تحرج ولا تحيز أو هروب ” ( جمال حمدان)
منهجية الدراسة :
للإحاطة بسمات الشخصية المصرية والوصول إلى مفاتيحها كان ثمة احتياج إلى منهجية شاملة ومحكمة للوصول إلى رؤية علمية بعيدة – قدر الإمكان – عن التحيزات العاطفية
( الإيجابية أو السلبية ) خاصة فى موضوع يمس الذات الشخصية والوطنية , ويخضع للكثير من وجهات النظر المتباينة والممثلة لزوايا الرؤية أو اتجاهات المصالح أونبضات المشاعر . وقد كانت الرؤى المطروحة نتاجا للعناصر التالية فى البحث والدراسة :
1 – الدراسات العلمية السابقة والحالية التى تعرضت للشخصية المصرية وما حدث فيها من تحولات
2- ملاحظات وآراء المفكرين والعلماء
3 – الملاحظة المشاركة للباحث لكونه مواطنا مصريا يعيش الحياة اليومية المصرية ويرصد بعين المتخصص فى العلوم النفسية السمات النفسية للمصريين . وقد ساعد على تحقيق هذا الهدف بشكل أدق كون الباحث قد عايش مجتمعات وشخصيات مختلفة إبان إقامته خارج مصر لمدة تصل إلى تسع سنوات يضاف إليها فترات إضافية أخرى متقطعة , وقد أعطاه هذا فرصة للمقارنة والرؤية من خارج , إضافة إلى رؤيته من الداخل , وهاتان الزاويتان للرؤية جعلا الفوارق تتضح وتغلب على ضياع المعالم الناتج عن الألفة والتعود لمن يعيش طول الوقت فى المجتمع ولم يغادره إلى غيره . والباحث بوصفه ملاحظا مشاركا لديه فرصة القراءة عن قرب من خلال عمله كطبيب نفسى ( يرى الوجه الخفى للناس من خلف الدفاعات المعلنة والأقنعة الساترة والخادعة ) وعضو هيئة تدريس فى الجامعة ( مما يعطيه فرصة للرؤية العامة والدراسة المنهجية الموضوعية بأقل قدر ممكن من التحيز ) .
4 – الرؤية الحالية للشخصية المصرية تشكل أولوية بمعنى أننا فى هذه الدراسة نهتم أكثر بما هو كائن وليس بما كان , ولو تكلمنا عن شئ فى الماضى فإنما يكون بهدف شرح أو تفسير سمة قائمة وبيان جذورها وتطورها دون الغرق فى سراديب الماضى
5 – الأمثال الشعبية والأقوال الدارجة على ألسنة رجل الشارع تمثل رصيدا معرفيا هاما نستطيع أن نتوصل من خلاله إلى فلسفة حياة البسطاء من الناس وعامتهم , لذلك تم رصدها وتحليلها فى مواضعها لتأكيد الصورة وإيضاحها
السمات التقليدية للشخصية المصرية :
تميزت الشخصية المصرية على مر عصور طويلة بسمات كانت أقرب إلى الثبات ولذلك يعتبرها العلماء سمات أصيلة وذلك لتمييزها عن سمات فرعية أو ثانوية قابلة للتحريك مع الظروف الطارئة . فالمصرى تميز بكونه : ذكيا , متدينا , طيبا , فنانا , ساخرا , عاشقا للإستقرار ( عزه عزت , 2000 , التحولات فى الشخصية المصرية , كتاب الهلال ). وكان هذا يشكل الخريطة الأساسية للشخصية المصرية فى وعى المصريين ووعى غيرهم , وقد أدى إلى الثبات النسبى لهذه السمات ارتباطها بعوامل جغرافية ومناخية مستقرة نسبيا .
وقد حدثت تحولات نوعية فى بعض السمات وتحولات نسبية فى سمات أخرى , فمثلا استخدم البعض ذكاءه فى الفهلوة , وتعددت صور التدين بعضها أصيل وبعضها غير ذلك , وقلت درجة الطيبة وحل محلها بعض الميول العنيفة أو العدوانية الظاهرة أوالخفية , وتأثر الجانب الفنى فى الشخصية تحت ضغط التلوث والعشوائيات , وزادت حدة السخرية وأصبحت لاذعة قاسية أكثر من ذى قبل وأحيانا متحدية فجة جارحة , أما عشق المصرى للإستقرار فقد اهتز كثيرا بعدما أصبحت البيئة المصرية طاردة نحو الخارج بحيث أصبح حلم كثير من الشباب السفر إلى أى مكان لتحقيق أهدافه بعد أن أصبح متعذرا تحقيق الآمال والأحلام على أرض الوطن .ستطيع أن نرصد عددا من العوامل الرئيسة التى أدت إلى تلك التغيرات فى السمات الأصلية للشخصية المصرية ومنها :
1- ثورة يوليو وما صاحبها من تغييرات جذرية ( بعضها ايجابى وهو ما يتصل بالتحرر الوطنى وطرد المستعمر , وأكثرها سلبى وهو ما يتصل بالحكم الإستبدادى البوليسى ) أدت إلى تغيرات فى البناء السياسى والإجتماعى والإقتصادى , وهزت البنية القيمية حيث أشاعت قيما استبدادية قهرية , وأرست قواعد الإعتمادية على النظام , والسلبية , والفهلوة , وادعاءات البطولة الزائفة , والسير وراء الزعيم بأعين مغمضة وأصوات هاتفة وقلوب مليئة بالحماس الجارف بلا دليل . باختصار أحدثت الثورة ورجالها تناقضات هائلة فى البنية النفسية للشخصية المصرية تحتاج لبحث منفصل لبيان مداها .
2- نكسة يونيو 1967 , وقد كانت قمة التعبير عن خداع الذات والتسليم لزعامات كاريزمية بعيدة عن التخطيط السليم والموضوعية . حدث بعدها صدمة وتغيرات جذرية أخرى فى الشخصية المصرية حيث راحت تبحث عن هوية دينية بعد فشل الهوية القومية الإشتراكية التى نادى بها زعماء الثورة ومنظروها , ومن هنا بدأت التيارات الدينية المعتدلة والمتطرفة فى مصر وامتدت إلى العالم العربى والإسلامى تحت وطأة المواجهة البوليسية القاسية لتلك التيارات
3- معاهدة السلام مع إسرائيل وما تبعها من تغيرات سريعة ومفاجئة لكثير من المفاهيم حول إسرائيل كعدو أساسى والإرتماء بعد ذلك فى الحضن الأمريكى وماتبعه من تغيرات ثقافية واجتماعية بناءا على التفاعل مع ثقافات غريبة تستقبلها الشخصية المصرية بمشاعر متناقضة وبشكل أسرع من طريقتها وطبيعتها فى استيعاب وهضم وتمصير الثقافات الأخرى .
4- الإنفتاح الإقتصادى المنفلت , وما تبعه من تنامى القيم الإستهلاكية , والرغبة فى الثراء السريع دون جهد حقيقى , وشيوع قيم الخفة والفهلوة وانتهاز الفرص .
5- السفر إلى بلاد الخليج وغيرها من الدول العربية , وما تبع ذلك من تغير الأنماط الإستهلاكية والثقافية والدينية تبعا للنموذج الخليجى , مما أدى إلى تعتعة استقرار النماذج القائمة والمستقرة منذ قرون لصالح النموذج السلفى من ناحية أو النموذج المستغرب من ناحية أخرى .
6- العولمة وما أدت إليه من فتح السماوات للقنوات الفضائية والإنترنت , وفتح الأسواق لكل ماهو جديد , وفتح شهية المتلقى للمزيد من الجديد والغريب والمثير .
7- قانون الطوارئ الذى امتد العمل به لمدة 25 سنة ( وما زال حتى كتابة هذه السطور عام 2005 م , 1425 ه – ولا يدرى أحد متى يتوقف العمل به ) , بحيث أدى إلى شيوع حالة من القهر والخوف , وانعدام الثقة بين السلطة والشعب , وأطلق يد السلطة الأمنية فى كل صغيرة وكبيرة فى حياة الناس ( تعيينات الوظائف على كل المستويات , والترقيات , واختيار الوظائف القيادية , والإنتخابات , والبعثات , وكل شئ ) , وأطفأ النبض الحقيقى على المستويات السياسية والفكرية والدينية والإجتماعية , وأتاح الفرصة لتغلغل الفساد المحتمى بالسلطة ووصول عناصر تفتقر إلى الكفاءة والضمير إلى مراكز عليا تحت سقف الطاعة والولاء , فى نفس الوقت الذى ابتعدت فيه ( أو استبعدت ) العناصر الموهوبة والمتميزة عن مراكز التأثير والتوجيه , أما بقية الناس فقد تحولوا إلى أغلبية صامتة تسعى إلى أن تحصل على لقمة عيشها وعيش أبنائها , ولكى تتقى سطوة السلطة المطلقة تحت مظلة قانون الطوارئ لجأت إلى تعلم مهارات الفهلوة والتحايل والكذب والإلتواء والتخفى والتنازل عن أشياء كان يعتز بها المصريون مثل الكرامة والضمير والصدق والشهامة , واستبدل كل هذا بحالة من الخنوع والخداع والنفاق والتحايل ومد اليد تسولا أو رشوة أو سرقة .
ورغم التحولات الحادثة فى السمات الست للشخصية المصرية إلا أن الشخصية المصرية تعتبر نسبيا أكثر ثباتا خاصة فى مواجهة تغيرات العولمة , حيث نجد أن مجتمعات عربية أخرى قد ذابت تماما أو تكاد فى النظام العالمى الجديد بكل سلبياته وإيجابياته , وربما يعود ذلك الثبات النسبى للشخصية المصرية إلى تراكم سماتها فى طبقات حضارية عبر عصور طويلة وتأكد هذه السمات مع الزمن رغم التغيرات الطارئة , كما أن المصرى لديه ميل قوى للإبقاء على الأوضاع القائمة يعود لتأثره بالطبيعة الجغرافية والمناخية التى يعيشها كما سنذكر ذلك لاحقا .
الطبيعة والشخصية المصرية :
للطبيعة أثر كبير على الشخصية لدرجة أن علماء النفس والإجتماع استطاعوا أن يضعوا صفات مميزة لسكان المناطق الريفية تميزهم عن سكان سواحل البحار , وتميز هؤلاء وهؤلاء عن سكان الجبال والصحارى .
يقول جوستاف لوبون فى كتابه ” الحضارة المصرية القديمة ” : ” إذا كان المصرى قد شعر بالسأم من سهوله الوضاءة المشرقة , فإنه قد جهل الآلام المفزعة والتى تنشأ على شواطئ البحار الموحشة , وفى خلال الشفق الأحمر تحت السماء المتقلبة الغادرة “.
فإذا نظرنا إلى الطبيعة المصرية وجدنا النيل يتمايل فى هدوء بين جنبات الوادى السهل المنبسط , ووجدنا سجادة من الخضرة الجميلة والمريحة منبسطة على ضفتيه تدعو للراحة والإسترخاء , وخرير المياه فى القنوات والترع , وأنين السواقى وهى تروى عطش الأرض , ووفرة الغذاء الناتج عن الأرض الخصبة المعطاءة , والسماء الصافية معظم فصول السنة , والشمس المشرقة على مدار العام , والمناخ المعتدل صيفا وشتاءا والذى يخلو من التقلبات الحادة والعنيفة والمهددة . هذه هى الطبيعة التقليدية التى عاش فيها المصرى على ضفتى النيل وتركت بصماتها على شخصيته فى صورة ميل إلى الوداعة والطمأنينة والهدوء وطول البال والدعابة والمرح والتفاؤل والوسطية وحب الحياة . هذه السمات لاندركها بوضوح إلا إذا قارناها بسمات من يعيشون فى بيئات مهددة مليئة بالعواصف والنوّات على سواحل البحار والمحيطات الهائجة , أو من يعيشون فى بيئة صحراوية أو جبلية شديدة القسوة والفقر والجفاف , أو من يعيشون فى غابات مليئة بالحيوانات المفترسة يتوقعون الخطر فى كل لحظة , أو من يعيشون فى القطبين تحت العواصف الثلجية ويلبسون ثيابا ثقيلة تحد من حركتهم وتلقائيتهم وتخنقهم تحت ثقلها .
وإذا كانت الطبيعة السمحة البسيطة المعطاءة قد أعطت صفاتا إيجابية فإن لها أيضا جانبا سلبيا , حيث منحت المصرى شعورا زائدا بالطمأنينة والسكينة وصل به فى بعض الأحيان إلى حالة من الكسل والتواكل والسلبية والتسليم للأمر الواقع والميل إلى الإستقرار الذى يصل أحيانا إلى حالة من الجمود . فالشخصية المصرية مثل الطبيعة المصرية لاتتغير بسهولة ولا تتغير بسرعة , بل تميل إلى الإستقرار والوداعة والمهادنة وتثبيت الوضع القائم كلما أمكن والتصادق معه وقبوله . وهذه الصفات قد خدمت إلى حد كبير كل من حكموا مصر على مدار التاريخ حيث كان ميل المصرى للوداعة والطمأنينة والإستقرار يفوق ميله للثورة والتغيير , وربما يكمن هذا العامل وراء الحالة المزمنة من الحكم الإستبدادى على مدار التاريخ المصرى , فقد كان الحاكم يبدأ بسيطا متواضعا ثم بطول المدة واستقرار الأوضاع تتمدد ذاته على أرض الوادى الخصيب وسط أناس طيبين مسالمين وادعين , وشيئا فشيئا تتوحش هذه الذات الحاكمة وتحكم قبضتها على رقاب الشعب , والحاكم يعرف دائما أن الشعب المصرى لا يميل إلى الثورة خاصة فى أشكالها العنيفة . فخلو الطبيعة المصرية – نسبيا – من الزلازل والبراكين والنوّات والأعاصير الجارفة يقابله ميل شعبى لاستمرار الإستقرار واستقرار الإستمرار , وهذا شعار يرفعه كل حاكم استبد بحكم مصر واستغل هذه الرغبة الدفينة لدى المصريين فى الإستقرار والوداعة وراحة البال . وذكر ابن خلدون فى مقدمته : ” أن أهل مصر يميلون إلى الفرح والمرح , والخفة , والغفلة عن العواقب ” . وربما يفسر هذا كون المصريين كانوا يحكمون بواسطة حكام أجانب معظم مراحل تاريخهم , وكانوا يقبلون ذلك سماحة أو طيبة أو غفلة أو تهاونا أو رغبة فى الراحة والإستقرار . وحين كانت تشتد بهم الخطوب نتيجة عسف الحاكم الأجنبى المستبد والمستغل كانوا يستعينون بالنكات اللاذعة والسخرية لتخفيف إحساسهم بالمرارة مما يعانون , وكان سلاح السخرية يؤجل الثورة وربما يجهضها لأنه يعمل على تنفيث الغضب الكامن
والمصرى يتحرك ويثور فى حالات قليلة ومحددة وهى : 1- حين تنتهك قدسية عقيدته الدينية المتراكمة عبر عصور طويلة . 2- حين تجرح كرامته الوطنية بشكل مهين . 3 – حين تهدد لقمة عيشه بشكل خطر .
والطغاة والمستبدون كانوا يعرفون حدود هذه الأشياء فيحفظون له الحد الأدنى منها حتى يضمنوا استمرار ولائه , أو يحاولون خداعه حتى لا يصل إلى حالة الشعور بالمهانة أو العوز المحرض على الثورة .
ولا شك أنه قد حدثت تغيرات شملت الطبيعة المصرية وامتد تأثيرها إلى الشخصية المصرية , فقد أدى الزحام الشديد فى المدن والقرى إلى الإحساس بالضيق والإختناق والحرارة الزائدة خاصة فى الصيف , إضافة إلى ارتفاع معدلات التلوث السمعى والبصرى , كل ذلك أدى إلى تنامى حالة من العصبية وسرعة الإستثارة والعدوان لدى المصريين بشكل لم يكن معهودا من قبل . وعرف المصريون الزلازل فى السنوات الأخيرة فاهتز الإحساس بالإستقرار بعض الشئ . ولم تعد خيرات الأرض تكفى المصرى أو تطمئنه لذلك لم يعد مطمئنا كما كان واضطر للسفر إلى شرق الأرض وغربها باحثا عن لقمة العيش له ولأسرته , ثم عاد بعد سنوات وهو يحمل أفكارا وتوجهات تنتمى إلى بيئات وثقافات أخرى , وضعف لديه الإنتماء بدرجات متفاوتة عن ذى قبل لأن البيئة المصرية لم تعد معطاءة كما كانت ولم تعد مستقرة كعهده بها ولم تعد وديعة مطمئنة كما عرفها . وقد أدى هذا إلى بعض التغيرات نذكر منها : 1- توجهات دينية استقطابية لا تعترف بالآخر المختلف وتميل إلى تكفيره أو استبعاده .2 – جماعات تميل إلى التعامل بعنف مع السلطة والمجتمع , ولكن هذه الجماعات لا تشكل حتى الآن تيارا عاما , حيث بقى عموم الناس متأثرين بالطبيعة القديمة للشخصية المصرية نوعا ما , وإن كان هذا قابل للتغير فى السنوات القليلة القادمة فى حالة استمرار الضغوط السياسية والإجتماعية والإقتصادية القائمة. 3- رغبة فى الهجرة إلى أى مكان فى الأرض بعيدا عن الأحوال المعيشية الصعبة التى تخلو من الأمل والحلم خاصة للشباب . 4 – حالة عامة من الإحباط والقلق والضيق , ولكنها لا تتشكل – حتى الآن – فى صورة فعل يهدف إلى التغيير.4- شراهة استهلاكية لدى الجميع – رغم الفقر – وخاصة الفئات التى أثرت ثراءا طفيليا سريعا .
إذن فقد تغيرت الطبيعة فى بعض جوانبها وتغيرت تبعا لذلك الشخصية المصرية فى بعض سماتها .
تعددية أم تناقض :
حين شرعت فى الكتابة عن الشخصية المصرية شعرت بحيرة شديدة حيث وجدتنى أمام كم هائل من الصفات والجوانب المتعددة والمتناقضة فى نفس الوقت بحيث تجعل الصورة أشبه بمناطقنا العشوائية المنتشرة فى طول البلاد وعرضها ففيها الفقر المدقع والغنى الفاحش , وفيها الظلم وفيها العدل , وفيها القسوة فى أشد صورها( تعذيب حتى الموت ) وفيها الرحمة فى أجمل صورها ( جمعيات خيرية وتكافل اجتماعى ) وفيها العلم والعلماء ( أربعة جوائز نوبل فى بلد صغير نسبيا وفى فترة زمنية قصيرة ) وفيها الجهل المطبق على غالبية سكانها , وفيها الإستبداد السياسى وفيها فى ذات الوقت صحفا مستقلة وحزبية تتحدث بكامل الحرية وأحيانا تتجاوز كل الخطوط الحمراء , وفيها الأزهر والحسين والسيدة نفيسة والكاتدرائية المرقسية والجماعات الإسلامية والمسيحية , وفيها شارع الهرم واستديوهات إنتاج الفيديوكليب , فيها الطيبة والقسوة , فيها الشهامة والنذالة , فيها السماحة والتعصب , فيها الفن الجميل والقبح الفاحش , فيها …… وفيها , وفيها ……
*****
وربما يقول قائل : وما الغرابة فى ذلك أليست مصر مثل كل المجتمعات البشرية , والبشر فيهم كل هذا ؟ ….. وهذا تساؤل مشروع ومنطقى ولكن فى الشخصية المصرية وفى الحياة المصرية عموما تجد هذه التعددية وهذه المتناقضات صارخة إلى الدرجة التى جعلت عالما مثل موريس هيندوس ( Maurice Hindus 1949 ) يردد أن مصر أرض المتناقضات ( Land of paradox ) ربما – كما يقول جمال حمدان – تحت تأثير التباين الشديد بين الفروق الإجتماعية الصارخة من ناحية , أو من ناحية أخرى بين خلود الآثار القديمة وتفاهة المسكن القروى , أو بين الوادى والصحراء حيث يتجاوران جنبا إلى جنب , ولكن كما تتجاور الحياة والموت .

ولذلك سوف نجد أنفسنا أمام سمات قد تبدو متباعدة أحيانا ومتناقضة أحيانا أخرى , وهذا يستدعى منا الكثير من الصبر وسعة الصدر والإحتمال لما سنعرضه عن هذه الشخصية المثيرة للإعجاب فى لقطات والمثيرة للغضب والإستهجان فى لقطات أخرى .

وقد وضع الدكتور ميلاد حنا كتابه ” الأعمدة السبعة للشخصية المصرية ” ليوضح فيه روافد تعددية وثراء وأحيانا تناقض سمات هذه الشخصية .
ووضع أيضا جمال حمدان فصلا فى كتابه شخصية مصر تحدث فيه عن تعدد الأبعاد والجوانب ( شخصية مصر , كتاب الهلال , عدد 509 , 1993 ) وخلص إلى أن الأمة المصرية أمة متعددة الجوانب , متعددة الأبعاد والآفاق , مما يثرى الشخصية الإقليمية والتاريخية … فلها بعد آسيوى وبعد إفريقى وبعد نيلى وبعد متوسطى , وكل بعد من هذه الأبعاد يترك بصمته على الشخصية المصرية بشكل أو بآخر .
الشخصية المصرية بين التكيف والتشوه :
سألنى يوما أحد أصدقائى الأجانب : كيف يعيش المصريون بمرتباتهم الهزيلة وكيف يدبرون حياتهم ونصفهم تحت خط الفقر دون أن يثوروا أو تنتشر بينهم الجريمة ؟ !!!……
وكان ردى وقتها أن المصريين لديهم قدرة هائلة على التكيف مع الظروف , ويبدو أن هذه القدرة اكتسبوها من تاريخهم الطويل فى التعامل مع أنماط متعددة من الحكام والحكومات , وتغير الظروف والأحوال التى يعيشون تحت وطأتها , فلديهم مرونة كبيرة فى التعامل , ولديهم قدرة على قبول الأمر الواقع والتكيف معه أيا كان هذا الأمر , ولديهم صبر طويل على الظروف الضاغطة والقاصمة , ولديهم أمل فى رحيل من يظلمهم بشكل قدرى لا دخل لهم فيه ( اصبر على جارك السو , يا يرحل يا تجيله داهية تاخده ) , فهم يراهنون دائما على الزمن يحل لهم المشكلات , أو تتحلل معه ( المشكلات وعزائمهم ) .

وعلى الرغم من بريق هذه القدرة العالية على التكيف فى الظاهر إلا أن عين الباحث الموضوعى يرى أنها ربما تكون عيبا كبيرا فى كثير من الأحوال , فالمصرى كثيرا ما يقبل الأمر الواقع ويغير فى نفسه وفى شخصيته وفى ظروف معيشته لكى يلائم هذا الواقع , وبالتالى لا يفكر كثيرا أو جديا فى تغيير الواقع بل يميل غالبا للإستسلام له والتسليم به إلى درجة الخضوع المذل , ولهذا عرف عن المصريين ميلهم للإستقرار وعدم التغيير , وخوفهم من الجديد , وابتعادهم عن المغامرة أو المخاطرة , ورضاهم بما هو كائن , وصبرهم السلبى على ظروف تستحق المواجهة أو التغيير أو الثورة . ويبدو أن هذه السمات مرتبطة بالطبيعة الزراعية التى ترى أن دورها فى الإنتاج الزراعى محدود ببذر البذرة وانتظار نموها دون تدخلات جذرية فى هذا النمو سوى الرعاية والإنتظار , وهذا يختلف عن المجتمع الصناعى الذى يشعر فيه الفرد ( والمجتمع ) بقدرته الكبيرة على التغيير والتوجيه والنمو .

وقد أدت محاولات التكيف المتكررة أو المستمرة مع ظروف ضاغطة وسيئة فى فترات متعاقبة إلى حدوث تشوهات فى سمات الشخصية لم ينج منها إلا قليل من الناس كانوا على وعى بهذا الأمر , أو قرروا الإمتناع عن التكيف المشوه مع ظروف مشوهة . وهذه القلة من الناس تعانى ظروفا صعبة حين تتعامل مع مجتمع وافق غالبيته على قبول الأمر الواقع – دون محاولة صادقة أو جادة لتغييره – وهذا الأمر يضع تلك الأقلية فى حالة غربة واغتراب وصعوبات حياتية كثيرة . وإذا أخذنا مثلا لذلك موضوع الرشوة , فقد انتشرت بشكل وبائى فى المجتمع المصرى حتى أصبحت من القواعد الأساسية للتعامل مع موظفى الحكومة , ويقابلها البقشيش أو الإكرامية أو الدخان فى القطاع الخاص , فإذا وجدنا شخصا شريفا يرفض هذا الأمر من منطلق أخلاقى , فإننا يمكن أن نتوقع كم الصعوبات التى سيواجهها فى حياته اليومية مع أناس تعودوا لدرجة الإدمان على الرشوة بكافة صورها . وقس على هذا الأمر كثير من الأمور . ومع هذا فقد بقى فى المصريين نماذج مشرفة فى كل مجال وفى كل مكان يقاومون هذا الإنحراف العام ويعطون الأمل بإمكانية تصحيحه يوما ما فى ظروف تصل فيه هذه النماذج إلى مراكز التأثير ( كيف ؟ ….. لا ندرى ؟ …… حيث الرموز والقوى الداعمة والراعية للفساد أو الساكتة عنه والمتساهلة فيه مازالت متشبسة بمواقعها ) .

*****
والشعب المصرى ليس شعبا ثوريا , لذلك تمر سنوات طويلة على أى ظروف غير مواتية يعيشها , وغالبا يتحرك بعوامل خارجية نحو التغيير تضغط عليه فلا يجد مناصا من الحركة , أما لو ترك لذاته فهو يميل إلى استقرار الأوضاع إلى درجة الجمود أحيانا طمعا فى الأمن وبقاء لقمة العيش حتى ولو كان أمنا ذليلا أو لقمة مرة .
ولكى يتمكن المصرى من مواصلة التكيف وتحمل ثقل الأمر الواقع ( الذى لا يسعى جديا لتغييره ) فإنه يستخدم النكتة والقفشة والسخرية سلاحا يواجه به من فرض عليه هذه الظروف , وهذه الوسائل تقوم بتفريغ طاقة الغضب , إن كان ثمة غضب , وتؤدى بالتالى إلى استقرار الأمور , أو بالأحرى إلى بقاء الوضع على ماهو عليه , رغم قسوته وضغطه وتشوهه . ولهذا نجد الحكام , أو على الأقل بعضهم , لا يضيقون بما يصدره الشعب من نكات سياسية تمسهم , لأنهم يعرفون أن فى ذلك تفريغ لطاقة الغضب الشعبى , وتأجيل لأى محاولة للتغيير .

مفتاح الشخصية المصرية : ” الفهلوه “
منذ سنوات عديدة وبالتحديد فى عام 1983 كنت أؤدى امتحان الجزء الأول من الماجستير فى الطب النفسى وتعرضت فى كلامى لتصنيف للشعوب المختلفة يعطى كل شعب سماتا مشتركة وأحيانا نمطا شخصيا عاما , ولكننى وجدت الممتحن (وهوأستاذ مصرى كبير و شهير فى الطب النفسى ) تظهر عليه علامات القلق والرفض , وحذرنى وقتها من الوقوع فى خطأ التعميم على الشعوب حيث أن كل فرد فى أى مجتمع له سماته الخاصة ونمط شخصيته , وأن هناك تفاوتات هائلة داخل كل مجتمع فيما يخص السمات والأنماط الشخصية , ولقد احترمت رؤيته واستجبت لتحذيره لعدة سنوات , ولكن مع التعامل مع مجتمعات متعددة وجنسيات مختلفة بشكل أكثر عمقا عاودنى هذا الخاطر مرة أخرى واكتشفت أن هناك الكثيرون يتفقون على أن للشعوب أنماطا وسمات مشتركة تميزها بشكل عام على الرغم من الإختلافات الفردية الكثيرة لأفرادها , وأن عوامل الجغرافية والتاريخ والسياسة والإقتصاد والدين , كل ذلك يشكل الشخصية العامة لمجتمع بعينه , وقد كتب عالمنا العظيم جمال حمدان عن ” شخصية مصر ” وكأن مصر نفسها ( وليس فقط المصريين ) كيان معنوى له سمات مميزة تفرقها عن أقطار أخرى لابد وأن لها هى الأخرى سماتها المختلفة .
وإذا كان هناك من علماء الإجتماع من ينكر وجود نمط سائد للشخصية فى مجتمع ما أو فى عصر ما إلا أن عالما مثل الدكتور حامد عمار قدم دراسة مستفيضة رجع فيها إلى العصور القديمة والمجتمعات البدائية وما كتب عنها من دراسات تؤيد أن كل مجتمع يسود فيه نمط معين للشخصية يغلب على أفراده ويظهر على السطح ويحظى بالفرض والأسبقية , وقد ضرب أمثلة لذلك من المجتمعات القديمة والحديثة نكتفى منها بذكر نماذج لمجتمعات حديثة لعلها تكون أقرب للر ؤية من غيرها , فإذا أخذنا المجتمع الإنجليزى وجدنا أن المثل الأعلى للشخصية الإنجليزيةهو نمط ” الجنتلمان ” , ومن أهم سمات هذا النمط : ضبط النفس وعدم المبالغة أو الإسراف فى التعبير , والتحفظ الشديد فى السلوك أو إظهار المشاعر , والتمسك بالشكليات , والميل إلى التلميح أكثر من التصريح , والحرص على أن تكون هناك مسافة بين الفرد والآخرين , والإحتفاظ بخط الرجعة فى كل علاقة أو صداقة , والتوفيق بين الآراء , والحرص على إظهار الإستعداد للخسارة والتنازل فى الوقت الذى يكون قد حسب حساباته جيدا وتأكد أنه الرابح , ويحرص ال” جنتلمان ” أيضا على مراعاة القانون والتقاليد الإجتماعية . أما النمط الأمريكى فهو – على العكس – يمجد الرجل العادى , ويرى أن المساواة تسبق الحرية , وهو متفائل دائما ويرى أن الغد سيكون أفضل من اليوم , ولديه نزعة إلى الظهور , والنفوذ , والقوة , والعنف , والسيطرة , ويسعى دائما إلى النجاح , ويقبل التحدى والمنافسة والصراع , ويعتمد على جهده الفردى ليشق طريقه . والشخصية الأمريكية – كما هو معروف – لا تميل إلى التعمق فى التفكير والتحليل , وتفضل الطابع العملى , والسلوك والسعى إلى كل ما يحقق منفعة , وهذا هو جوهر الفلسفة ” البراجماتية ” التى تمثل جوهر الشخصية الأمريكية
( عن كتاب المصريون فى المرآة , رجب البنا , مكتبة الأسرة 2000 ) .

*****
إذن نستطيع القول – بدرجة معقولة من الصحة – أن مفتاح الشخصية الإنجليزية هو ال
” جنتلمان ” فى حين أن مفتاح الشخصية الأمريكية هو ” البراجماتى ” , وهذه المفاتيح هى بمثابة الشفرة التى من خلالها نستطيع قراءة الكثير من أفكار وسلوكيات كل شخصية , وهى أيضا فلسفة حياة تكونت عبر ظروف جغرافية وتاريخية عميقة , فالشخصية الإنجليزية – على سبيل المثال – قد تأثرت بأخلاق طبقة الفرسان والنبلاء فى العصور الوسطى وتاثرت بطريقة حكم الملكة إليزابيث الأولى التى كانت تنتهج طريقة فى الحكم لاتتسامح فيها مع أى خطأ وتعلى من قيمة أخلاق طبقة النبلاء , وتأثرت أيضا بعصور الإستعمار وما يلزمها من حرص وحذر وتحفظ ودقة فى التعامل مع الآخر, أما الشخصية الأمريكية فقد تشكلت من مجموعة من المغامرين والمهاجرين وأحيانا المنبوذين من مجتمعاتهم التقليدية , وهؤلاء جميعا يجمعهم حلم التفوق والثروة والنجاح والنفوذ والسيطرة , وهم فى سبيل ذلك مستعدون للتضحية بأى قيمة , خاصة أن القيم فى نظرهم تنتمى إلى أخلاقيات المجتمعات التقليدية التى هجروها أو نبذتهم هى , وكأن بينهم وبين القيم التقليدية عداء خفى , وبهذا تصبح المنفعة عندهم هى الدين الأساسى وهى القيمة العليا التى تتشكل حولها كل تفصيلات السلوك وكل سمات الشخصية , ويشجعهم على ذلك ما حققته هذه الفلسفة البراجماتية من تفوق تكنولوجى ومن ثروة طائلة ومن نفوذ عالمى بصرف النظر ( نظرهم هم ) عن أى اعتبارات دينية أو أخلاقية أو قانونية .

إذن فمن المشروع أن نحاول اكتشاف مفتاح ( أومفاتيح) للشخصية المصرية يسهل علينا قراءتها وفهمها والتنبؤ بردود أفعالها , وطريقة التعامل معها وأخيرا – وهو الأهم – إصلاحها إن كان ثمة ضرورة ونية لذلك .
ومسألة مفتاح الشخصية قد استخدمها العقاد بنجاح فى عبقرياته لكى يوضح بها محور الشخصية الأساسى الذى تدور حوله ,أو تنبثق منه بقية عناصر الشخصية وتوجهاتها .

*****
وقد رأى المستشرق الفرنسى ” جاك باركن ” أن الفهلوة هى السلوك المميز للشخصية المصرية , وهو يرى ” أن هذا السلوك مكن مصر من ألا تضيع أبدا لكنه جعلها تخسر كثيرا “
( حماده حسين , روزاليوسف 30/3/2001 -3798 ) . ويصدق دكتور حامد عمار عميد التربويين المصريين على مقولة المستشرق الفر نسى محاولا قطع شوط طويل فى المسافة الشائكة بين كون الفهلوة سلوكا أنقذ مصر على طول تاريخها من الضياع , والخسارة التى ما زالت مصر تتكبدها بسبب الفهلوة , ووصل دكتور عمار فى رحلته إلى عمق رأى فيه أن الفهلوة قد توحشت وأصيبت بالسعار .
يقول دكتور عمار : ” عصور طويلة مرت لكل عصر منها سماته المميزة , وخصائصه الفريدة وألوانه الخاصة فى تلوين ملامح الفهلوة دون المساس بالأصل … والحقيقة أنه لم يكن هناك متسع من الوقت والجهد لأن يتغير الأساس … إذا كانت الفهلوة الوسيلة المثالية لبناء جسد يتجاوز به المصرى المسافة الفاصلة بين قدرته اللامتناهية على الطاعة والقبول بأقل القليل .. وبين إحساسه بالبرودة والغربة تجاه السلطة فهو مثلا يخاف منها ويطيعها .. رهبته منها تمحو قدرته على الفعل والمشاركة .. يخادعها .. يتنكر لها .. ينتقدها سواء فى نكتة أو ” قعدة فرفشة” , وغالبا ما يصل نقده إلى حد السخرية اللاذعة والتجريح . وطبقا لذلك فقد كونت خفة الظل والحداقة والشطارة والقدرة على المراوغة كوكتيل سعادة أعطى المصرى القدرة الفائقة على طى سنوات طويلة سكنها السواد والحزن .. ربما يكون هذا هو الجانب المشرق للفهلوة الذى قصده المستشرق الفرنسى ” .
أما الخسائر كما يقول حامد عمار فتبدو فى أن المصرى البسيط لم يشارك فى بناء بلده المشاركة الحقيقية وإنما ترك المهمة لفئة واحدة اختارت نوع الحضارة والعمران وبلورة القيم والأعراف , وهذا لا شك خلق نوعا من الإذعان والإستسلام مخلوطا بالمخادعة والتملق المبالغ فيه , إضافة لشئ أخطر هو أن نهمه الشديد للكلام قد فجّر طاقات لسانه ” عمّال على بطّال ” بينما أصيبت رغبته فى الفعل وبذل الجهد والعرق بالشلل شبه التام ” . ” تنزل من بيتك فى الصباح فتسمع هذا الشخص ويبدو من صوته وعباراته أنه يبيع الهواء فى زجاجة .. ولديه قدرات خاصة تمكنه من لف الفيل فى منديل .. وسحق عظام من يقف فى وجهه .. بينما هو لا يعرف ماذا يبيع .. أو من أين سيأتى بالفيل إذا كان فى جيبه منديل .. ويخاف من العتمة .. تقول فى نفسك أنه فهلوى .. وهذا حقيقى لأنه يعتمد على إحداث أكبر قدر من الضجيج والتشويش وجذب الإنتباه بتضخيم الذات لتفادى مواجهة الواقع بمشاكله المعقدة وخيوطه المتشابكة التى يتطلب حل عقدها الإجتهاد والجهد والفعل” .

وشخصية الفهلوى تراها وأنت تركن سيارتك بجانب أى رصيف أو تخرج بها فتفاجأ بأن الأرض انشقت وخرج منها شخص يقف وراءك أو أمامك ليقول لك ” تعالى .. تعالى ” ويتصرف وكأنه ينظم حركة دخولك أو خروجك , وفى الحقيقة هو يعوق حركة السيارة بوقوفه المستفز أمامها أو خلفها . وترى الفهلوى يقابلك فى الشارع أو فى أى مصلحة حكومية فيبادرك بالسلام ( وكأنك تعرفه من زمن ) ويقول لك بشكل سمج وثقيل ” كل سنه وانت طيب يابيه ” , أو يقول لك وأنت عائد من المطار ” حمدالله على السلامه يابيه ” , ومن كثرة ما ترددت هذه الكلمات فى مثل هذه الظروف وبهذه الكيفية من هؤلاء الأشخاص أصبحت ذات مدلول سلبى يجعلك تكره سماعها .

*****
والفهلوى المصرى تراه عند شبابيك تجديد رخص السيارات فى إدارات المرور يعرض خدماته عليك , وكثيرا ما يفرض نفسه عليك بتقديم مشورة لم تطلبها , والتلويح لك بقدرته على إنهاء الأوراق بسهولة وسرعة , وحمايتك من كل أنواع الروتين والبيروقراطية , وترى أخاه الفهلوى الآخر يعمل ساعيا أو عامل بوفيه فى أى مصلحة حكومية يقابلك فى مدخل المصلحة ويرى الحيرة والإرتباك على وجهك فيصطادك ويعرض عليك تخليص أو تسهيل المهمة . والنظام البيروقراطى , والتعقيدات المكتبية وشيوع الرشوة والوساطة , كل ذلك أدى إلى تنامى دور الفهلوى حتى أصبح من مكونات المنظومة الإجتماعية المصرية المعاصرة .

ولا تتوقف الفهلوة عند هذه المستويات الدنيا بل تتسلل إلى المراكز الوظيفية العليا حين يتلاعب رؤساء مجالس إدارات الشركات بالأرقام ويحولون خسائرهم إلى مكاسب ويوهمون الآخرين وربما أنفسهم بتحقيق إنجازات عظيمة , ويتصورون أن للكلام تأثير يساوى الفعل فيضعون هذا محل ذاك , وحين تتكشف الأمور ويحدث الإنهيار يلجأون للتبرير والتهرب من المسئولية والبحث عن كبش فداء من صغار الموظفين .

والفهلوى تراه فى مسئول كبير فى وزارة الصحة يؤكد أننا فى مصر قضينا تماما على شلل الأطفال ولم تسجل فى مصر حالة واحدة منذ عدة سنوات , ثم تكتشف أن هناك عدد ليس بالقليل من الحالات مسجلة بالإسم والعنوان لدى المنظمات العالمية المهتمة بالصحة والطفولة.

والفهلوة تراها فى طبل وزمر حول قدرة مصر على تنظيم أكبر مونديال للكرة العالمية وأن مصر فيها قوة جذب لا تقاوم للسائح الأجنبى ثم يتمخض الأمر عن صفر كبير تلقيه الهيئات الدولية فى وجه الفهلوى المصرى .

والفهلوى تراه يتحدث عن إمكانات مصر السياحية التى لا تبارى من وجود 40% من آثار العالم فى مصر , ومن شمس ساطعة إلى جو معتدل , ويعلن أن عدد السائحين قد وصل رقما قياسيا وهو 6 مليون سائح , ولكنك للأسف تكتشف فيما بعد أن فرنسا وأسبانيا يزور كل منها حوالى 40 مليون سائح سنويا على الرغم من افتقارهما لهذا الكم الهائل من الآثار الذى نمتلكه.

والفهلوى يعلن أن الإرهاب انتهى فى مصر إلى غير رجعة وأن الأمور أصبحت كلها تحت السيطرة , وأنه تم القبض على فلول الإرهابيين ثم تفاجأ بعدها بأيام بحدث إ رهابى مروع تتلوه حوادث أكثر ترويعا .

*****
وتظهر الفهلوة واللف والدوران بشكل صريح وفج فى فترة الإنتخابات حيث تجد الإعلانات المليئة بالأكاذيب والنفاق والوعود البراقة , وإعلانات التأييد والمبايعة التى يشارك فيها الأجنة وهم بعد فى بطون أمهاتهم ويشارك فيها الأموات الذين أفضوا إلى ربهم , وكأن سلوك الفهلوة لدى الشخصية المصرية سلوكا أبديا يسبق الميلاد ويستمر حتى بعد الوفاة . وتخلو الدعايات الإنتخابية عندنا من البرامج الموضوعية التفصيلية الجادة , وتلجأ بديلا عن ذلك إلى شعارات عاطفية أو دينية أو تاريخية يتم من خلالها خداع الناخب , ولو لم تنجح هذه الوسائل فالتزوير ومنع الناخبين من الوصول إلى اللجان الإنتخابية وسيلة سهلة لتحقيق المطلوب .

وتصل الفهلوة إلى بعض الدعاة والأدعياء حيث يميلون إما إلى تملق السلطة ( بالفتاوى الميسرة والمبررة للإستبداد والفساد ) أو تملق الجماهير ( بالروشنة الدعوية والمظهر النجومى وفتاوى التيك أواى وتسطيح الدين بما يتناسب مع ذوق مشاهد الفضائيات الذى لايحتمل ذوقه إلا نوع من التدين الخفيف الممزوج بالمتبلات والمسبوق بالسلطات والمخللات).

والإعلام فى أى بلد يفترض أنه كاشف للحقيقة وموقظ للوعى ومحرض على التغيير نحو الأفضل والأجمل والأصلح , ولكن سلوك الفهلوة حين غزا الإعلام شوه هذه الصورة حين سوق لخطاب إعلامى مزدوج ومزيف , يروج للأكاذيب , ويمدح ويهلل لكل صاحب سلطة ويمجد فيه وربما يقدسه , ويلمع أنصاف الموهوبين ويفرضهم على الناس , ويصنع نجوما وقيادات من ورق ويسوقها للجماهير المخدوعة بالبريق الإعلامى والإلحاح المتكرر , وبهذا يصبح الإعلام أداة ترويج وتدعيم لوباء الفهلوة , بل إنه يعطى لسلوك الفهلوة شرعية واحتراما على أنه سلوك مقبول وأنه ينم عن ذكاء وحسن تصرف , وتقدير للأمور , ومراعاة للظروف . والإعلام المزيف يعطى للناس دروسا عملية ومهارات فى لبس الأقنعة والتزييف , وتصبح الأصوات الصادقة والأصيلة والأمينة نشازا فى هذا الوجه أو يصبح صوتها خافتا ضعيفا وسط جوقة التهليل والتزييف .

وفى عالم المال والإقتصاد يظهر الفهلوى فى صورة مستثمر يقترض أموال البنوك أو يجمع أموال الناس تحت أى شعار , ويعطى ضمانات وهمية ويؤسس شركات ورقية , وينشر ميزانيات خادعة , وفى لحظة الموا جهة أو الإنكشاف يهرب إلى الخارج وقد سبقته الأموال عبر البنوك لكى ينعم بها هناك , ومن هنا تقلصت وضعفت قيم العمل الجاد الدؤب , وحل محلها قيم الكسب السريع بدون جهد وفى أقصر وقت ممكن وبأى وسيلة , وشعار هؤلاء ” خذ الفلوس واجرى ” , وهناك من يمكنهم من أخذ الفلوس ثم يمكنهم بعد ذلك من الجرى طالما هو سيأخذ عمولته ويكون فى الخلفية بعيدا عن المحاسبة .

وتصل الفهلوة إلى ذروتها حين تصل لمسئولين كبار يدغدغون المشاعر الوطنية والقومية بشعارات الريادة والسبق الحضارى ( أننا أبناء حضارة خمسة أو سبعة آلاف سنة وأننا رواد العالم العربى والإسلامى وأن العالم يتعلم منا ومن قادتنا الحكمة ) , ويغطون التخلف والجمود على كل المستويات بأرقام خادعة تعكس إنجازات وهمية , ويبررون الهزائم والنكسات والإنكسارات ويحولونها إلى انتصارات تاريخية تستوجب أجازات رسمية للإحتفال بها , وتمتلئ الخطب والتصريحات بالمغالطات والمبالغات والتهويلات , ويكتفى بالكلام والشعارات الرنانة بعيدا عن التخطيط العلمى والعمل الدؤب والفعل الجاد والإنجاز النوعى المتراكم .

فنحن بلد له دستور مكتوب ومع هذا تسير الحياة فى واد والدستور فى واد آخر , فالدستور اشتراكى والحياة اليومية الوالقعية والرسمية ر أسمالية , ولدينا أشكال ديموقراطية ( انتخابات نيابية ورئاسية ) ولكن الواقع ليس ديموقراطيا بالمرة , وإنما يكتفى بإطلاق صراخ وصياح وسباب فى صحف معارضة أو مستقلة دون أن يكون لذلك صدى , كأنما يكتفى بالكلام والصراخ بديلا للفعل والتغيير.

*****
وحين ينتشر الإرهاب فى العالم ويكتشف الآخرون أن غياب الديموقراطية وانتشار الفساد فى مصر والعالم العربى وراء هذه الظاهرة المهددة للعالم كله , وحين تشتد المطالبة بإصلاحات سياسية , تظهر الفهلوة المصرية فى الإلتفاف والمراوغة والتحايل , وعمل بعض التغييرات الشكلية , وإطلاق التصريحات اللفظية , وعقد بعض الندوات والمؤتمرات بهدف امتصاص الضغط الخارجى , وإبقاء الحال ( المائل ) على ما هو عليه .

والفهلوى يهتم بالشكل دون المضمون ويهتم بالكلام بديلا عن الفعل , ويمارس حالة من الإذدواجية تمكنه أن يقول مالايفعل ويفعل مالا يقول , ويمارس حالة من الخداع لغيره تنقلب بعد فترة إلى الخداع لنفسه , وبالتالى تغيب الحقيقة عن الجميع وتغيب البصيرة اللازمة للتغيير , إذا افترضنا وجود نية للتغيير , وهذا أخطر مافى سلوك الفهلوة من الناحية النفسية والإجتماعية .

وهكذا نجد أن الفهلوة لم تصبح سلوكا فرديا لدى البائعين الجائلين أو منادى السيارات على الأر صفة أو المسهلاتيه أو المشهلاتيه من السعاة وعمال البوفيه فى المصالح الحكومية , وإنما أصبح سلوكا عاما لم ينج منه أحد على أى مستوى مهما علا أو نزل , وأصبح وباءا عاما لم تخل منه طبقة من الطبقات .

والفهلوى فى التوصيف النفسى هو شخص لديه سمات سيكوباتية , وليس بالضرورة أن يكون سيكوباتيا بالمعنى الإصطلاحى المعروف , وهذا يعطيه قدرة على الخداع والمناورة , فهو كثيرا ما يبدو خفيف الظل , خفيف الحركة , يغرى بالقدرة على تخليص الأمور الصعبة والمعقدة , ويغرى بالرغبة فى المساعدة فى حل المشكلات العويصة , فكل عقدة عند الفهلوى لها ألف حل , وكل شخص عنده وله مفتاح وثمن , والفهلوى لايحل المشكلات بالطرق المعهودة من العمل والمثابرة والتفكير والتخطيط وإنما يتخطى كل ذلك ويتجاوزه ويلجأ إلى الطرق الخلفية والخفية والسريعة بصرف النظر عن مشروعيتها . والفهلوى بهذه السمات السيكوباتية يميل لأن يبدو مهذبا , وهناك تعبير ” السيكوباتى المهذب ” والذى تراه فى مستويات وظيفية أو قيادية أو سياسية عالية يتحدث بهدوء وأدب , ويعطيك شكل الأشياء دون جوهرها لأنه يعرف حرص الناس على الشكل فهو لا يصدمهم بانتزاع الشكل , فيحافظ على الظاهر قانونيا أو أخلاقيا مع الإحتفاظ بحقه فى العبث بالجوهر أو انتزاعه تماما بما يحقق مصلحته . والمحافظة على الشكل تحمى الفهلوى من المساء لة والإنتقاد وتجعله قادرا على المناورة والدفاع عن نفسه إذا حاول أحد كشفه أو محاسبته , وهذا مما يرسخ لسلوك الفهلوة ويحبط كل محاولات الإصلاح الجادة , حيث تصطدم كل هذه المحاولات بأن كل شئ تمام على مستوى الشكل , ولا تستطيع أن تثبت غياب المضمون أوتشوهه لأن الفهلوى ( أو السيكوباتى المهذب ) لديه القدرة عل المناورة والجدال , تلك القدرة التى ربما يفتقدها دعاة الإصلاح بحكم طبيعتهم المستقيمة والبريئة .

وتتبدى سمات الفهلوة فى الشخصية المصرية من خلال بعض الألفاظ الدارجة على ألسنة الناس مثل : ” إحنا اللى دهنا الهوا دوكو ” …. ” إحنا اللى خرمنا التعريفه ” …. ” إحنا اللى علمنا النمل يمشى طوابير ” … ” نعمل من الفسيخ شربات ” … ” بنفهمها وهى طايره ” …. ” حلنجى ” ….. ” بتاع التلات ورقات ” ….. ” حاوى ” ….. ” ألعبان ” ….. ” زى الزيبق” .

وعلى المستوى الفنى يكفى أن تتابع بعض المسلسلات المصرية لتكتشف أنها فى معظمها مليئة بوسائل اللف والدوران والإلتواء , وادعاء القدرة بلا قدرة , والإحتيال , والخداع , والمبالغات , والسخرية , واذدواجية الخطاب , باختصار تجد نفسك أمام سمات الفهلوة المصرية فى قالب فنى . وفنون الكوميديا تفوقت على سائر الفنون فى إبراز سمات المصرى الفهلوى فى قالب ساخر ظريف به الكثير من المبالغات والمفارقات التى تبرز السمات الفهلوية , وأكثر من نجح فى تقديم هذه الشخصية على المستوى الكوميدى هو الفنان عادل إمام حيث يمتلك ملامح وجه المصرى الغلبان ويمتلك أيضا تركيبة جسده المنهك المطحون ولكنه فى نفس الوقت يحاول التكيف مع الظروف من حوله بالسخرية أو ادعاءات البطولة الخارقة , أو التنكيت على من يقهره , أو الحيلة الذكية اللطيفة للخروج من المآزق , أو استخدام توريات لفظية تحمل معان مزدوجة أو متعددة . وربما يكون هذا هو سر تفوق عادل الإمام الرهيب حيث أنه قد هضم الشخصية المصرية تماما وأعاد إخراجها بوسائل توصيل لفظية وغير لفظية غاية فى البراعة لذلك تصل إلى الناس بسرعة البرق وتضحكهم على أنفسهم التى يرونها فى مرآته الصافية التى التقطت كل تناقضات الشخصية المصرية فى قوتها وضعفها , ولذلك لقبه المصريون بالزعيم بما يعنى أنه زعيما للكوميديا أو زعيما للفهلوة فى فنه أو زعيما للشخصية المصرية . ويليه فى هذه المقدرة على إبراز شخصية الفهلوى الفنان أحمد آدم , فهو قصير القامة و ضعيف البنية , ولكنه يحاول التعايش مع الظروف التى تقهره بتبنى روح المرح والسخرية , وادعاء الكرامة والغلبة والقدرة اللامتناهية على التاثير فى الأحداث ولكنه فى النهاية يكتشف أنه معرض طول حياته للبهدلة فيسخر من كل هذه المواقف حتى يظل واقفا على قدميه الصغيرين .

وبعد هذا الإستعراض لصور ومظاهر الفهلوة فى الشخصية المصرية وفى الحياة المصرية , نود الإشارة لدراسة مبكرة للدكتور حامد عمار عن أحوال المجتمع المصرى والشخصية المصرية ضمنها كتابا بعنوان : ” فى بناء البشر : دراسات فى التغير الحضارى والفكر التربوى ” صدر فى عام 1964 م , وفى هذه الدراسة القيمة حاول الدكتور عمار أن يحدد سمات مميزة لشخصية المصرى الفهلوى نذكر منها بإيجاز :

1- التكيف السريع والقدرة على التلون مع الموقف ونقيضه , والإدراك فى لمح البرق وفيما يشبه الإلهام بما هو مطلوب فى هذه اللحظة فيستجيب على الفور , وهو قادر على أن يعيش فى أى ظروف ويتعامل مع أى شخصية, ويتباهى بأنه يستطيع أن يلاعب ” الجن الأحمر ” ويعايش ” ملائكة السماء والأرض ” فى نفس اللحظة دون أن يجد فى ذلك غضاضة , ودون أن يتطلب ذلك منه جهدا كبيرا . ولذلك استطاع هذا النمط أن يتقبل ويساير كل تغيير , ويتعامل مع كل جديد دون ارتباك أو حيرة , ومظاهر الحياة تدل على هذه القدرة الفائقة , وإن كانت هذه المرونة والقدرة على التكيف السريع تتميز بأمرين : الأول : المرونة والقدرة على هضم وتمثيل كل جديد , والثانى : المسايرة وإخفاء المشاعر الحقيقية . وهذه النزعة هى التى أعطت للمصريين القدرة على التعايش مع حكام وولاة بلغوا غاية فى الظلم والإستبداد , ووجد المصرى أنه إذا لم يذعن فسوف يتعرض للعقاب والنقمة , ولن يجنى شيئا , فأصبح التكيف السطحى فى مثل هذه المواقف من ضرورات البقاء فى ظروف متغيرة لا ضابط لها ولا مقدر لعواقبها . ومع الزمن فإن هذا التكيف السريع الذى كان أسلوب الحماية والوقاية الذى كفل للمصريين البقاء مع التقلبات السريعة المتلاحقة , تحول إلى وصولية وانتهازية , ثم تركز فى نمط الفهلوة .
2 – النكتة المواتية : فحين تحاصر المصرى الهموم والأزمات , وتثقل عليه , وتنقلب أمامه الأمور تقلبا لم يشارك فيه , فإنه يشارك فى الأحداث بالتعليق الساخر عليها , ويطلق النكتة بعد النكتة , فيضحك , ويخفف بذلك من التوتر العصبى الذى كان يمكن أن يدفعه إلى الغضب , ويستريح بما تحققه له السخرية بالذين انفردوا بالعمل من ترضية , وتصرفه عن الواقع إلى عالم من الخيال والمرح , وهذا ما جعل أحمد أمين يقول فى كتابه الشهير ” قاموس العادات والتقاليد المصرية ” : إن النكتة كانت سلاحا مصريا يلجأ إليها المصرى ” تعويضا عما أصاب الشعب من كبت سياسى واجتماعى , وتنفيسا له من الضائقات التى تنغصه , مما يجعل الحياة أمرا محتملا . والنكتة عند المصريين تختلف عن النكتة عند غيرهم من الشعوب , فهى أولا إحدى السمات المميزة للشخصية المصرية , فهو يستمتع بتأليف النكتة والإستماع إليها حتى لو تكرر سماعه لها , وأهم الوظائف التى قامت بها النكتة المصرية هى التغطية على الموضوع , وأخذه على المحمل الهين , والإنصراف عنه انصرافا يعفى من التفكير فيه تفكيرا جديا , وكأن ” فرقعة “النكتة تكفى لإنهاء المشكلة , أو هى فى حد ذاتها حل لها ( راجع النكت السياسية فى فترات الحكم الإستبدادى وما أكثرها فى حياة المصريين وستكتشف أن النكتة كانت تصرف طاقة الغضب اللازمة للتغيير وبذلك يظل الأمر على ماهو عليه )
3 – المبالغة فى تأكيد الذات والإلحاح على إظهار قدرة فائقة : وهناك فرق بين الثقة بالنفس الناتجة عن الطمأنينة الداخلية والإدراك الواعى للقدرات والظروف من ناحية والموقف الخارجى من ناحية أخرى , وبين تأكيد الذات الناجم عن فقدان الطمأنينة , وعدم الرغبة , وعدم القدرة أيضا , على تقدير المواقف تقديرا موضوعيا , وإحساس داخلى بعدم الكفاءة , وشعور بالنقص أمام المواقف يحاول إخفاءه بالتهكم على الآخرين , أو بادعاء المقدرة الخارقة على حل العقد بما يشبه المعجزة , وإنجازها ” هوا ” , أو عمل كل شئ بالإصبع , أو حل المعضلة بجرة قلم .
ومن سمات ” الفهلوة ” المبالغة فى تأكيد الذات ( إخفاءا لشعوره بالضآلة ) وبما يعرف عادة بأنه ” القنزحة ” فى الكلام والسلوك , ولعل معظم ما نراه من البذخ فى العزائم , أو المبالغة فى تأكيد ” الكرامة الشخصية ” بمناسبة وبدون مناسبة , والإهتمام المبالغ فيه بالشكليات فى المناسبات والأفراح والمآتم , وكل ما يتصل بالمظهر أو ” واجهة الشخصية ” للفرد أو للجماعة, ليس إلا تعبيرا عن الرغبة فى تأكيد الذات , وليس غريبا أن تكون” الكلمة الحلوة ” هى التى يأسر بها المصرى غيره , وتجريح الغير و “التريقة ” عليه فى غيابه جزءا من سلوك الكثيرين , ومن يستطع أداء هذا الدور ببراعة يحظى عادة بالإعجاب , فالتهوين من قدر الآخرين ومن قيمة أعمالهم هو الجانب الآخر السلبى لتأكيد الذات , والشخص الذى ” لا يعجبه العجب ولا الصيام فى رجب ” هو وحده الذى ” يفهمها وهى طايره ” وهو الذى يستطيع أن
” يجيب الديب من ديله “
4 – العلاقة الملتبسة مع السلطة : فالفهلوى برغبته الدائمة والملحة فى تأكيد الذات يشعر فى قرارة نفسه بالسخط على الأوضاع التى توجد التمايز والتفرقة أيا كان نوعها , مهما كانت أسبابها ومبرراتها , ويتفرع من ذلك عدم الإعتراف بالسلطة أو الرئاسة , والتنكر لها فى أعماق الشعور , مع أنه فى الظاهر يبدى الخضوع ويستخدم عبارات فيها مبالغة شديدة للتفخيم ( أفندى و بيه و باشا , سعادة الباشا ) , ويلجأ إلى طقوس زائدة عن الحد للتعبير عن الإحترام , ويخفى كل ذلك الشعور بالإمتعاض , ويعبر عنه أحيانا بقوله : ” فلان عامل ريس ” أو
” عايش فى الدور “.
فالفهلوى لا ينظر إلى السلطة أو الرئاسة على أنها ضرورة من ضرورات التنظيم , يتطلبه توزيع المسئوليات وتحمل الأعباء فى التنظيم الإجتماعى أوالإدارى , ولكنه ينظر إليها على أنها قوة قاهرة يذعن لها إذعانا لما تبعثه فى نفسه من الهيبة والخوف .
5 – الإسقاط والتهرب من المسئولية : إن أهم الأسلحة التى تتزود بها شخصية ” الفهلوى ” هى عملية ” الإسقاط ” , لكى يزيح المسئولية عن نفسه ويلقيها على غيره من الناس , أو على ظروف خارج نطاق الذات تبرر ما يقع فيه من مواقف الخطأ أو التقصير ( وهو ما يعرف فى علم النفس بوجهة الضبط الخارجية حيث يعتقد الفرد أن أحداث حياته تمت بتأثير من الآخرين أو من الحظ أو من عوامل لا يملك التأثير فيها أو تغييرها – الباحث ) , وتزداد الفهلوة بازدياد القدرة على ممارسة هذه العملية النفسية , وبذلك لا يقوم الفهلوى بالعمل نتيجة شعوره الداخلى بالواجب , ولكن بدافع الطمع فى الكسب أو الخوف من العقاب , وما يقوله ويفعله هو دائما ” لحاجة فى نفس يعقوب ” كما يصفها المصريون , وليس لتحقيق الذات بالعمل الإجتماعى المنتج ( ربما يفسر هذا المحاولات المستميتة لدى المصريين للتهرب من العمل , ويؤكد هذا الإحصائية التى بينت أن إجمالى الإنتاج لدى الشعب المصرى يساوى فى المتوسط 27 دقيقة عمل يوميا لكل فرد – الباحث ) .
ومن مظاهر الإسقاط الواضحة كثرة الشكوى من الزمان والتبرم من كيد الآخرين وإلقاء التبعة فى كل مشكلة على ” الحكومة ” أو على ” البلد اللى من غير عمده ” أو على ” الإدارة ” , أو أى قوة أخرى غير الشخص أو الجماعة المسئولة .
6 – الفردية وغلبة ال” أنا ” , وعدم التوافق مع العمل الجماعى : وليس هذا من قبيل الأنانية لمجرد الأنانية , ولكنه تأكيد للذات من ناحية , وانصراف عن احتكاك الذات بغيرها من ناحية أخرى مما يعرضها لمواقف تنكشف فيها حقيقتها , أو تذوب فيها شخصية الفرد فى شخصية الآخرين . ويضاف إلى ذلك جذور العصبيات القبلية والعائلية , ونقص التربية الإجتماعية , لأن الإنسان يولد بنوازع الفردية والأنانية , ثم ينجح المجتمع أو يفشل فى عملية ” التطبيع الإجتماعى ” أى جعل الفرد يتخلى عن جانب كبير من فرديته والإندماج فى الجماعة واكتساب القدرة على التفاهم والتعاون والعمل بجدية وإخلاص مع الآخرين , وفى ظل تنظيم اجتماعى أو إدارى أو قانونى , فإذا لم تتم عملية التطبيع الإجتماعى كما يجب فإن شخصية الفهلوى تظهر وهى تجيد إظهار الموافقة , ومسايرة الآخرين والتعاون معهم , ولكنه يتخذ هذه المواقف الشكلية من قبيل المجاملة , أو الخوف من الحساب أو العقاب , فيتظاهر بالعمل مع الجماعة ولكن بلا روح ولا التزام , وهذا هو سر الشكوى من غياب ” روح الفريق ” والقدرة على العمل الجماعى فى ظل قيادة ( راجع فشلنا المزمن فى الألعاب الجماعية مثل كرة القدم خاصة على المستوى العالمى , وتذكر دائما صفر المونديال – الباحث ) , ولتحقيق هدف عام وليس لهدف شخصى , بولاء للجماعة , وفى الأمثال المصرية الكثير مما يعبر عن الروح الفردية مثل ” حصيرة ملك ولا بيت شرك ” , ويظهر ذلك أيضا فى تعبير كل فرد ” أنا عملت ” بدلا من ” احنا عملنا ” . بينما سر القوة والنجاح فى الدول الكبرى فى هذا العصر هو أنها تؤمن بروح الفريق , وبالعمل الجماعى , وبتعاون عدة أفراد معا وكأنهم كيان واحد , ينسب إليهم جميعا النجاح , وينال كل فرد فى الجماعة نصيبه من هذا النجاح الجماعى .
7 – الحرص على الوصول إلى الغنيمة بسرعة ومن أقصر الطرق دون الإعتراف بالمسالك الطبيعية : ولذلك يبحث الفهلوى دائما عن وسيلة تجعله يقفز على المراحل , ويتخطى الحواجز , باللجوء إلى الكذب أو التزوير أو الوساطة , أو الرشوة أو الغش , فإذا وجد أنه لن يصل إلى الهدف إلا بالطريق الطبيعى كغيره , وأن هذا الطريق يحتاج إلى المثابرة والصبر واتباع خطوات لابد منها , فإن الحماس للعمل ينطفئ فى لحظة , فالطالب لا يعترف بأن الإستذكار وسهر الليالى للفهم والإستيعاب هى الوسائل الطبيعية للنجاح فى الإمتحانات , والفهلوى منهم يريد أن يصل إلى النجاح بدون هذا العناء … بالغش أو بمحاولة شراء الإمتحانات ورشوة الآخرين ( أو بالدروس الخصوصية التى تصنع كائنات امتحانية تحقق تفوقا شكليا مؤقتا – الباحث ) , والعامل لا يريد أن يضيع وقته فى الإتقان والتشطيب لكى يبلغ الكمال , ولكنه يفضل ” الكلفتة ” , والجماعات التى يحركها الحماس لإقامة مشروع لا يستمر حماسها بعد ذلك لمتابعة استمرار المشروع ورعايته وصيانته .

*****
والآن نسأل أنفسنا : مالذى جعل الشخصية المصرية تصاب بهذا الداء بشكل وبائى مستعص لم ينج منه إلا القليلون ؟
يرجع معظم المفكرون والباحثون هذا السلوك إلى العلاقة السلبية للمصريين بالسلطة على مر العصور حيث تعرض المصريون على طول تاريخهم لفترات استعمار واستبداد وقهر وتسلط مما كان يفوق قدرتهم على المقاومة أو التغيير فى كثير من الأحيان , ونظرا لتكرار هذه الخبرات السلبية تعلم المصرى أسليب للتكيف والمواءمة تتضمن تحايلا على المستعمر أو المستبد , خاصة أن الحاكم فى مصر يتحكم فى ماء النيل أى فى لقمة العيش للناس , ففى مجتمع النهر يصبح الحكم مركزيا لأنه يتحكم فى شريان الحياة لسائر الناس , وهذا عكس المجتمع الرعوى الذى يعتمد على المطر وبالتالى تكون حركته وإرادته فردية ومستقلة نسبيا ويحكمه نشاط المطر الذى لا يحكمه أحد من البشر .
يقول الدكتور حامد عمار فى ذلك :” الفهلوى برغبته الدائمة والملحة فى تأكيد الذات يشعر فى قرارة نفسه بالسخط على الأوضاع التى توجدالتمايز والتفرقة أيا كان نوعها , ومهما كانت أسبابها ومبرراتها , ويتفرع من ذلك عدم الإعتراف بالسلطة أو الرئاسة , والتنكر لها فى أعماق الشعور , مع أنه فى الظاهر يبدى الخضوع ويستخدم عبارات فيها مبالغة شديدة للتفخيم ( لاحظ كثرة استخدام الألقاب الرنانة فى المجتمع المصرى : بيه , باشا , سعادة الباشا , سعادة الريس , …….. إلخ – إضافة من الباحث) , ويلجأ إلى طقوس زائدة على الحد للتعبير عن الإحترام , ويخفى كل ذلك الشعور بالإمتعاض . والفهلوى لاينتظر من السلطة المقتدرة أى نوع من الألفة أو رفع الكلفة , ويتوقع منها أن تكون على عكس ذلك , حازمة وصارمة , وكأنما ذلك من لوازم السلطة . ويرجع هذا الشعور بالخوف من السلطة أو الهيبة من أصحابها إلى الظروف التاريخية التى تعاقبت على شخصية المصرى من علاقته بالحاكم , واستجابة المحكومين , وقد وصف الجبرتى شعور الأهالى نحو الملتزم بجمع الضرائب , فكان الفلاحون يهابون الملتزم القوى , أما إذا كان ذا رحمة بهم استهانوا به واذدروه فى أعينهم وسموه بأسماء النساء ” ( عن كتاب : المصريون فى المرآه , مكتبة الأسره 2000 ) .

ويضيف الأستاذ على سالم : “نحن نباهى الأمم صغيرة السن ذات التاريخ القصير الذى لا يتعدى عدة مئات من السنين انشغلت فيها ببناء الديموقراطية , بأننا اقدم منها وننسى أننا نحكم أنفسنا منذ أقل من خمسين عاما فقط , ولابد من الإعتراف بأن مئات السنين من الحكم الأجنبى المستبد أرست فى عقولنا قواعد راسخة للفهلوة .. عقولنا مدربة على نحو شبه غريزى على الحذر من الحكومة وعمل المستحيل للإفلات منها , من قوانينها ولوائحها وتعليماتها , ثم شن حملات مضادة عليها عندما تحين لنا الفرصة , حتى الآن يداخلنا شك فى أننا نحكم أنفسنا , وفى المقابل سنجد الذين وصلوا إلى مواقع الحكم والسلطة يتوحدون على الفور بنفسية ذلك المملوك القديم المستورد من الخارج التى امتلأت أبعادها بالقسوة والحذر من هذا الشعب
” النمرود ” , وهكذا تستمر علاقات الحذر والتربص بين الحكومة والأهالى كامتداد لا واع لآليات الواقع فى الحكم الأجنبى ” ( على سالم , ” وشاح الفهلوة ” , روزاليوسف , 30/3/2001 )

وحين عاود الدكتور حامد عمّار النظر فى الشخصية المصرية فى التسعينيات وجد تحولات أخرى أكثر خطورة ذكرها فى المحاضرة التذكارية التى ألقاها فى المؤتمر العلمى السنوى لرابطة التربية الحديثة فى يوليو 1994 , حيث وجد أن مسيرة التيارات السياسية والإجتماعية والإقتصادية فى العقدين الماضيين قد أوجدت خللا ملحوظا فى فى عقيدة الإنتماء الوطنى والقومى … وكذلك اضطربت العلاقات بين الفرد والجماعات والدولة , وأدى ذلك إلى أن يكون حرص الفرد أو الجماعة متجها نحو الخلاص الذاتى , وإلى تغليب المصالح الخاصة , وإلى ولاء محلى وعشائرى ضيق , مما قد يتعارض فى كثير من الأحيان مع قيم الوطن والمواطنة الرشيدة فى إطار الحق والواجب , ومن هنا ظهرت أعراض الفساد والإفساد …. وأعان على ذلك التوجه ما ساد مصر فى فترة السبعينيات من رخاء مؤقت , وما انتهزه البعض من فرص الإنفتاح , والإستغلال والمضاربات , والأرباح السريعة المذهلة , وأوهام شركات توظيف الأموال , والبحث عن النفوذ الخاص , هى العوامل المتحكمة فى طريق القيم والعمل ….. وذلك اللهاث نحو الإستهلاك المفرط والمستفز بإعلاناته , ومظاهر الحياة اليومية , أدى إلى هشاشة العلاقات , وشيوع نمط شخصية ” الهبّاش ” الذى يخطف بسرعة بقدر ما يستطيع , ويجرى قبل أن يلاحقه حساب القانون أو حساب المجتمع …. وهكذا جاءت شخصية الهبّاش بعد شخصية الفهلوى ( نقلا عن كتاب المصريون فى المرآة لرجب البنا ) .

*****
وقد ظهر هذا الهباش فى صور كثيرة منها رجال الأعمال الذين ” يهبشون ” أموال البنوك ثم يهربون إلى الخارج , أو رجال السياسة الذين يهبشون السلطة للأبد , أو المرشحين الذين يهبشون المقاعد بشراء الأصوات علنا وبمبالغ متزايدة أمام اللجان , أو يستأجرون البلطجية مقابل ألف جنيه فى اليوم الواحد لإرهاب المواطنين , أو تسخير قوات الأمن لحساب أحد الأحزاب أو أحد الأفراد لتمنع الناس من الوصول إلى لجان الإنتخابات , أو تزوير إرادة الناخبين عند إعلان النتائج . وهناك صور أخرى على المستوى الفردى ومنها الموظف الذى لا يقضى مصلحة إلا بعد أن يأخذ مقابلا لها , وأحيانا يأخذ ويهرب , ومنها العامل أو الفنى الذى يأخذ أجرا ولا يتقن عملا , ….. , …… وهكذا نماذج عديدة فى كل مستويات المجتمع من أعلاه إلى أدناه , حتى كادت تكون شخصية الفهلوى وشخصية الهبّاش هى القاعدة , وأصبحت النماذج الشريفة المخلصة ( وهى موجودة فعلا ) تشكل استثناءات تدعو للعجب , فمثلا حين يرفض أحد ضباط حرس الحدود رشوة , يكرمه الوزير لأمانته , وكأن القاعدة المتوقعة أن يقبل الرشوة , وأنه حين رفضها قام بعمل استثنائى , وأيضا حين صدعت المستشارة البطلة
” نهى الزينى ” بكلمة الحق فى تزوير انتخابات دمنهور اعتبرها الشعب المصرى بطلة عظيمة ( وهى فعلا كذلك ) مع أن المتوقع – فى الظروف الطبيعية – أن تكون المستشارة على هذا المستوى العالى من النزاهة والشجاعة والجرأة .

ونتيجة لشيوع شخصية الهبّاش فقد انتشرت على ألسنة الناس مفردات جديدة مثل : ” هبر ” …. ” هبش ” ….. ” تسليك ” ….. ” تقليب ” ……. ” شفط ” ….. الخ .

التدين :
يبرز عنصر التدين كعنصر فاعل وأساس وشديد الأهمية فى الشخصية المصرية , وهو يكاد يكون مفتاحا مهما لفهمها ( بجانب مفتاح الفهلوة الذى برز فى العقود الأخيرة أكثر وضوحا ) , وذلك نظرا لتراكم الخبرات الدينية من الأديان المختلفة وتلاقيها وتناميها على أرض مصر , فعلى أرضها نشأت الديانات المصرية القديمة التوحيدية منها والوثنية , وانطلق موسى عليه السلام من الوادى إلى سيناء ثم عاد إلى مصر مرة أخرى وتمركزت اليهودية فى فلسطين ومصر , ولاذت مريم بوليدها عيسى عليه السلام إلى مصر ثم عادت به إلى فلسطين وتمركزت المسيحية فى فلسطين ومصر معا , ثم ظهر الإسلام فى أرض الحجاز وجاء الفتح الإسلامى على يد عمرو ابن العاص لتكون مصر بعد ذلك مركزا إسلاميا هاما حتى تلك اللحظة وخاصة مع وجود الأزهر منذ أكثر من ألف عام كأكبر جامعة إسلامية . ويصور جمال حمدان علاقة المصرى بالدين بقوله : ” ومن الناحية الدينية البحتة لم تنفصل مصر كذلك عن الحلقة السعيدة قط , سواء قبل الإسلام أو بعده . فمن الحقائق اللافتة للنظر أن مصر كانت دائما طرفا فى قصة التوحيد بفصولها الثلاثة , فمواطن الأديان التوحيدية فى فلسطين وسيناء والحجاز ترسم فيما بينها مثلثا أو سهما رأسه يشكل مماسا لمصر فى سيناء , فقد انصبت هذه الرسالات جميعا فى مصر على التوالى , وإن كانت كل فرشة منها تطغى وتغطى على سابقتها حتى سادت آخرها فى النهاية . وإلى هذا فإن مصر لعبت فى مراحل الدعوة إلى ثلاثتها دورا أو آخر , فكانت لموسى قاعدة ومنطلقا و ولعيسى ملجأ وملاذا , بينما كانت مع النبى محمد هدية ومودة” ( جمال حمدان 1993 , شخصية مصر , كتاب الهلال )

والتدين فى الشخصية المصرية مرتبط بعناصر التاريخ والجغرافيا كما رأينا , وهو مرتبط أيضا بالطبيعة الزراعية لأرض مصر , فالمصرى القديم والحديث يضع البذرة فى الأرض ويرويها من ماء النيل ثم ينتظر بزوغها ونموها وترعرعها فيرى بذلك تلك القدرة الخفية وراء كل هذا فتترك فى نفسه محبة واحتراما وتقديرا لها ورغبة محبة ومختارة فى عبادتها والتقرب إليها , ولهذا نجد إلحاح فكرة الدين والتدين على الشخصية المصرية ممثلا فى كثرة المعابد فى طول مصر وعرضها , وكثرة الرموز الدينية فى كل الآثار المصرية بشكل ملفت للنظر , فلا تكاد ترى أثرا مصريا قديما لايحمل تلك النقوش أوالرموزأ والنصوص الدينية , وكان اهتمام المصريين بالحياة الآخرة يفوق اهتمامهم بالدنيا , ولذلك نرى فى آثارهم غلبة القبور والمعابد على القصور والبيوت . باختصار نستطيع القول بأن الشخصية المصرية مشبعة بالدين فى مراحل نموها المختلفة عبر العصور .

وعلاقة المصرى بالدين علاقة حساسة وغامضة وأحيانا ملتبسة ومتناقضة , ولكنها علاقة مركزية ومحورية فى أغلب الحالات , وهى علاقة طوعية خرجت من رحم الحب للإله والمودة له حيث رآه المصرى مصدرا للنماء والدفء والرخاء لذلك كان تصور الموت إيجابيا لديه فهو سيذهب إلى إله محبوب ويحيا لديه حياة طيبة , لذلك نرى القبور عامرة بالمقتنيات والنقوش والنصوص فكأن الميت ذاهب إلى زيارة محبوب فأخذ معه مالذ وطاب لكى ينعم فى رحاب محبوبه بكل هذا حين يبعث بين يديه . وهذه العلاقة الودودة المختارة المحبة تختلف عن علاقات أخرى بالإله فى بيئات مختلفة تتسم بقسوة المناخ وصعوبة ظروف الحياة حيث تميل العلاقة أكثر إلى الرهبة والفزع والخوف من الإله .

إذن فعلاقة المصريين بالإله علاقة فيها رجاء أكثر من الخوف . وفيها ترغيب أكثر من الترهيب , ولهذا نجد المناسبات والطقوس الدينية تتحول لدى المصريين إلى احتفاليات مبهجة ومبهرجة فى غالب الأحيان , فهم قد حولوا رؤية هلال رمضان إلى احتفالية عظيمة وكذلك ليالى رمضان كانت ومازالت لهم فيها طقوس احتفالية كثيرة تفوق كثير من الشعوب الأخرى , وكذلك يحتفلون بذكرى المولد النبوى وذكرى الإسراء والمعراج , وذكرى النصف من شعبان وذكرى عاشوراء , ولكل ذكرى من هذه الذكريات طقوس وطعوم خاصة تميزها . قد يقول قائل بأن هذه الإحتفاليات إرث فاطمى جاء إلى مصر مع الفاطميين , وهذا صحيح ولكن الطبيعة المصرية احتضنت هذا الإرث لأنه وافق تركيبتها النفسية , وأضافت عليه من قريحتها التى اشتهرت قبل الفاطميين بعصور طويلة بمحبتها للإحتفاليات الدينية . كما أن علاقة المصريين بالرموز الشخصية الدينية علاقة حميمية فهم يحبون الأنبياء حبا جارفا لأشخاصهم إضافة إلى حبهم لهم كرسل يبلغون عن الله , ويحبون من تفرع من نسلهم ويقيمون لهم الموالد والإحتفاليات بشكل مبالغ فيه أحيانا , وهذا يأتى من العلاقة المحبة بالدين ورموزه من ناحية , كما يأتى من الطبيعة العاطفية للشخصية المصرية من ناحية أخرى .
وهذا الحب المتجاوز للخوف من الإله ترك فى الشخصية المصرية علاقة ملتبسة بالغيب , فالمصرى لديه ثقة هائلة بالغيب وتوقعات إيجابية منه تجعله فى حالة استرخاء وعدم استنفار أغلب وقته , فقد تعود أن يأتى النيل بالخير دون جهد شاق , وتعود على طبيعة هادئة ليس فيها برد قارس أو حر شديد أو زلازل أو براكين أو وحوش , وتعود على قدر هائل من التماسك والتكافل الإجتماعى المرتبط بالمجتمع الزراعى من ناحية والمرتبط من ناحية أخرى بالتعاليم الدينية المتواترة والمستقرة فى البيئة المصرية . وهذه الحالة تركت فى الشخصية المصرية حالة من الوداعة والطمأنينة العميقة والثقة فى الغيب وفى الآخر , وأحيانا تصل هذه الصفات إلى درجة السلبية والإعتمادية وانتظار الفرج من الغيب والعون من الله ثم من الآخر ( كثيرا ما تسمع المصريين يقولون لشخص آخر : أنا هاعتمد على الله ثم عليك )

*****
ورؤية المصرى لأى أمر فى حياته يغلب عليها الدين حتى ولو كان غير متدين , وهناك نكتة مشهورة تقول بأن أحد المصريين سافر إلى روسيا فى حقبة الإشتراكية أيام جمال عبدالناصر وكانت للشيوعية والإلحاد وقتها بريقا يجذب بعض المثقفين الحالمين بالمساواة والإشتراكية , ولما عاد هذا المصرى جلس يقول متفاخرا لصديقه : ” أنا ألحدت ” ……. فرد عليه صديقه مستنكرا : ” ياعم قول كلام غير ده ” …. فرد عليه محاولا إقناعه : ” والله العظيم أنا ألحدت” ……. فإلى هذا الحد نجد أن فكرة الدين تظل كامنة فى الأعماق حتى لدى هؤلاء الذين يدّعون غيرها , وهذا يبرز أيضا فى مواقف يفترض أنها مغايرة للدين فمثلا المطربات والراقصات كثيرا ما ترد فى كلماتهم ألفاظا دينية فيها تعظيم للإله وتعظيم للرسول على الرغم من أن الموقف يبدو متناقضا , ولكنها طبقات الدين المتراكمة بشكل تلقائى داخل النفس مثلما تتراكم طبقات الطمى التى يحملها النيل إلى أرض مصر .

وهذا يجعل الأمر يبدو ملتبسا فى أذهان بعض الناس خاصة من تربوا على الفكر الغربى الذى يفصل بين نشاطات الدين ونشاطات الدنيا , وهم يحاولون أن يضبطوا إيقاع الفكر المصرى على هذه النغمة التى تبدو عالمية فى الوقت الحالى , ولكن هذا يصعب كثيرا مع تركيبة الشخصية المصرية المشبعة بالفكرة الدينية ولا تجد مبررا لهجرها أو العمل خارج إطارها خاصة وأن هذه الفكرة لها وجود إيجابى ووجود محرك لدوافع الشخصية المصرية , وهذا عكس الصورة السلبية للفكرة الدينية فى المجتمعات الأخرى والتى ارتبطت بالقهر والطغيان والترهيب أكثر مما ارتبطت بالحب والقداسة , ومن هنا تبدو الفكرة العلمانية غريبة على الذهنية المصرية التى ترى الله فى كل شئ وتذكره حتى أثناء غنائها أو رقصها , وتتبنى المدخل الدينى فى النواحى الإيمانية ولا تكتفى بذلك بل تسحبه على كل شئ , والسبب الأساسى وراء ذلك كما قلنا هو العلاقة الإيجابية المحبة بالدين ورموزه والتى ترسخت وتأكدت فى كل المراحل التاريخية , فلم يكن للمصرى قصة صراع مع الدين أو مع المسجد أو الكنيسة بل هى فى الأغلب قصة حب جارف ملأ عليه قلبه وعقله , وأصبح شديد الإرتباط به رغبة وودا , وربما يفسر هذا كثرة المعابد والآثار الدينية فى مصر القديمة , وكثرة الأديرة والكنائس من الحقبة القبطية , وكثرة المساجد والزوايا والكتاتيب من الحقبة الإسلامية , وكثرة المقامات والأضرحة لآل البيت وللصالحين وأحيانا لأشخاص مجهولين يظن بهم الصلاح ( مجرد ظن ) ومع هذا تقام لهم الأضرحة والموالد . وهذه الأضرحة والمقامات والموالد على الرغم من الموقف الدينى ( الإسلامى خاصة ) الرافض لها إلا أن الطبيعة المصرية العاطفية المحبة تغلب على كثير من الناس فيهتمون بها ويجدون لها تبريرات تريحهم , فالدين لديهم ليس تشريعات محددة وفقط , وإنما هو علاقة عاطفية فى أغلبها لاتخضع لمنطق العقل أو نصوص الدين بقدر ما تخضع لمشاعر القلب وأحاسيسه التلقائية .

يقول الدكتور نبيل راغب : ” كذلك لعب الدين المعتدل دورا حيويا فى إشاعة البشر والتفاؤل فى حياة المصريين , لأنه أمدهم باليقين من خلال إيمانهم بالخلود والحياة الآخرة والحساب والجنة التى تعوض الفقير أو المظلوم عما قد يكون لاقاه من معاناة فى حياته الدنيا . فقد جنبته عقيدته الدينية العميقة الخوف من المجهول , والرعب من العدم , والشك فى المصير , والحيرة من الموت , حتى موت الأحياء فى نظره كان انتقالا إلى حياة ثانية زاخرة بالسعادة والخلود . وكلها عقائد ومفاهيم سرت بالبشر والبهجة والتفاؤل والمرح فى حياة المصريين ” ( نبيل راغب 1992 , الشخصية المصرية بين الحزن والمرح , دار الثقافة )

*****
وقد تميزت الحياة المصرية وإلى وقت قريب بقبول التعددية الدينية , فكان اليهود والنصارى والمسلمون يعيشون جنبا إلى جنب ويكونون نسيجا مجتمعيا متماسكا ومتعايشا , وكان للحكم الإسلامى دور كبير فى ترسيخ هذه التعددية فالإسلام بتعاليمه السمحة وصفة العالمية فيه ورفضه لكل أشكال القهر الإعتقادى أو التمييز العنصرى على أساس الجنس أو اللون أو الدين , قد رسخ لمبدأ حرية العقيدة والمساواة وحقوق المواطنة للجميع على اختلاف انتماءاتهم وتنوعاتهم فكان الولاة والخلفاء والأمراء فى الدولة الإسلامية يتخذون من اليهود والنصارى وزراء ومستشارين , وكان اليهود إلى عهد قريب يملكون مشروعات اقتصادية كانت هى الأضخم فى مصر فى ذلك الوقت مثل ” عمر افندى ” و ” صيدناوى ” و ” عدس ” و
” ريفولى ” وغيرها من المحلات والمشروعات التجارية الكبيرة , وكانوا يملكون بل ويسيطرون على تجارة الأقمشة فى حى الأزهر ذو السمت الإسلامى , وكان النصارى وما يزالون يملكون المشاريع الإقتصادية الضخمة التى يعمل فيها مسلمون ومسيحيون على السواء وبلا تمييز .

ولكن للأسف الشديد حدث بعض التحول فى هذه الحياة التعددية وكان من أسباب هذا التحول :
- الصراع العربى الإسرائيلى وما تركه من شكوك بين اليهودى المصرى وغيره من النصارى والمسلمين
- الثورة وفكرها الإختزالى البعيد عن الروح السمحة للإسلام , وضيقها بفكرة التعددية على كل المستويات
- الفكر الدينى الخليجى القادم إلى مصر مع المصريين العائدين من هناك بعد الطفرة النفطية والقائم على التصور الإلغائى أو التسفيهى أو التحقيرى أو الإستبعادى للآخر المختلف عقائديا
- المشاعر السلبية لدى بعض أقباط المهجر , وعملهم على استثارة النزعات الطائفية لدى أقباط الداخل ومحاولة الإستقواء بالخارج المسيحى فى ظروف ضعفت وتضعضعت فيها الأنظمة العربية وأصبحت قابلة للضغوط الخارجية أو مستسلمة لها توقيا لانتقام محتمل أو سعيا لمصالح تتعلق بالبقاء فى الحكم أو توريثه للأبناء
- لعبة الأمن والسياسة والدين , حيث ضعفت الأحزاب السياسية , وأصبح الأمن مخولا بحل القضايا السياسية والأمنية , وحل المشكلات القائمة بين الطوائف والإتجاهات المختلفة , وقد لجأ الأمن إلى اتباع أساليب قمعية أو أساليب غير سياسية , وأحيانا أساليب ملتوية تتسم بسياسة لى الذراع أو شد الأذن أو محاولات التجنيد أو الترويض أو ضرب تيار بآخر , كل ذلك خلف انشقاقات وعداوات ستحتاج لسنوات طويلة حتى تلتئم .

وفى السنوات الأخيرة حدث مزيد من التحول فى هذه النظرة وتلك العلاقة بالدين , وكان هذا التحول قادم من خارج مصر حمله أبناؤها الذين سافروا إما إلى الغرب المسيحى العلمانى أو إلى الشرق الإسلامى السلفى . فالذين عادوا من الغرب المسيحى العلمانى يحاولون فصل الدين عن الحياة , ويحاولون إعادة الهوية المصرية الفرعونية , ويحاولون من وقت لآخر صبغ الحياة المصرية بالصبغة الغربية فى الدين والإجتماع والثقافة , ولكنهم يواجهون بقيم دينية واجتماعية وثقافية راسخة تجعل من هذا التغيير أمرا صعبا , كما أن فئة من هؤلاء يعاونهم بعض المقيمين فى بلا د المهجر يثيرون من وقت لآخر نزعات طائفية محكومة برؤية غربية عنصرية تختلف كثيرا عن الرؤية المصرية المسالمة والمستقرة عبر العصور . والذين عادوا من الشرق الإسلامى السلفى يحاولون صبغ الحياة الدينية المصرية بالصبغة السلفية مع التقليل من أهمية اختلاف الزمان والمكان والظروف , والتركيز على الحدود الشرعية أكثر من التركيز على جوهر الدين وروحانياته , واستدعاء منهج حياة السلف بحذافيره متجاوزين – كما قلنا – أبعاد الزمان والمكان والظروف والأحوال , وداعين إلى منهج استقطابى أحادى مستبعدا للآخر أو مستهينا بشأنه , ولكنهم يواجهون باختلاف الطبيعة المصرية عن الطبيعة الصحراوية القديمة والطبيعة النفطية الحديثة , ويواجهون باختلاف التركيبة المجتمعية المصرية التى قامت منذ فجر التاريخ على التعددية الدينية وقبول الآخر كمواطن شريك والتعايش معه .

وهذان التياران القادمان من الغرب ومن الشرق يمثلان فى الوقت الحالى بذورا لنزاعات طائفية يحاول المجتمع المصرى تجاوزها والتغلب عليها ليكمل مسيرته التعددية التعايشية المتسامحة كما كان , ولكن يعوق قدرة الشعب المصرى على هذا بعض الظروف الداخلية والخارجية التى تثير العصبيات والطائفيات خاصة فى نفوس الشباب المحبط سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وتعليميا , فتؤدى هذه الإحباطات وما يصاحبها من تسخين داخلى ( غير مسئول وغير مقدر للعواقب ) وتسخين خارجى ( طامع فى تغيير خريطة المنطقة بما يخدم أهدافه ) إلى بعض الإحتكاكات والصدامات الطائفية الغريبة على المجتمع المصرى الذى تميز عبر العصور – كما ذكرنا – بتعدديته وتسامحه وتماسك نسيجه الوطنى .

المجتمع الأبوى :
ذلك هو المجتمع الذى يملك فيه الأب ( أو الكبير بشكل عام ) المال والسلطة والقرار والحكمة والمعرفة , فى حين يكون الأبناء ( أو التابعين بشكل عام ) تابعين متلقين لا يتحركون ولا يفعلون شيئا إلا من خلال الأب الذى يعرف كل شئ ويفكر بالنيابة عنهم فهو أكثر منهم خبرة ومعرفة بالحياة وأدرى بما يصلحهم , وهم لذلك يسلمون له إر ادتهم . وفى هذا المجتمع نرى إعلاءا لقيم الطاعة والإتباع والتسليم للكبار , ونرى خوفا من الإستقلال والإرادة الشخصية والإبداع والتجديد , فما هو قائم أفضل بكثير مما يمكن أن يكون ( لأنه ينتمى إلى جيل الكبار ), وليس فى الإمكان أبدع مما كان , وما فعله الأولون هو الحكمة بعينها التى يجب السير على منوالها , أما المحدثون فقد لوثتهم الأفكار والمذاهب فلا يوثق فى رأيهم ولا يطمأن إلى فعلهم .

وفى المجتمع الأبوى يصبح الزمن الماضى هو أفضل الأزمنة وتسود فكرة الزمن الجميل , ويقدس كل قديم ويحقر كل حديث , ويصبح التراث بما يحويه من ثمين وغث قانونا يحكم الحياة المعاصرة ويسقط عامل الزمان وعامل المكان وعامل الظروف المتغيرة , وتصبح كل الكتب القديمة مقدسة وتفسيراتها أيضا مقدسة والممارسات القائمة عليها مقدسة , والأشخاص المتصلين بها مقدسون , وهنا يجد العقل نفسه يتحرك وسط حقل ملغم بالمقدسات فيفضل الوقوف بديلا عن مخاطر الحركة المحاطة بآلاف المحاذير والخطوط الحمراء .

وللمحتمع الأبوى جذور عميقة فى الحياة المصرية فقد رسخ له الكهنة فى مصر القديمة ليضمنوا ولاء الناس للفرعون ولهم . ثم توالت الرسالات السماوية اليهودية والنصرانية والإسلامية والتى تحمل فى جوهرها فكرة التوحيد لله والعبودية له وحده دون سواه والتحرر من أى عبودية للبشر وتحرير العقل من أغلاله , إلا أن أهواء ومصالح رجال الدين المتحالفين مع السلطة رسخت فكرة القداسة والأبوية والطاعة المطلقة لبعض البشر كآباء أو كهنة أو حكام بأمر الله فترسخت مبادئ المجتمع الأبوى الذى يلغى الأفكار والعقول والإبداع والتطور لحساب الطاعة والإنقياد والتسليم لبشر يملك ويحكم ويفكر ويخطط بوكالة وتفويض من الله على حد زعمه أو زعم من يقدسونه . وقد تأخذ فكرة المجتمع الأبوى معنى الإحترام والتبجيل للكبار عموما ولللآباء على وجه الخصوص ( وهم بالفعل جديرين بالإحترام جزاء ماقدموه لأبنائهم ) , ولكننا هنا نتكلم على مستوى يقوم على تقديس الكبير والقديم وتحقير الصغير والحديث , وهذا يجعل الحياة تتجمد أو تتقهقر , ويجعل الناس يهاجرون دوما إلى الماضى وينسون الحاضر والمستقبل , ويجعل العبودية لغير الله , ويرسخ لفكرة الإستبداد والطغيان سواءا من الحكام أو من رجال الدين , ويصم الحرية والإستقلال والمساواة , وكلها أمراض استشرت فى المجتمع المصرى على مدار التاريخ وأفرزت الكثير من سلبياته وأفقدته مميزات أتاحها الله له من رزق وفير وطبيعة حية معطاءة وجميلة وهادئة , ونهر من أجمل وأروع أنهار الدنيا وسماءا صافية وعقولا ذكية .

*****
وساعد على ترسيخ المجتمع الأبوى وجود النهر الذى شكّل ما يسميه علماء الإجتماع بالمجتمع النهرى ( أو المائى أو الهيدروليكى ) , ذلك المجتمع الذى يحتاج إلى سلطة مركزية تدير النهر وتتحكم فى مياهه إذا فاضت أو غاضت , وهذا الأمر لا يستطيع الأفراد وحدهم القيام به نظرا لضخامته , وهذا أعطى للسلطة المركزية قوة وسلطانا يختلف بكثير عما يحدث فى المجتمعات الرعوية التى تعيش على ماء المطر وما ينبت من عشب , فهذا لا يستدعى قوة مركزية منظمة , فكل قبيلة تعيش فى منطقة وتنتظر المطر من السماء ولا توجد ضرورة لأنظمة مركزية كبيرة باستثناء سلطة شيخ القبيلة الذى ينظم علاقات أفرادها .

وفكرة المجتمع الأبوى على المستوى السياسى والإجتماعى ترسخ لحكم الفرد لأنها تعطى الحاكم كل حقوق ومميزات الأب فى حين تضع الشعب كله فى موضع الأبناء القصّر الذين يحتاجون لرعاية الحاكم ووصايته وتوجيهه , وهم بدونه لايعلمون شيئا ولا يهتدون , ولولا وجوده وحكمته وتدبيره لضاعوا وأضاعوا كل شئ , وهذا يدعم فكرة أبدية الحاكم – كما هى أبدية الأب – فالحاكم كلما استمر فى الحكم زادت قيمته وقدسيته وأصبحت حياة الرعية أمرا مفزعا بدونه , فهم تعودوا على السير ورائه واتباع خطواته والعمل برؤيته والإهتداء بحكمته. وإذا حدث ومات الحاكم فإن الرعية يشعرون باليتم الشديد , ويخرجون خلفه بالملايين يبكون
( كما حدث فى جنازة عبدالناصر مما أذهل العالم الغربى الذى لم يألف هذه العلاقة الأبوية بين الشعب وحاكمه ) , ثم إذا أفاقوا بحثوا عن حاكم ( أب ) آخر يتعلقون به إلى آخر العمر . وفى علم النفس تسمى هذه العلاقة ” علاقة والد بطفل ” , وهى علاقة مشحونة بالوصاية والتحكم والنقد أو الرعاية من جانب الوالد من ناحية , ومشحونة بالسلبية والإعتمادية ومشاعر متناقضة بين التعلق والرفض من جانب الطفل من ناحية أخرى . وهذا الوضع يختلف كثيرا عن العلاقة المقابلة فى الدول الديموقراطية حيث تكون علاقة ” ناضج بناضج ” , فكلا من الحاكم والمحكوم فى حالة نضج وتعاون متبادل وتفاهم واضح وشفّاف خال من الوصاية أو التحكم أو الإستخفاف .

العلاقة بالسلطة :
كان نجيب محفوظ شغوفا بسيرة الفتوات فى رواياته , وربما كان ذلك محاولة ذكية منه لإظهار علاقة المصريين بالسلطة ( دون مشكلات ) والتى تشبه تماما علاقة أهل الحاره بالفتوة , فهم يكرهونه ويرفضونه , ومع ذلك يداهنونه وينافقونه ويرتعدون خوفا فى وجوده , ويشكرونه على أنه سمح لهم بالعيش فى الحارة تحت حمايته , فإذا خلوا إلى أنفسهم سخروا منه وصبوا عليه الدعوات واللعنات . ولكن ربما فى مرحلة من المراحل يدخلون فى حالة التوحد مع المعتدى , فيرونه محقا فيما يفعل , وربما يضفون عليه هالات قداسة فينسبونه إلى الأشراف أو يدّعون اتصاله بنسل النبى صلى الله عليه وسلم , وهذا يريحهم ويرفع عنهم مسئولية مواجهته .

ولم يكن الفتوة يسقط بإرادة جماعية من أهل الحارة , وإنما يسقط بظهور فتوة آخر ينازعه السلطة ويبارزه بالنبوت فيهزمه , ويبايع أهل الحارة الفتوة الجديد ويصبون اللعنات على القديم , ويعود إليهم وعيهم بظلمه ومساوئه , ثم يبدأون رحلة استذلال وتملق جديدة مع الفتوة الجديد ويضفون عليه من صفات القوة والعظمة ما يجعل ذاته تتضخم إلى أن يقول بلسان الحال أو المقال : ” أنا ربكم الأعلى ” ….. ” ما أريكم إلا ما أرى ” …. ” لا أعلم لكم من إله غيرى” . ويبدو أن هذا سلوكا نمطيا فى حياة المصريين لأنه يتكرر فى كل مراحل تاريخهم تقريبا , وهذه العلاقة المتكررة بين الفتوة ( السيد – المقدس ) وأهل الحارة ( العبيد – الرعايا) تعمل على تشويه الطرفين , فهى من ناحية تنفخ فى ذات الفتوة فيتضخم ويتجاوز كل الحدود فى الإستبداد والسيطرة فيصل إلى حالة التأله و ومن ناحية أخرى تؤدى هذه العلاقة إلى سحق ذات أهل الحارة وشحنهم بالمزيد من أخلاق العبيد , ويبدو أن هذا هو لب مشكلة الشخصية المصرية , فالمصرى يدرك أنه كشخص يمتلك طاقات عقلية وابتكارية عالية , ولكنه مع هذا يفتقد الإحساس بالمواطنة والسيادة والكرامة , فيبدأ فى تسخير ملكاته لخدمة السيد المقدس فيتحول إلى ” فهلوى ” يلبى طلبات السيد ويحاول إرضاءه وإسعاده , وفى نفس الوقت يداهنه ويجاريه وربما يخدعه لكى يتجنب غضبه وقسوته , وهذه النقطة هى بداية مولد الشخصية البهلوانية أو شخصية الفهلوى , واستمرار هذه العلاقة يغذى صفات الفهلوة لدى الشخصية المصرية , تلك الصفات التى يستفيد منها الفتوة ( السيد ) ويحتقر صاحبها فى ذات الوقت , ويمجدها أحيانا بقوله : ” إن المصريين هم أفضل الشعوب , وأنهم أصحاب حضارة سبعة آلاف سنة ” , وهذا يفعله المستبد لكى يخدع المصرى بالتغنى بالماضى وبالحضارة وبالريادة حتى ينشغل بما كان عما يجب أن يكون . وهكذا يستمر الأمر ويسوء فيصدق المصرى الفهلوى هذه الدعاية فيزداد فهلوة ويتفنن أكثر فى الألعاب البهلوانية , ويهتم بالشكل دون الجوهر , المهم أن يرضى سيده ( على الأقل فى الظاهر ) , فهو يشعر أنه مجبر على إرضائه وإمتاعه ومؤانسته إن أمكن , وهو كأى مستعبد لا ينتظر سوى نظرة رضا أو كلمة استحسان من السيد . وربما نفهم بناء الأهرامات فى ذلك السياق فعلى الرغم من عظمتها الهندسية التى تعبر عن عبقرية الشخصية المصرية وإبداعها إلا أنها من ناحية أخرى تكشف عن تلك العلاقة الإستبدادية المستغلة بين الفرعون وشعبه والتى تأخذ أبعادا هى مزيج من الرهبة والقداسة والخضوع والإستذلال لشعب يقضى عشرين سنة ليبنى قبرا للفرعون المقدس , ويتكرر ذلك مع كل فرعون بصورة أو بأخرى .

يقول جمال حمدان فى كتابه ” شخصية مصر ” : ” سلبية المواطن الفرد إزاء الحكم جعلت الحكومة هى كل شئ فى مصر والمواطن نفسه لا شئ , فكانت مصر دائما هى حاكمها . وهذا أس وأصل الطغيان الفرعونى والإستبداد الشرقى المزمن حتى اليوم أكثر مما هو نتيجة له . فهو بفرط الإعتدال مواطن سلس ذلول , بل رعية ومطية لينة , لا يحسن إلا الرضوخ للحكم والحاكم , ولا يجيد سوى نفاق السلطة والعبودية للقوة , وما أسهل حينئذ أن يتحول من مواطن ذلول إلى عبد ذليل ” .

وهناك من يقول بأن النيل ( أو المجتمع النهرى ) هو أحد العوامل الكامنة خلف الطغيان فى المجتمع المصرى وليس كلها , وقد قال فى هذا المعنى بارتملى سانت هيلر :
” منذ الفراعنة كتبت على سكان مصر العبودية السياسية , وإنى أبعد ما أكون عن القول بأن النيل هو السبب الوحيد لهذا الوضع المحزن , وإنى لمدرك أن ثمة كثيرا من الناس أكثر عبودية وبؤسا دون أن يكون لديهم نيل . كل ما أود أن أقوله هو أن النظام الطبيعى لهذا النهر العظيم كان فى مصر أحد أسباب الطغيان , لقد وجد الطغيان فيه نوعا من الضرورة , وكذلك حجة وذريعة خاصة ” ( Saint Hilaire , 1857 )

وهذا الموقف ترك لدى الشخصية المصرية مجموعة من أخلاق العبيد مثل المداهنة والمسايرة والخضوع والتسليم للسيد أيا كان هذا السيد ( رئيسا فى العمل أو زوجا أو حاكما ) . ويبدوا أن المصريين من كثرة ما تعرضوا للإستعمار والإستبداد تعودوا أن يتعاملوا على أنهم رعايا لا مواطنين , فهم يكتفون ويرضون بلقمة العيش والوظيفة – أيا كانت – ولا يطمحون لحقوق المواطنة والكرامة والسيادة إلا فى المواقف التى يستفز فيها المستعمر الخارجى الكرامة الوطنية إلى درجة جارحة , هنا ينتفض المصريين لدفع هذا الإستعمار ثم ما يلبثوا أن يعودوا لسابق عهدهم الذى وصفناه .

وفى الوقت الحالى تفشت ظاهرة البلطجة ( وهى تطوير عصرى لظاهرة الفتونة ) , والبلطجى يجد طريقه ممهدا لترويع الناس وإذلالهم حين تنعدم أو تضعف الإرادة الجماعية القادرة على مقاومته , فبالتأكيد تفوق قوة الناس مجتمعين قوة أى بلطجى يهددهم ويسرق قوتهم ويذلهم ولكن الإرادة الجماعية قليلا ما تنعقد فى مواجهة البلطجى , فيلجأ كل شخص إلى إيجاد صيغة تعايش فردية مع هذا البلطجى فيتضخم الأخير ويتوحش .

وهذا الوضع قائم بوضوح فى علاقة المصرى بحكامه فى كثير من المراحل التاريخية , سواء كان هؤلاء الحكام من المستبدين الخارجيين ( الإستعمار ) أو المستبدين الداخليين ( الحكام من أبناء الوطن ) .
والخضوع أمام السلطة يقابله زيادة فى العنف البينى أو التحتى ( إزاحة العدوان , فهذا المصرى الذى يخضع لسيده , بل وينسحق أحيانا تحت قدميه , نراه يمارس عنفا مباشرا أو غير مباشر مع من حوله من زملائه أو جيرانه أو من يقصدونه لقضاء مصالحهم ( إن كان موظفا ) , وفى البيت نجده يمارس العنف ضد زوجته وضد أولاده , وكأنه يعمل على إزاحة عدوانه من السيد الذى يقهره ولا يقدر عليه ( أو لا يريد أن يكلف نفسه عناء مقاومته ) إلى أناس آخرين يجد فى نفسه القدرة عليهم , وهذا يحيل الحياة المصرية المعاصرة إلى حالة من العدوان الظاهر ( السباب والمشاجرات فى الشارع والسوق , والإعتداء اللفظى والجسدى على الزوجات والأبناء ) , والعدوان السلبى ( اللامبالاة والكسل والتراخى وتعطيل المصالح والمكايدة والتجاهل ) .

وهناك أمثلة شائعة تبين مدى العدوان السلبى الذى يمارسه المصرى تجاه من يقهره نذكر منها : ” مد له الحبل لحد ما يخنق نفسه ” ….. ” اصبر على جارك السو يايرحل ياتجيله داهية تاخده ” …. ” انصح صاحبك من الصبح للضهر وبقيت النهار ضلله ” …. ” ياكشى تولع ” … ” إن خرب بيت ابوك خدلك منه طوبة “
المجتمع المصرى بين الإستقرار والجمود :
أحد سمات هذا المجتمع هى الإستقرار النسبى عبر تاريخه الطويل مقارنة بمجتمعات عربية أخرى محيطة به , ولهذا الإستقرار أسباب سياسية وأسباب اقتصادية وأسباب اجتماعية وأسباب دينية وأسباب نفسية . فمن الأسباب السياسية مثلا حالة الإستبداد التى عاش فيها المصرى وأصبحت جزءا من حياته اليومية اعتاد عليه وأصبح لا يستنكره فضلا عن أن يقاومه , فقد ترسخ لديه فى الحقبة الفرعونية أن الحاكم مقدسا وأنه صنو الإله وأن الخروج عليه يستوجب غضب السماء , وفى الحقبة المسيحية تعلم أن يدع مالقيصر لقيصر وما لله لله , وتعلم إذا ضربه أحد على خده الأيمن أن يدير له خده الأيسر , وفى الحقبة الإسلامية فسر له الفقهاء آية ” أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم ” على أنها تستوجب الطاعة المطلقة للحاكم بأمر الله وأن الخروج على الحاكم كفر مهما كانت الأسباب , وهنا تداخلت الأسباب السياسية مع الأسباب الدينية لتهئ لحالة الإستقرار الذى تحول إلى استبداد ثم إلى جمود . فإذا انتقلنا إلى الأسباب الإجتماعية وجدنا أن الترابط الأسرى والإجتماعى الوثيق لدى المصرى والذى يدعمه تلك التركيبة العاطفية الجياشة لدى المصرى إضافة إلى الحالة الدينية التى تدعوه دائما إلى التراحم والتكافل , كل ذلك يجعل المجتمع المصرى أقرب إلى الإستقرار ويجعله عصيا على التفكك أو التناحر تحت مطارق الأزمات أو الإنشقاقات فهو غالبا ما يعود إلى ترابطه وتكافله , ولك أن تتأمل قرية تقوم بين عائلاتها مشاجرات حامية ثم تجدهم بعد أيام وقد تم بينهم الصلح أو جمعتهم مصيبة عامة أصابتهم أو أصابت قريتهم فتجد روحا من المودة والتكافل قد حلت محل الخصام والشقاق , وهذا مالا يحدث بسهولة فى مجتمعات أخرى .
وإذا جئنا إلى الأسباب النفسية نجد أن المصرى لديه قدرة هائلة على التكيف مع الظروف المختلفة ومع الأحوال المتباينة ولديه قدرة هائلة على التحمل وعلى الصبر تجعله لا يميل إلى المواجهة أو التغيير , بل ينتظر الزمن أو القدر ليغير ماهو فيه , وإلى أن يحدث ذلك يقوم هو بتكييف نفسه وضبط احتياجاته طبقا لما تسمح به الأوضاع القائمة .

والبعض يفسر الإستقرار فى المجتمع المصرى ( والذى يصل إلى الجمود أحيانا ) بأنه عائد إلى الطبيعة المعتدلة لدى المصريين فهم لا يميلون للعنف أو للتغيير السريع , ويفسر الدكتور جمال حمدان ذلك فى كتابه ” شخصية مصر ” بقوله : ” لا غرابة إذن فى أن تكون السلطة والحكم والنظام فى مصر دائما هى أكبر دعاة الإعتدال المصرى المزعوم وأشد المهللين المحبذين المزينين له ومحترفى التغنى المخادع الماكر به . ذلك لأن الإعتدال المرضى ليس فقط ضمان البقاء المطلق لهم , ولكن أيضا ضمان التسلط والسيطرة المطلقة . فمجتمع هذا النوع من الإعتدال العاجز هو مجتمع بلا صراع , هو مجتمع من العبيد أو قطيع من الأقنان . وإذا كان النظام الحاكم يباهى دائما بما يسميه الإستقرار فى المجتمع المصرى , لا سيما فى مقابل عدم الإستقرار الذى يميز معظم الدول العربية الشقيقة , فإن الحقيقة والواقع أن ذلك إنما هو استقرار الجسد الميت والجثة الهامدة , وإذا كان صحيحا أن بعض الدول العربية وغير العربية فى المنطقة تعانى فعلا من عدم الإستقرار , فإن ما تعانى منه مصر حقيقة إنما هو فرط الإستقرار “

المزاج بين الحزن والمرح :
هناك حيرة فى توصيف الشعب المصرى , فالبعض يراه شعبا حزينا امتلأ تراثه القديم بالبكائيات والجنائزيات وتراثه الشعبى وحياته اليومية يشهدان على ذلك ويؤكدانه , والبعض الآخر يراه شعبا مرحا حاضر النكته صخّاب فى الأفراح والمناسبات .

كثير من الدراسات تشير إلى أن المزاج الأساسى للشعب المصرى يميل إلى الحزن , وقد استشهدوا على ذلك بأن الحضارة المصرية القديمة تركت قبورا ولم تترك قصورا , كما طغت عليها فكرة الموت والثقافة الجنائزية التى تطيل أمد الحزن فتحيى ذكرى الميت أيام الخميس ثم الأربعين ثم السنوية , وهناك كتاب فرعونى هام هو كتاب الموتى , ….. إلخ . ولكن هذه الملاحظات ربما تصطدم أو تتناقض مع ما عرف عن الشعب المصرى من ولعه بالنكته وظهور الكثير من مظاهر المرح فى حياته ,بل وأحيانا مبالغاته فى المرح إلى حد الصخب . والحقيقة أنه لا يوجد تعارض من الناحية النفسية فمن المعروف علميا أن الحزن حين يكون كامنا بعمق فى الشخصية يمكن أن يدفع فى ظروف معينة إلى تكوين فعل عكسى فى صورة مرح , وهنا يكون المرح ثانويا أو رد فعل للحزن الكامن ويكون صاخبا حتى لا يعطى فرصة للحزن الكامن أن يظهر , وهذا ما نلحظه فى أفراح المصريين ومناسباتهم السعيدة حيث نجد مبالغة فى الصخب والفرح . وربما يكون انتشار تعاطى الحشيش وبعده البانجو فى المجتمع المصرى عائدا إلى طبيعة الحزن الكامن لديه فهو يختار المخدر الذى يخفف من حدة الإكتئاب ويعطيه إحساسا وقتيا بالمرح والفرفشة , فمن المعروف أن اختيار أى شعب للمخدر الذى يتعاطاه يرتبط بطبيعة هذا الشعب ولا يأتى الإختيار عشوائيا أو عفويا .

ويبدو أن الشعب المصرى يتسم عموما بالطبيعة العاطفية التى تميل إلى المبالغة فى الإنفعالات والتعبير عنها , فمثلا تجد عددا كبيرا يشارك فى الجنازات وخاصة جنازات الكبار والزعماء , ولقد لفت نظر علماء النفس والإجتماع جنازة عبدالناصر التى مشى فيها حوالى 5 مليون مصرى , وهذا لا يحدث فى الغرب مطلقا حيث لا يتبع الميت إلا عدد محدود من أقاربه , وعلى الجانب الآخر نرى المبالغة فى الأفراح إلى حد الترف والصخب .

والمصريون يعبرون عن حزنهم بوضوح فتجد الصراخ والعويل والنحيب فى لحظات الفقد المؤلمة , أما فى غير ذلك فتجد مزاجا حزينا ومسحة من الكآبة تميز الحياة المصرية المعاصرة بشكل عام فلا تخطئها فى العيون التى تلقاها , فالحزن لديهم أعمق من الفرح , وهم حين يفرحون يخشون لحظة هجوم الحزن الأكبر فيقولون : ” اللهم اجعله خير ” فتوقعاتهم بالحزن قائمة ودائمة ومخيفة , وهم يعتبرون الفرح لحظة عابرة سرعان ما تزول , وربما يفسر هذا صخبهم فى الأفراح والمناسبات فكأنهم يريدون أن يدفعوا تلال الحزن الجاثمة على صدورهم من خلال المبالغة فى الفرح .

*****
والمصرى لديه شعور بالإنكسار والإذلال والشعور العميق بالظلم على المستوى الفردى وعلى المستوى الجماعى , فعلى المستوى الفردى يشعر أنه يتمتع بمميزات عقلية ومهارات حياتية ومع هذا يعيش فى ضنك من العيش ويحتاج لأن يحنى رأسه هنا أو هناك لكى تستمر حياته , وعلى المستوى الجماعى هناك تباين بين حجم مصر الحضارى والثقافى وحجمها السياسى والعسكرى والإقتصادى , فهى كما يقولون دولة عظمى ثقافيا وحضاريا ولكنها ليست كذلك
( على الأقل حاليا ) على المستوى السياسى والإقتصادى والعسكرى , لذلك فالمصرى يشعر أنه وبلده أشبه بعزيز قوم ذل , ويتأكد لديه هذا الشعور كلما سافر إلى هنا أو هناك فوجد أنه لا يأخذ ما يستحقه من احترام أو تكريم أو تقدير لمواهبه , وأن جنسيته المصريه لا يعمل لها الناس ( عربا وأجانب ) أى حساب , وأنه يمكن أن تسلب حقوقه وتهان كرامته دون أن يهب أحد للدفاع عنه , لذلك فهو يرضى بما يحدث له ويلجأ إلى الصبر والشكوى إلى الله من ظلم يستشعره على المستوى الفردى والجماعى وجرح للكرامة الشخصية والوطنية من جراء التوحش الأمريكى والتبجح الإسرائيلى والإهمال العربى .

وهذا الشعور العميق بالظلم يفجر مشاعر الكآبة والدونية لدى المصرى , ويتبدى هذا فى بعض الأمثال الشعبية مثل : ” ربنا ما سّوانا إلا بالموت ” …. ” إذا شفت الفقير بيجرى إعرف إنه بيقضى حاجه للغنى ” …. ” ابن مين اللى محمول ؟ ابن اللى عندها مأكول , وابن مين اللى ماشى ؟ ابن اللى ماعندهاشى ” … ” إذا غنى أكل حية قالوا من حكمته , وإذا أكلها فقير قالوا من حموريته ” …. ” خذوا من فقرهم وحطوا على غناهم ” …. ” أبو ميه بيحسد أبو لبنية ” ….. ” عريان بيجرى ورا مقشط ” …. ويبلغ الإحساس باليأس والعدم فى قول : ” إيش تاخد الريح من البلاط ” …. ” ضربوا الأعور على عينه قال خسرانه خسرانه ” , …. هذه عينة من الأمثال اليائسة العدمية التى تعطى إحساسا مرا باللاجدوى يعقبه إحساس باليأس والحزن .

والمصرى فى كثير من مراحل تاريخه كان بين مطرقة الإستبداد وسندان الفقر , فبجانب معاناته من الفقر يضاف خوفه من الحاكم المستبد ومحاولة تملقه , وهذا يظهر فى الأمثال التالية :
” إن كان لك عند الكلب حاجه قل له ياسيد ” ….. ” القوى عايب ” …… ” اسجد للقرد فى زمانه ” ….. ” أربط الحمار مطرح ما يعوز صاحبه ” ….. ” إذا لقيت الناس بتعبد العجل حش وارميله ” ….. ” اللى يتجوز امى أقول له يا عمى ” ….

والمصرى الحديث ربما هو الشخص الوحيد القادر على العيش فى المقابر من بين خلق الله جميعا , فهو ربما لم يجد مسكنا يؤيه وهذا هو السبب الظاهر , أو أنه يشعر بألفة مع الموت والأموات , ويشعر بألفة مع الحزن ولا يجد فرقا بين حياته التعسة وموته .

ويقول الدكتور نبيل راغب فى كتابه ” الشخصية المصرية بين الحزن والمرح ( دار الثقافة 1992 ) : ” إن نصوص الأهرام , ونصوص الأكفان , وكتاب الموتى تؤلف معا المادة التى تمثل الأدب الدينى المصرى القديم ” …. ” وهذا الإهتمام الشديد بالموت أدى عبر الأجيال والعصور والقرون إلى تحكم الموتى فى الأحياء . وهذه ظاهرة خطيرة لأنها تشل عناصر القوة والتطور والإنطلاق على هذه الأرض , وتخلق حساسيات يمكن أن توقف علاج مشكلات الناس وحفظ حقوقهم , ذلك لانصراف بعض أعضاء المجتمع المصرى المعاصر عن التركيز على القضايا الدنيوية ذات الطبيعة العاجلة والملحة إلى قضايا تدخل فى نطاق العدم الذى يشل الحركة تماما ” … ” ولعل الظاهرة الفريدة التى يندر وجودها فى مجتمع آخر غير المجتمع المصرى , تتمثل فى نشر أخبار الوفيات والتعازى التى تتضمن تعبيرات الحزن والأسى والإبتهال على عدة صفحات من الجرائد اليومية دون استثناء . وهذه الصفحات هى الشغل الشاغل للكثيرين من القراء الذين يبدأون بها قراءة جريدة الصباح ” ….. ” كل هذا وغيره يدل على أن مظاهر الحزن وتقاليده وعاداته جزء لا يتجزأ من التراث الثقافى المصرى , وبرغم ما طرأ عليه من تغيرات بمرور الزمن فإن جوهره لايزال واحدا . وهذه الخاصية المتأصلة لم يخفف من رسوخها حب المصريين للمرح والدعابة وإتقان فنونهما , فهم يبكون إذا حزنوا , كما يبكون إذا فرحوا , وإذا بدا لهم أن الفرح زاد عن الحد , فإنهم سرعان ما يتراجعون عنه ولسانهم يلهج : ” اللهم اجعله خير ” . كذلك فهم يضحكون بصوت عال أكثر مما يبتسمون , ويبكون أيضا بصوت عال , ويحزنون كثيرا , ولكن قليلا ما يغضبون , وإذا غضبوا فإنهم سرعان مايصفون , ومع كل هذا فإنهم شعب محب للحياة , بل وعاشق لها , برغم كل الضغوط والظروف المحيطة التى يعانون منها , والدليل على ذلك حرصهم على الإحتفاظ على توازنهم النفسى من خلال إتقانهم لفنون الدعابة والمرح والنكتة “

*****
والمصرى يستخدم النكتة والدعابة للتخفيف من معاناته فمن خلالها يستطيع أن يسخر من المستبدين به ويهينهم ويقلل من هيبتهم , وهى وسيلة لتصريف العدوان والغضب حتى لا يتراكم لديه ويدفعه إلى الثورة , وربما يفسر ذلك تأخر الثورة عند المصريين وقلة الغضب مقارنة بمشاعر أخرى مثل الحزن والفرح على الرغم من وجود أسباب كثيرة للغضب . والنكتة والمرح عموما دفاع ضد الحزن العميق الكامن فى الشخصية المصرية, ولهذا تجد المصريين يضحكون كثيرا رغم أنهم ليسوا سعداء , وترى العكس فى شعوب أخرى لا يضحكون على الرغم من أنهم سعداء .

ويقر جوستاف لوبون بأن الظرف والمرح والتلطف من أبرز خصال المصريين القدماء . وكثيرا ما دعا أدباؤهم وحكماؤهم إلى الأخذ بأسباب البهجة والمرح فى الحياة أينما كانت وحيث وجدت . بل لم ينسوا أن يحضوا على الإبتهاج وإشاعة السرور حتى وهم فى زيارة المقابر وبين الموتى . تقول إحدى الأغنيات فى ولائمهم التى كانوا يقيمونها فى المقابر :
” متع نفسك مادمت حيا , ضع العطر على رأسك , والبس الكتان الجميل , ودلك يدك بالروائح الذكية المقدسة , وأكثر من المسرات و ولا تدع الأحزان تصل إلى قلبك , كن مرحا حتى تنسى أن القوم سيحتفلون يوما بموتك ” ( نبيل راغب 1993 , الشخصية المصرية بين الحزن والمرح )

النرجسية :
حين تتابع نشرات الأخبار فى التليفزيون المصرى أو تقرأ الصحف المصرية ستجد مثل هذه الأشياء :
- الرئيس الأمريكى يشيد بحكمة القيادة المصرية ويتبنى وجهة نظرها فى حل مشكلات الشرق الأوسط
- الأمم المتحدة تعترف بأن الدور المصرى هو الأهم فى رسم ملامح السياسة فى الشرق الأوسط
- المجتمع الدولى يشيد بتجربة الإصلاح السياسى فى مصر ويعتبرها نموذجا يحتذى
- البنك الدولى يشيد بالتجربة الإقتصادية المصرية ويعتبرها الأنجح فى التحول إلى نظام السوق
- العالم كله يتابع باهتمام شديد خطوات مصر نحو الديموقراطية وحقوق الإنسان
- تليفزيونات وإذاعات العالم تتابع خطاب السيد الرئيس وتعتبره ورقة عمل سياسى فى السنوات القادمة
- البنك الدولى يشيد بتجربة التنمية الإقتصادية فى مصر
- الإقتصاد المصرى لن يتعرض لمثل ماتعرضت له دول جنوب شرق آسيا
- مصر غير معرضة لمرض انفلونزا الطيور , وقد اتخذت الإجراءات الكفيلة بتأمين أجوائنا وموانينا ومطاراتنا ضد أى احتمال لعبور المرض

وهكذا تجد ذلك الخطاب النرجسى الذى يعطيك انطباعا بأن مصر هى محور العالم كله , وأن المصريين هم الأذكى والأقوى والأكثر حكمة وبراعة , والمحصنين ضد كل الأمراض المعدية , وأن العالم كله يقف على قدم وساق ليتابع أقوالنا وأفعالنا وتصريحاتنا , وأن كل الجهات العلمية والمؤسسات البحثية تتبع خطانا الهائلة نحو التقدم والرقى وتستفيد بتجاربنا الرائدة فى العلوم والتكنولوجيا والديموقراطية وحقوق الإنسان . هكذانرى أنفسنا , ونغنى كثيرا لأنفسنا ولمصر , ولا نرى فى الدنيا شيئا آخر يستحق الإهتمام فضلا عن الإعجاب فلدينا كل شئ , ونحن كل شئ .
هذا التضخم الذاتى يجعلنا بعيدين عن الواقع وغير قادرين على رؤية أخطائنا ومواطن ضعفنا وقصورنا , وغير قادرين على التعلم من خبرات غيرنا . وللأسف الشديد تتكرر الصدمات ولكننا – على المستوى الرسمى والإعلامى – مصرون على هذه النغمة النرجسية . وهناك متغير شديد الخطورة , وهو أن كثير من الشباب قد دخلوا فى حالة رد فعل عكسى تجاه هذه التصريحات والبيانات النرجسية , وراحوا ينظرون إلى بلدهم بشكل دونىّ يضعف انتماءهم ويجعلهم يحلمون بالهجرة إلى أى مكان وفى أقرب فرصة سانحة , وهذا رد فعل على حالة الفخر الكاذبة فى الخطابين الرسمى والإعلامى كما ذكرنا .

الثقافة السمعية :
على الرغم من تعدد الكتاب والمفكرين والمثقفين فى مصر إلا أن عادة القراءة ضعيفة جدا لدى عموم المصريين , فمن النادر أن تجد الناس وهم جالسون فى وسائل المواصلات يقرأون كتبا , وإذا وجدتهم يقرأون فهم يقرأون الجرائد , وأغلبهم يفتح الصفحات الرياضية فيها , ونادرا ما تجد شخصا يجلس على البحر تحت شمسية ويتصفح كتابا , أو تجد شخصا واجهته مشكلة حياتية أو عملية بدأ يبحث عنها بين صفحات الكتب . ولذلك تجد الثقافة المصرية فى أغلبها سماعية انطباعية انفعالية سطحية , فالناس تفضل أن تسأل فى كل شئ وفى أى شئ , وربما هذا يفسر ذلك الكم من الأسئلة الغريبة والتافهة أحيانا التى توجه لعلماء الدين أو للمتخصصين فى الطب أو غيره على شاشات الفضائيات , تلك الأسئلة التى تبين عدم بذل جهد من جانب السائل فى المعرفة عن طريق القراءة والبحث الشخصى , لذلك يسأل ( أو تسأل ) كطفل اعتمادى سلبى يريد الإجابة جاهزة لا تكلفه عناء التفكير . وفى كثير من الندوات التى تستمر لساعات وتناقش فيها موضوعات حيوية وهامة بشكل فعّال كنا نواجه بسؤال طفلى ساذج من الحاضرين : ” وما هو الحل إذن … إنكم لم تعطوننا حلولا ” , يحدث هذا على الرغم من أن كثيرا من الحلول تكون قد طرحت فى ثنايا المحاضرات أو المناقشات , ولكن المتلقى السلبى لا يكلف نفسه تجميع هذه الحلول أو التساؤل بشأنها أو بحثها والقراءة عنها فى مصادر أخرى , هو فقط يريد حلولا جاهزة يجمعها له المحاضر فى نقطة أو نقطتين بشرط أن تكون حلولا سهلة لا تحتاج منه إلى تفكير أو بذل جهد , باختصار هو يريد حلولا سحرية .

وقد كنا نعمل فى أحد المستشفيات ضمن فريق متعدد الجنسيات , كان من الملحوظ أن الأطباء المصريين يقضون وقتا طويلا مع المرضى ويبذلون جهدا واضحا ولكنهم لم يكونوا يسجلون ما يقومون به فى ملفات هؤلاء المرضى , وبما أن الإدارة كانت تتبنى المنهج الغربى لذلك كانت ترى ذلك عيبا كبيرا لأن العمل الذى لا يوثق كتابة كأنه لم يكن , وقد أخذ ذلك وقتا حتى تعود الأطباء المصريون على تسجيل ما يقومون به من أعمال حتى يمكن تقييمه بواسطة الإدارة .

وللأسف الشديد هذا يحدث لدى المصريين المعاصرين على الرغم من أن أجدادهم المصريين القدماء كانوا مهتمين بتسجيل كافة تفاصيل حياتهم على جدران المعابد وعلى ورق البردى بشكل مذهل . ويبدو أن ذلك يرجع لتقدير الإنسان لذاته فكلما ارتفع تقديرنا لذاتنا ولما نقوم به من أعمال كلما زادت دوافعنا لأن نكتب ونسجل ما نقوم به , والعكس صحيح , فيبدو أن المصرى المعاصر يشعر بضعف القيمة لذاته أو لأعماله ( لاحظ قلة أغنيات الفخر والتباهى بالمصريين فى السنوات الأخيرة ) لذلك لا يرى مبررا لكتابتها أو تسجيلها .

ضعف الإدارة الجماعية على الرغم من كثرة الكفاءات الفردية :
فهناك غياب ملحوظ فى القدرة على العمل كفريق على الرغم من وجود كفاءات فردية متميزة فى كل المجالات , ولهذا نجد بطولات وإنجازات متعددة على المستوى الفردى ( 4 جوائز نوبل وعدد كبير من الشخصيات الفذة فى كل المجالات العلمية والفنية والأدبية والسياسية والدينية ) يقابلها فشل ملحوظ فى الإدارة الجماعية . وهناك بعض التفسيرات لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم : ” إذا فتحتم مصر فاتخذوا منها جندا فهم خير أجناد الأرض ….. ” ( أو كما قال صلى الله عليه وسلم) , فقد حدد صلى الله عليه وسلم كلمة جندا , فإذا أخذناها كما هى ” جندا ” وليس
” قادة ” فيمكننا أن نفهم مالديهم من قدرات قتالية وليس قدرات قيادية , وربما يؤكد التاريخ هذا التفسير ( القابل بالطبع للإختلاف حوله كأى جهد تفسيرى بشرى للنصوص الدينية ) أن الكثير من الإنتصارات العظيمة تحققت بجند مصريين وقادة غير مصريين , فصلاح الدين لم يكن مصريا وقد انتصر على الصليبيين فى موقعة حطين , وقطز لم يكن مصريا وانتصر على التتار فى موقعة عين جالوت بجند مصريين , والأمثلة على ذلك كثيرة , وهى تعنى فى النهاية كنز من الكفاءات والقدرات والعقول الفردية , لا يقابله تميزا فى العمل الجماعى أو العمل كفريق أو الإدارة الجماعية الفعّالة , وهذا يجعل المصرى علامة مميزة حين يعمل فى نظام علمى أو إدارى جيد فى خارج بلده ثم تجده عكس ذلك فى داخل بلده .

ففى مصر دائما أزمة قيادة وأزمة إدارة , ومشكلة دائمة فى أى عمل جماعى يزيد أفراده عن شخص واحد , فما اجتمع شخصان إلا ودبت المشكلات فى العمل . وربما يرجع هذا إلى الغرام بالتفوق الفردى والبطولات الفردية والنجم الأوحد والزعيم الأوحد , ذلك الغرام الذى يجعل هم الناس الإنفراد بالمكان والمكانة , والبحث عن الشهرة والمجد الفرديين بصرف النظر عن الإنجاز العام الذى يحتاج لجهود متآزرة ومتناسقة . وقد أدى هذا الوضع إلى تأخر صعود مصر إلى ما تستحقه من مكانة على المستوى السياسى أو الإقتصادى أو الصناعى أو الرياضى , وإلى سبق كثير من الدول الأقل منها حظا فى الحضارة والملكات الفردية ( ماليزيا وتايوان وكوريا كأمثلة ) .

وحالة الفردية والتفرد تنتشر من أعلى قمة الهرم ( السياسى أو الإجتماعى أو الدينى ) لتصل إلى أدنى مستويات العمل ( الأسطى فى ورشته ) , وتمنع الإستفادة من تراكم العمل الجماعى المتناسق والمتعاون , وتمنع تكوين منظومات عمل قابلة للنمو والتطور من جيل لجيل , وهذا الغياب لتلك المنظومات يجعلنا نبدأ من الصفر فى كل مرحلة ونعيد نفس الأخطاء .

وإذا أخذنا الرياضة كمثال ( اخترنا الرياضة إيثارا للسلامة وابتعادا عن مجالات أكثر حساسية ) لوجدنا أننا كمصريين ربما نحقق إنجازات عالمية فى بعض الألعاب الفردية مثل السباحة
( عبداللطيف أبوهيف ورانيا علوانى ) , أو المصارعة ( كرم جابر ) , ولكننا نفشل فشلا ذريعا فى كرة القدم ( كلعبة جماعية تحتاج لإدارة وعمل جماعى ) رغم وجود أندية عريقة جدا لدينا .

النظام الداخلى رغم الفوضى الظاهرة :
إذا تأملت النظام السياسى أو الإدارى فى كثير من المراحل التاريخية يخيل إليك أن البلد (مصر) على وشك الضياع أو الإنهيار أو الحرب الأهلية , ولكن هذا لا يحدث على الرغم من قسوة الظروف واضطراب الإدارة . ويمكنك أن ترى مثالا مصغرا لذلك فى بعض التقاطعات فى المدن حيث يغيب شرطى المرور نتيجة لإهمال أو تراخ , ويحدث تداخل بين السيارات من الإتجاهات المختلفة وتحدث أزمة مرورية , وفجأة تجد مواطنا أو أكثر( ليس لهم علاقة بالمرور ) تطوعوا بإدارة الأزمة وبدءوا فى تنظيم حركة السيارات , وهذا يحدث فى التعامل مع الحوادث والحرائق والأزمات الكبيرة حيث تجد أن هذا الشعب الفوضوى ظاهرا أو فى أغلب حالاته قد تحول إلى طاقة هائلة ومنظمة تواجه الأزمة أو الحادث وتعوض القصور الحكومى والإدارى فى مواجهة مثل هذه المواقف .
وقد اتضح هذا فى زلزال 1992 , حيث قام الأهالى ( بعد إفاقتهم من صدمة الزلزال ) بتنظيم صفوفهم ومحاولة إنقاذ المنكوبين بكل الوسائل الممكنة , ولم ينتظروا ذلك من الحكومة فهم قد تعودوا على قصور أدائها , وفعلا نجحوا فى تقليل آثار الأزمة لحد كبير , ومن المذهل أنه بعد الزلزال ولمدة ثمانية وأربعين ساعة لم تسجل فى أقسام الشرطة جريمة واحدة , وفى هذا دلالة مهمة لا نستطيع تقديرها إلا إذا قارنا هذا بما حدث فى زلزال كاليفورنيا أو إعصار كاترينا فى أمريكا حيث انطلقت موجات السلب والنهب والفوضى فى وقت الأزمة , أو قارنا ذلك بسقوط حكم صدام فى العراق وانطلاق موجات السلب والنهب التى لم يوقفها بعد أيسابيع إلا نداءات صدرت من المساجد تدعو الناس للإلتزام بقواعد الدين الحنيف وإعادة مانهبوه إلى المساجد ليتم التصرف فيه وفق القواعد الشرعية .

نجد ذلك أيضا فى جانب الإلتزام الأخلاقى والدينى لدى أفراد هذا الشعب العجيب , فعلى الرغم من الحملات السياسية والإعلامية المضادة للإلتزام الدينى والواصمة له بالإرهاب والتطرف إلا أنك تجد الناس يزدادون التزاما وتمسكا بالدين ( على الرغم مما لديهم من تناقضات ) , ولو طفت الأرض شرقها وغربها فلن تجد التزاما طوعيا عميقا بالدين كما ستجده فى المصريين , وهذه شهادة أقولها وقد طفت بلدانا إسلامية وربما رأيت التزاما ظاهريا غالبا فى بعضها تدعمه السلطة السياسية والدينية , ولكن لا يقابله هذا الإلتزام الداخلى الطوعى العميق الذى تجده فى الشخصية المصرية .

وعلى المستوى الأخلاقى , فعلى الرغم من وجود الخمر تباع فى بعض المحلات ووجود الكباريهات والمراقص ووجود مظاهر للتحلل على هذه المستويات إلا أنك تجد غالبية الشعب المصرى لا يشربون الخمر ولا يرتادون هذه الأماكن , وهم فى داخلهم محافظون على كثير من القيم الأخلاقية التى تحلل منها آخرون , وقد تأكدت لى هذه الملاحظة من خلال ممارسة العلاج النفسى فى أكثر من مجتمع عربى فوجدت التزاما أخلاقيا ودينيا طوعيا لدى الشخصية المصرية يفوق الكثير من المجتمعات الأخرى التى تتميز بالإنضباط الدينى والأخلاقى الظاهرى.
والتفسير النفسى لذلك ربما يرجع إلى وجود منظومة دينية وأخلاقية ومجتمعية عميقة ترسبت فى نفس المصرى عبر القرون الكثيرة وشكلت حالة من النظام الداخلى والإلتزام الشخصى الذى يتجاوز الظروف الخارجية . وربما يقول قائل : إذا كانت هناك تلك المنظومة من الإلتزام والنظام والإنضباط النسبى الداخلى الرائع والذى يظهر فى وقت الخطوب والأزمات , إذن بماذا تفسر اضطراب الحياة المصرية وعشوائيتها ظاهرا ؟ ….. والجواب على ذلك يرجع إلى العلاقة الملتبسة بالسلطة فى أغلب مراحل الحياة المصرية والتى خلفت سلوكيات عدوانية سلبية تجاه السلطة وما تمثله من نظام , تلك السلوكيات التى تختفى وقت الأزمات وتختفى حين يخلو المصرى بنفسه ولا يجد ضرورة للعناد السلبى أو العدوان على السلطة بتخريب الظاهر .

نمط التفكير :
التفكير هو تلك العمليات العقلية المجردة التى تسبق الفعل .
واستعراض التاريخ المصرى يبين نماذج رائعة من المفكرين الأفذاذ فى كل المراحل التاريخية , هؤلاء المفكرون الذين أثروا الثقافة العربية وجعلوا مصر تستحق وصف ” منجم الفكر والإبداع فى العالم العربى ” .

فإذا انتقلنا من هذا المستوى النخبوى إلى مستوى رجل الشارع العادى أو حتى الطبقات المتوسطة فإننا نلحظ أن التفكير لدى المصريين يغلب عليه بعض الصفات التالية منفردة أو مجتمعة :
1 – غلبة المشاعر والإنفعالات على المنطق والموضوعية
2- الموقف الإستقطابى تجاه الأفكار الجديدة , والذى يظهر إما فى الإستسلام والتسليم الكامل لها أو فى رفضها نهائيا دون المرور على المراحل البينية فى الرؤية , وربما يعود هذا إلى النقطة السابقة من غلبة المشاعر وضعف الموضوعية
3- اللجوء للقوة أو للهجوم الشخصى للتعامل مع الأفكار بديلا عن تفنيدها ودحض الحجة بالحجة
4 – وجود الكثير من أخطاء التفكير مثل : التعميم والتهويل والتهوين والإستنباط التعسفى والتفكير الخرافى . والتفكير الخرافى بشكل خاص يأخذ مساحة كبيرة فى العقلية المصرية , وهذا يرجع إلى حد كبير إلى العلاقة الملتبسة بالغيب , فنظرا لقدم الأديان على أرض مصر وتنوعها بين أديان سماوية وأديان كهنوتية فقد تشبعت الشخصية المصرية بأفكار مختلطة عن الغيب وتأثيراته فى حياتها , لذلك تتداخل الكثير من القوى غير المرئية فى حسابات المصرى , بعض هذه القوى غيبيا دينيا وبعضها أسطوريا خرافيا , فالمصرى يولى عناية كبيرة بعالم الجن والقوى الخفية كالسحر والحسد ويعزو إليها الكثير من أحداث حياته ويفسر بها الكثير من الظواهر . وهذا التفكير الخرافى ( المتجاوز قطعا لمفهوم الغيب فى الدين الصحيح ) لا يقتصر على رجل الشارع وإنما يمتد ليشمل كثير من المستويات التعليمية والثقافية , وهذا يبعد الشخصية المصرية عن المنهجية العلمية فى التفكير وحل المشكلات , وربما يكمن هذا
( بجوار الفساد السياسى والبيروقراطية الإدارية ) وراء تراكم المشكلات وتحولها لأزمات فى جوانب كثيرة من حياة المصريين على الرغم مما حباهم الله به من موارد متعددة وطبيعة معتدلة .
5 – ضعف الجوانب المعرفية : أو كما أطلق عليها يوسف إدريس ” فكر الفقر وفقر الفكر ” , فعلى الرغم من أن رجل الشارع المصرى يتحدث كثيرا ألا أنك تلحظ على محتواه المعرفى عدة أشياء منها:
- سطحية المعلومات
- أغلب معلوماته عبارة عن انطباعات شخصية يغلب عليها الإنفعال والتحيز الشخصى
- أغلب المعلومات – إن لم تكن كلها – سماعية شفاهية . فقليلا ما يلجأ رجل الشارع المصرى العادى إلى قراءة كتاب ليحل مشكلة تواجهه وإنما هو يفضل أن يسأل أحدا
6 – أحادية التفكير : بحيث يرى الموضوع ( أو يحب أن يراه ) من جانب واحد يرتاح إليه , وهذا مرتبط بغلبة الجوانب الإنفعالية المتحيزة ومرتبط أيضا بضعف الجوانب المعرفية والمعلوماتية والتى تجعل المعلومات المتوفرة غير كافية لرؤية محيطية شاملة أو رؤية متعددة المستويات , لذلك ترى أحكام كثير من المصريين قاطعة ومطلقة , وهى أحد سمات التفكير البدائى والدوجماتى الذى ينطلق من قوالب ثابتة ولا يرى غيرها بسهولة
7- ضعف ملكة الفكر النقدى : ذلك الفكر القادر على رؤية الجوانب المختلفة لأى موضوع بحيادية وتجرد , والقادر على تجنب المنزلقات الفكرية ( تحت الضغوط السلطوية ) أو التحيزات العاطفية ( تحت ضغوط الإحتياجات الذاتية ) , أو ردود الفعل الدفاعية .
8 – ثقافة ” الكلام الكبير ” : هذا التعبير مأخوذ عن كتاب طارق حجى ” نقد العقل العربى ” , والذى يعيب علينا فيه لجوءنا إلى المبالغات السطحية والكاذبة والتى تعزلنا عن حقائق الأمور وعن الرؤية الموضوعية , فنحن نتعامل مع تاريخنا الماضى بحسناته وسيئاته بالكلام الكبير ونهاجر إليه بعيدا عن الفعل الواقعى الآنى والمسئول والمثابر , ونحن نتحدث عن أنفسنا بكلام كبير يعطينا تصورا أسطوريا عن قدراتنا وإنجازاتنا ونجاحاتنا ثم نكتشف عند مواجهة الواقع أننا كنا واهمين . وهناك أمثلة عديدة لهذا الداء فى حياتنا وآثاره المدمرة , نذكر منها إحساسنا بالزهو والإنتفاخ وإطلاقنا للتصريحات العنترية الفارغة قبل حرب 1967 ثم هزيمتنا النكراء بعد ذلك , وأيضا كلامنا عن انتصاراتنا الرياضية وأغانينا عنها رغم تواضع مستوانا وإنجازاتنا فيها , وكلامنا عن مصر واحة الأمن والأمان فى الوقت الذى تعددت فيه أعمال العنف والبلطجة والإرهاب , وكلامنا عن نزاهة الإنتخابات فى الوقت الذى شهد القاصى والدانى بما حفلت به من أعمال تزوير وبلطجة ومنع الناخبين من الإدلاء بأصواتهم بواسطة حوائط عسكرية من قوات الأمن المركزى ( وهذا ما شهد به القضاة الشرفاء فى تقاريرهم وتصريحاتهم ) . هذا الكلام الكبير يعزلنا عن الحقيقة ويخدر أحاسيسنا ويجعلنا نعيش فى وهم نصحو منه على كوارث محققة . وفى هذا يقول نزار قبانى :

مقتلنا يكمن فى لساننا
فكم دفعنا غاليا ضريبة الكلام
……………………………….
إذا خسرنا الحرب – لا غرابة
لأننا ندخلها بكل ما يملك الشرقى من مواهب الخطابة
بالعنتريات التى ما قتلت ذبابة
لأننا ندخلها بمنطق الطبلة والربابة
……………………………….
لقد لبسنا قشرة الحضارة
والروح جاهلية

وجهة الضبط الخارجية : ( الهروب من المسئولية الشخصية ووضع الأشياء على شماعات خارجية )
وهذه أحد السمات البارزة والمشكلة فى الشخصية المصرية حيث ترى فى أغلب الأحوال أن ما حدث هو نتيجة للحظ أو الصدفة أو القدر أو تأثير أو تقصير أشخاص آخرين , وهذا الإسقاط يريح الشخص ويجعله يشعر أنه غير مسئول عن شئ , ولكنه فى ذات الوقت يعطل نضجه ونموه ويجعل مشاكله تتراكم لأنه لا يوجد شئ يفعله طالما هو غير مسئول , ويجعل الأمور تسير على نحو غامض وضبابى فليست هناك علاقة واضحة –فى وعى المصري – بين العمل والنجاح أو بين الإجتهاد والإنجاز , لذلك حين يريد النجاح والإنجاز فهو يكتفى إما بالتوجه إلى الله بالدعاء أو التوجه إلى أشخاص ذوى نفوذ يتملقهم ويطلب رضاهم , وإذا فشل فى تحقيق أهدافه فالسبب فى ذلك يأتى من هنا أو من هناك ولكنه ليس منه وبالتالى فليس لديه شئ يفعله ليغير النتيجة غير الإنتظار حتى تتعدل الظروف أو تتحسن الأحوال . وهذاالموقف هو عكس وجهة الضبط الداخلية التى تكون لدى الشخصيات الناضجة والشعوب الناضجة التى ترى أنها مسئولة مسئولية مباشرة عن نجاحها أو فشلها وترى أن ما يحدث لها هو نتيجة لما تقوم به من أفعال , وأنها تملك السيطرة على حياتها , وأن هناك قوانين واضحة ومحددة للنجاح وللإنجاز , وأن تفكير وجهد الإنسان اليوم هو الذى يصنع الغد

سمات المنحدر : تسير الشخصية المصرية على منحدر فى بعض من سماتها حيث يبدأ المنحدر فى أعلاه بصفة إيجابية ثم يتدرج إلى أن يصل إلى صفة سلبية , وفيما يلى بعض الأمثلة :

1 – من التسامح إلى التساهل إلى التسيب : الشخصية المصرية بطبيعتها الزراعية
تميل إلى التسامح , ففى البيئة الزراعية لاتوجد حاجة للإنضباط الصارم فالأخطاء لاتؤدى لكوارث بل يمكن تلافى آثارها دائما . يضاف إلى ذلك الطبيعة الدينية للمصريين والتى تدعو غالبا إلى التسامح , كما أن الإرتباطات الأسرية والإجتماعية القوية تشجع دائما على التسامح خاصة مع الأهل والأصدقاء والجيران وغيرهم . وفى ظروف معينة نجد هذه الصفة الإيجابية – وهى التسامح – تتحول تدريجيا إلى حالة من التساهل مع الآخرين فى ظروف العمل أو فى الأخطاء التى يرتكبونها , فهناك ميل دائما للعفو والتساهل , وهذا الميل يصل فى النهاية إلى حالة من التسيب تترك آثارا سيئة على الإنضباط والإلتزام المطلوب لنجاح أى عمل .
2 – من الكرم إلى الإسراف إلى البذخ إلى السفه :
ربما تكون وفرة الطعام فى مراحل معينة من تاريخ المصريين قد خلقت لديهم صفة الكرم فالنهر بما يفيض به من خيرات يعطى حالة من الطمأنينة للناس تشجعهم على الإنفاق دون خوف . ورغم تغير الأحوال بالنسبة لجموع المصريين وحالة الشح التى يعيشها أغلبهم إلا أن صفة الكرم مازالت موجودة , وقد تتحول عند البعض إلى حالة من البذخ والسفه , فنجد أنه رغم الظروف الإقتصادية الصعبة ينفق الناس بسفه فى الأفراح والحفلات , ويكلفون أنفسهم مالايطيقون وربما يستدينون فى سبيل الظهور بمظهر الأثرياء , ويطلق المصريون على هذا أوصاف مثل : ” العنطزة ” … و ” الفشخرة ” ….. و ” الأنزحه ” , ولديهم أمثلة شعبية دالة على ذلك مثل : ” الصيت ولا الغنى ” ….. ” من بره هلا هلا ومن جوه يعلم الله “
3 – من المطاوعة إلى المسايرة إلى الخضوع :
المصرى لا يميل إلى التصلب أو العناد بل هو أقرب للمرونة والمطاوعة , وربما يؤكد هذه الصفات انتشار كلمة ” ماشى ” على ألسنة المصريين , وهى تعنى ميلهم الغالب للموافقة , حتى ولو كانت لديهم بعض التحفظات فهم دائما قادرون على التجاوز والتساهل والتنازل . وفى مجلس الشعب الذى يفترض فيه المناقشان والإعتراضات والتحفظات على قرارات الحكومة , إلا أننا نجد أن كلمة موافقة هى السائدة طول الوقت تقريبا على لسان رئيس المجلس ( حتى أصبحت مثارا للعجب والتهكم فى الصحف والمجلات ) وأحيانا يقولها رئيس المجلس دون أن يدقق فى عدد الموافقين والمعترضين , وكأنه يعلم أن عدم الموافقة غير وارد بالمرة . وصفة المرونة والمطاوعة كثيرا ما تتحول إلى حالة من المسايرة حيث يلغى الشخص خياراته لحساب الآخر خداعا ( خذه على قد عقله ) , أو تكيفا ( اربط الحمار مطرح ما يعوز صاحبه ) أو يأسا وضعفا ( هو احنا ها نغير الكون ) ( ما يقدر على القدره إلا اللى خالقها ) أو سعيا نحو الراحة السلبية ( كبّر ) … ( نفّض ) …. ( فوّت ) ….. ( طنّش ) …. ( عدّيها ) . وإذا زادت الضغوط
( خاصة إذا كانت تحمل بصمة سلطوية ) فإن خيار الخضوع – لا المواجهة – يصبح أكثر احتمالا , والخضوع هنا يلبس مسوح الحكمة أو تقدير الظروف , أو الحفاظ على لقمة العيش , أو تربية العيال . وأحيانا يلبس الخضوع رداءا دينيا ( يعضده علماء السلطة ) يدعو إلى طاعة أولى الأمر وجعلها ردفا لطاعة الله وطاعة الرسول . وفى مرحلة تالية قد يتبنى الشخص المطيع أو المساير أو الخاضع خيارات المتحكم فيه ويقنع نفسه بوجاهتها وأهليتها للإتباع , وهذا ما يطلق عليه : ” التوحد مع المعتدى ” , فنجد المصرى يبرر آراء المستبدين به ويتبناها وربما يروج لها , ولا ينجو من هذا المصير غير أصحاب البصيرة القوية ومن لديهم القدرة على الفكر النقدى بعيدا عن الإنزلاقات الدفاعية أو التحيزات الوجدانية .
4 – من حب الإستقرار إلى فرط الإستقرار إلى الجمود :
لقد فرض نهر النيل وما أرساه من طبيعة زراعية مستقرة على شاطئيه حالة من الإستقرار المعيشى جعلت المصريين يميلون للمحافظة عليها والتمسك بها حتى أصبحت هذه الحالة جزءا من سماتهم الأصيلة لقرون طويلة حتى تحولت مع الوقت إلى حالة من فرط الإستقرار , وفى كثير من الأوقات إلى حالة من الجمود , على اعتبار أنه ” ليس بالإمكان أبدع مما كان ” ……… ” اللى نعرفه أحسن من اللى ما نعرفوش ” ….. ” من فات قديمه تاه ” …… ” من طلع من داره اتقل مقداره ” . وسمة الإستقرار ( التى تحولت إلى فرط الإستقرار ثم إلى الجمود) تحظى بحفاوة وتشجيع ممن حكموا مصر على مر العصور , وهم يجعلونها مصدرا للفخر لدى شعوبهم , لأنها فى النهالية تصب فى مصلحة الحاكم الذى يريد أن تبقى الأوضاع على ماهى عليه .
5 – من الصبر إلى الرضى بأقل القليل إلى قلة الحيلة إلى التسليم :
يعتبر الصبر أحد السمات الواضحة فى الشخصية المصرية , والصبر هو احتمال الشئ الصعب على مضض , وهو لدى المصرى مرتبط بالمفاهيم والتصورات الدينية التى تعلى من قيمة الصبر وتعد الصابرون بالجنة ” فاصبر صبرا جميلا ” ….. ” إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ” , ومرتبط أيضا بالبيئة الزراعية التى تعودت أن تضع البذرة وتنتظر النتيجة بعد شهور عديدة ويصبح الإنتظار حتميا حين لا يكون بالإمكان تعجل الحصاد , ويصبح الوقت متمددا مرتخيا , ويصبح إيقاع الزمن بطيئا , ولهذا تتعود النفس على التحمل والإنتظار , وبطء الإيقاع دون تذمر أو ثورة . وإذا كان الصبر هو التحمل وضبط النفس على مضض فإن الإنسان المصرى يتحول مع طول الصبر إلى حالة من الرضا قد يسعى إليها سعيا أو يضطر إليها اضطرارا , وهو لا يعدم نصوصا دينية تعلى من قيمة الرضا لديه ” من رضى فله الرضا ” …… ولا يعدم من الأمثال الشعبية مايؤيد هذا المعنى ” من رضى بقليله عاش ” .
وشيئا فشيئا يتحول الصبر إلى صبر سلبى يعانى منه المصريون دون أن يفعلوا شيئا لتغيير واقعهم , ثم يتحولون إلى حالة من الرضى بالفتات يفقدوا معها الدافع للنمو والحركة والتطور , ثم يصلوا إلى حالة من قلة الحيلة وفقد القدرة على التغيير تنتهى بحالة من التسليم أو الإستسلام للأمر الواقع .
وقد يكون الصبر السلبى والرضى بالدنية وقلة الحيلة والإستسلام للأمر الواقع , دفاعا ضد الشعور بالمسئولية تجاه الواقع المتردى ومحاولة تغييره , حيث تعطى هذه المفاهيم فرصة للشخصية أن تسترخى وتستسلم تحت وهم مبادئ برّاقة خاصة إذا أخذت قيمة دينية هامة , وفى هذه الحالة لا يفطن الشخص إلى الفروق بين الصبر الإيجابى المسئول والتحين للحظة المناسبة للتغيير للأفضل وبين الصبر السلبى المستسلم والمتواكل .
6 – من المرح إلى الصخب إلى الفوضى :
رغم الحزن الكامن فى أعماق الشخصية المصرية والذى تؤكده كثير من عادات وطقوس وأدبيات المصريين خاصة فيما يختص بالموت وفراق الأحباب والأحزان الممتدة ( الخميس والأربعين والسنوية , والطقوس والأدبيات الجنائزية , والتعديد على الموتى وذكرهم لسنوات طويلة , والمواويل المصرية الحزينة على صوت الناى الأشد حزنا ) , إلا أن عين الفاحص لا تخطئ مظاهر الفرح أيضا لدى المصريين , وربما يكون للفرح تاريخا طويلا مع المصريين فهم تعودوا الإحتفال بأعياد الحصاد , وتعودوا الإحتفال بالنيل كل عام , وتعودوا الإحتفال بمولد ملوكهم , وتعودوا الإحتفال بأفراح زواجهم , وغيرها من المناسبات المتعددة , ولهم طرائق متعددة فى كل احتفال تدل على ولعهم بالفرح والمرح بشكل لافت للنظر إذا ما قورنوا بشعوب أخرى لا تملك هذا التعبير الواضح للفرح فى مناسبات كثيرة . وقد يكون المرح لدى المصريين هو الوجه الآخر والطبيعى المواجه والمعادل للحزن فى هذه الشخصية ( وفى الإنسان عموما ) , وقد يكون رد فعل أو تكوين عكسى ( Reaction Formation )على الحزن الكامن فى الأعماق . وحين يتحول المرح إلى صخب ( كما هو الحال فى الأفراح والموالد وكل المناسبات ) فإن هذا يؤكد فكرة رد الفعل أو التكوين العكسى , وكأن المصرى يحاول أن يبالغ فى فرحه ليهرب من الحزن الكامن بداخله .
وشيئا فشيئا يتحول المرح إلى فوضى حيث تنطلق الميكروفونات بالأغانى والوسيقى فى كل فرح وفى كل قهوة أو كافيتريا , وفى كل رحلة أو معسكر , وفى كل نادى أو باخرة نيلية , دون اعتبار لعوامل الراحة أو السكن لبقية الناس , فمظاهر الفرح تفرض على الجميع قهرا وقسرا بأشكالها المعتدلة والفجة على السواء .
7 – من حب الحياة إلى الترف إلى الراحة إلى الكسل :
لا شك أن المصريون شعب محب للحياة , وقد ترسخ لديهم هذا الشعور كنتيجة لما أفاء الله عليهم من خيرات جاءت مع فيضان النيل , فعاشوا يمرحون على ضفافه ويستمتعون بخيراته , وسط بيئة خضراء , وطبيعة معتدلة , كل ذلك أعطاهم فرصة لممارسة الرياضات المختلفة , وإنتاج الفنون الجميلة والإستمتاع بها , وكانت طبيعة الحياة فى كثير من العصور تدعو إلى الراحة والرفاهية والترف , فماء النيل يروى الأرض بجهد بسيط ومحتمل , والأرض خصبة تجود بالخيرات , والطبيعة سمحة ومعتدلة وهادئة , والإستقرار شبه دائم .
هذا الأمن الغذائى والإعتدال البيئى أعطى فرصة للشعور بالراحة الذى يصل فى بعض الأحيان إلى حالة من الطمأنينة الزائدة التى تدعو إلى الكسل والتراخى .

والتحول عبر صفات المنحدر ليس حتميا لدى كل المصريين فبعضهم يأخذ من المتصل أعلاه فيحتفظ بالسمات الإيجابية دون تحول إلى الدرجات السلبية الناشئة عن تشويهها , ولكن الملحوظ أن نسبة غالبة من المصريين قد انزلقت أقدامهم إلى درجات أدنى على المنحدر فتحولت كثير من الصفات الإيجابية إلى صفات سلبية دون الإنتباه إلى ما حدث , أو قد يحدث الإنتباه ( أو التنبيه ) دون إرادة حقيقية للتغيير .

العلاقة بالوقت :
نظرا للطبيعة الزراعية المتغلغلة فى الشخصية المصرية نجد هناك علاقة بالوقت تتسم بالتراخى وفرط الطمأنينة , فالمصرى القديم – كما ذكرنا – قد تعود على أت يبذر البذرة ثم ينتظر نموها بعد فترة غالبا تطول لشهور وليس مطلوبا منه شيئا غير بعض الرعاية البسيطة حيث أن خصوبة الأرض نتجة مايجلبه النيل من طمى وسهولة الرى تجعل عملية الزراعة أكثر بساطة وأقل عناءا . وهذا يعطى للمصرى إحساسا بالطمأنينة وامتداد الزمن فلا داعى للعجلة حيث أن الأمور ستأخذ وقتها مهما حاولنا استعجالها , وهذا الشعور الممتد بالزمن يجعل مسألة الإلتزام بالمواعيد عملية صعبة لدى كثير من المصريين . وهذا بالطبع يختلف عن المجتمعات الصناعية التى تشعر بقيمة الوقت وتسارعه فالوقوف أمام الآلة يستلزم يقظة وانتباها , كما أن دولاب العمل الصناعى بما فيه من ارتباطات دقيقة تفرض على المجتمع التزاما شديدا بالوقت .
فنحن فى أغلب الأحوال فى مصر أمام ما يسمى بالنمط الفلاحى فى الحياة وهو يتسم بطول البال والتراخى والصبر السلبى وانتظار الفرج يأتى من السماء دون جهد بشرى يبذل أو بأقل جهد , ويرسخ لهذا النمط الفلاحى أقوال وأمثال مثل ” طولة البال تبلغ الأمل ” … ” اللى ما يتعملش النهارده يتعمل بكره ” …. إمشى سنه ولا تعدى قنا ” …. ” الدنيا اتخلقت فى سبع أيام ” …. ” يا مستعجل عوقك الله ” ….. ” إجرى يابن آدم جرى الوحوش غير رزقك لم تحوش “

العشوائية :
حين تمشى فى شوارع أى مدينة أو قرية مصرية تجد حالة من العشوائية فى التنظيم الهندسى للشوارع والبيوت وكل شئ , فالعشوائية سمة سائدة فى الحياة المصرية , وهناك تسامح كبير تجاهها وقبول غير مبرر لها وكأنها أحد السمات المميزة لمصر . وهذا يتناقض بشكل كبير مع آثار الحضارة المصرية القديمة التى اتسمت بالإنضباط والجمال والتناسق والدقة المبهرة , ويتناقض مع الآثار القبطية والإسلامية التى اتسمت بالجمال والبساطة والإعتدال والنظام والترابط .
ويبدو أن العشوائية فى الشوارع والبيوت وكل مظاهر الحياة ( اللافتات , واللوحات , والمرور , والألوان , والأصوات , و …… , ……….. ) هى تعبير عن تشوهات نفسية داخلية لحقت بالشخصية المصرية عبر عصور الإستبداد والتدهور الحضارى والأخلاقى , تلك التشوهات التى تقبل بالقبيح والمعوج والقذر والملتوى فى الخارج لأنها قبل ذلك قبلته فى الداخل . فهذا التشوه البيئى ( صورة وصوتا ) يعبر عن تشوها مقابلا بالداخل , لأن النفس المستقيمة النقية النظيفة الجميلة الصادقة , لا ترضى بالإعوجاج أو التلوث أو القذارة أو القبح أو الكذب حولها وبينها .

أزمة الذوق والجمال :
لا يكاد يصدق أحد أن المصريين الذين صنعوا الجمال وعلموه للدنيا ووضعوا حدوده ومقاييسه فى فترات صعودهم الحضارى سواء كان مصريا قديما أو قبطيا أو إسلاميا , هم أ نفسم الذين يبنون هذه البيوت العشوائية الأسمنتية القبيحة والفقيرة من أى جمال بل والمليئة بالقبح والتشوه حول القاهرة ومدن الأقاليم والقرى المصرية .

ولا يصدق أحد أن بلدا له هذا العمق الحضارى الكبير تمتلئ شوارعه بأكوام القمامة فى كل مكان لتفوح منها روائح عفنة , أو تنبعث روائح البول فى بعض الميادين الهامة وتحت الكبارى فى أماكن حيوية بمدينة القاهرة , ولا يصدق أحدا أن أحفاد صنّاع الجمال يعيشون فى مدن ليس لها نظام معمارى متناسق بل كل بيت له شكل ولون مختلف ومتنافر مع الذى بجواره , واللافتات معلقة بلا أى نظام أو قواعد , والأصوات تتصاعد بشكل عشوائى ومتداخل من كل شئ .

والأغرب من كل هذا أن يعتاد الناس على ذلك فلم يعودوا يتذمرون أو يستنكرون , وتبقى قلة قليلة تستنكر وتنادى دون أن يستجيب لها أحد .
وهذا لا ينفى ما فى مصر من أماكن جميلة تستحق الإشادة والفخر بها , وهى تجذب السائحين ومحبى الجمال من كل مكان , ولكنها تبقى استثناءا فى الحياة المصرية يؤكد القاعدة سالفة الذكر ولا ينفيها .

هل المجتمع المصرى فى أزمة ؟ :
يبدو بوضوح فعلا أنه فى أزمة , ويمكنك أن تلا حظ ذلك حين تنظر فى وجوه الناس فستجد أنهم مأزومين غير سعداء , محبطين , مجهدين , تظهر على بعضهم علامات الضيق وعلى بعضهم علامات الإعياء وعلى بعضهم علامات الإنكسار وعلى بعضهم علامات الإصابة بأمراض الكبد والكلى , وستجد قليلين منهم سعداء او مبتسمين . وستتأكد لديك هذه الملاحظة إذا كنت عائدا لتوك من خارج مصر وعقدت مقارنة بين ما شاهدته فى أهل البلد الآخر وما شاهدته فى المصريين فستجد الفرق واضحا فى نوعية الحياة واستمتاع الناس ( الآخرين ) بها. وإذا فتحت التليفزيون أو قرأت الصحف فسوف يهولك كم الحديث عن الأزمات فى السياسة والإقتصاد والتعليم والرياضة والخطاب الدينى والأزمات الطائفية , وغيرها كثير , وسوف تكتشف أن الحديث عن الأزمات يكثر دون حل لها , وهذا يصيب الناس بحالة شديدة من الإحباط والقهر وفقدان الأمل وقلة الحيلة , ولنأخذ على سبيل المثال مشكلة السحابة السوداء التى خنقت الناس وضيقت عليهم أنفاسهم وأصابتهم بالإنقباض والحزن , فقد عقدت اجتماعات وجرت مناقشات واتخذت قرارات ولم تنفذ وظلت السحابة السوداء متحدية للجميع رغم أن حلها بسيط ويستوجب فقط وجود آلية فعالة وصارمة لنقل قش الأرز من الحقل إلى مكان يتم تصنيعه أو تدويره بشكل آمن , وهى عمليات كلها بسيطة , ولكن فقد إرادة الفعل وفقد التنظيم الإدارى والإستهانة بصحة الناس وراحتهم جعل هذه المشكلة ومشكلات كثيرة غيرها تتراكم وتتحول إلى أزمات تخنق وتحبط الناس بلا مبرر .

وننقل هنا رأى بعض المتخصصين فى الطب النفسى وهم من رواده وأساتذته المعلمين , يقول الدكتور أحمد شوقى العقباوى أستاذ الطب النفسى بجامعة الأزهر فى رده على سؤال عن حالة الشعب المصرى وما أصابه من تغيرات وذلك فى ندوة بجريدة الأهرام تحت عنوان : ” المصرى بين الأنامالية والمسئولية ” ( جريدة أهرام الجمعة , 4 نوفمبر 2005 , صفحة 26): ” إن المجتمع المصرى قد تغير وبالذات فى الثلاثين سنة الماضية , ولحقه التشوه , وأصيبت البنية الأساسية للشخصية المصرية , وآن الأوان لكل مهتم بالشأن العام أن يتنبه ويدرك أن التفكير – كما قال عباس محمود العقاد – فريضة إسلامية , وآن الأوان أن نفيق فهذه مسئوليتنا جميعا وفى طليعة المجتمع يكون المثقفون ويكون دورهم ” . ويقول الدكتور أحمد عكاشة أستاذ الطب النفسى ورئيس الجمعية العالمية للطب النفسى فى حوار له فى جريدة ” الغد ” العدد الخامس والثلاثون بتاريخ 2 نوفمبر 2005 صفحة 10 : ” .. فى الحقيقة لا يستطيع أحد أن يفصل بين السياسة والمجتمع والبيئة فكلهم يلعبون دورا واحدا , فمثلا لدينا بطالة وكبت للحرية ولا يوجد عمل جاد يؤدى إلى نتيجة , كما أن التعليم فى انهيار , والصحة غير متوفرة , وهناك تلوث بصرى وسمعى وشمى , كل هذه العوامل تجعل المواطن محبطا , والإنسان المحبط معرض لخمسة أشياء : لامبالاة , وفقدان المواطنة , والعنف والعدوان , والإرهاب , وأمراض القلب . والإحباط له أسبابه السياسية والإجتماعية والنفسية , فأكثر من 50% من المصريين يعيشون تحت خط الفقر فكيف يبدعون ويخلقون وينتجون ؟ , وهو ما جعل نحو 90% من المصريين لا يشعرون بالمواطنة , أى يفقدون الإنتماء ” , ويقول أيضا : ” الشعب المصرى فى حالة من حالات الإستكانة والخوف من الحاكم والبعد عن الحكومة , ليس الكل ولكن الغالبية صاروا فى حالة خنوع وطاعة عمياء لأولى الأمر , وهذا أحد أسباب التأخر , فالحكام السابقون لم يحاولوا مشاركة الشعب معهم فكانت تلك هى النتيجة ” , ويقول: ” الجمود هو أخطر شئ فى الصحة النفسية للفرد , لأنه يقتل الإبداع والتفكير والإنتاج ويحدث ركودا , كالذى نعيشه فى مصر , فكلما جلس الحاكم مدة أكبر كان الركود أكثر “

العلاج :
1- كشف أبعاد شخصية الفهلوى والبدء فى تكوين اتجاها سلبيا نحوها فى وسائل الإعلام وفى المؤسسات التربوية والدينية , وعدم التسامح مع كل من يمارس أى سلوك فهلوى على المستوى السياسى ( بالتزوير أو التهليل أو النفاق أو اغتصاب الشرعية ) أو المستوى الإقتصادى ( بإعطاء بيانات كاذبة وأرقام خادعة وأمانى لا تتحقق أو الحديث عن اذدهار خيالى) أو المستوى الإجتماعى ( بدغدغة مشاعر الناس وإيهامهم بالريادة والتفوق والتميز الكاذبين والمخدرين ) .
2- كشف أنماط التدين الكاذب والكذب المتدين والتدين النفعى , ثم إعطاء الفرصة للتدين الأصيل أن ينمو بشكل هادئ وطبيعى ليدفع الناس إلى تحسين علاقاتهم بالأرض والسماء ويدفعهم إلى العمل الجاد الحقيقى لعمارة الأرض وسعيا لوجه الله .
3- الإرتقاء بالحس الفنى والجمالى لدى النشء , ذلك الحس الذى يجعلهم يرفضون القبح فى داخل نفوسهم ( التكوين الأخلاقى ) وفى خارجها ( المظهر البيئى ) , ويجعلهم صنّاعا للجمال ومستمتعين به كقيمة سامية تضفى على الحياة جمالا وبهاءا ونظافة وطهرا واستقامة .
3- بناء الشخصية المنتجة : وهى كما يحددها الدكتور / حامد عمار : ” التى تعمل بجدية , وتستمتع بما تعمل , وتنتج وتدرك قيمة ماتنتجه , ولديها قدرة على الملاءمة بين الغايات والوسائل , وتؤمن بأن الوصول إلى الهدف لا يتم إلا خطوة بعد خطوة, ليكون الهدف الكبير مجموعة أهداف جزئية , كل منها يمثل حلقة تؤدى إلى ما بعدها , ومن تماسك وتتابع وتكامل هذه الحلقات يصل الفرد إلى إكمال السلسلة التى تنتهى به إلى الهدف .
4- القدرة على الإعتراف بالخطأ وتصحيحه : وهذا ضد منظومة الفهلوة التى كانت تزين كل الأخطاء وتحول الهزائم لإنجازات وتكتفى بوضع المراهم على السرطانات القاتلة , وتخادع وتناور وتلف وتدور بلا نهاية أو فائدة , تلك المنظومة القاتلة التى تهدر كل الفرص للنمو والتطور الحقيقى , وتدع الأمور بأيدى الكذابين والمنافقين والمخادعين والأفاقين . إذن حين تتغير هذه المنظومة المريضة وتحل محلها منظومة صدق وأمانة وشجاعة وقدرة على الإعتراف بالخطأ وتصحيحه فإن ذلك يغير واقع الحياة المصرية تماما وفى وقت أقصر مما يتصور الناس . وربما يقول قائل : هذه أحلام وأمانى لا ترتكن إلى آليات حقيقية لتنفيذها , وهذا صحيح فأى مبادئ لاتحكمها وتحميها آليات تظل فى حكم الأمانى والأحلام لفترة ثم تتآكل وتختفى مع الوقت . ولو عدنا إلى تجربة ماليزيا لوجدنا أن مهاتير محمد قد شكل لجنة مكونة من عشر أفراد يجمعون بين عمق التخصص العلمى وبين الصدق والأمانة , وهذه اللجنة وظيفتها تلقى تقارير يومية من كل المؤسسات الإنتاجية الحيوية , وترسم خطا بيانيا لكل مؤسسة داخل الخريطة الكلية للعمل والإنتاج , ومن ملا حظة هذه الخطوط صعودا وهبوطا كانت اللجنة تحصل على تغذية مرتجعة ( Feedback ) عن كل الأنشطة الإنتاجية فى الدولة , فإذا وجدوا تدهورا فى أحد المؤسسات بادروا باتخاذ ما يلزم فورا لاكتشاف الأخطاء وتصحيحها على وجه السرعة . وكانت القيمة السائدة فى المجتمع الماليزى الصاعد هى الصدق تليها قيمة الجدية فى العمل والإنتاج , تليها قيمة العمل الجماعى وروح الفريق , وهكذا استطاعت التجربة الماليزية أن تنجح ” بحق وحقيق ” فى الوقت الذى فشلت فيه التجربة المصرية التى قامت على الفهلوة .
5- روح الفريق : حين أتيحت لى فرصة العمل ضمن فريق عمل متعدد الجنسيات اكتشفت لأول مرة ” بشكل عملى وحقيقى ” سر التقدم العلمى , وهو يكاد ينحصر فى ثلاثة عناصر بسيطة جدا ومهمة جدا ( وغائبة جدا من حياتنا المصرية ) : الأول : العمل الجماعى
Team work,الذى يعطى فرصة للإستفادة من الخبرات المتنوعة للبشر ويعطى فرصة للتراكم والتكامل , الثانى : منظومة العمل System ) ( التى تضع إطارا واضحا للعمل وتضع بداخله الخطوط التفصيلية التى تشكل هيكل العمل ومساراته بحيث تسير الأمور بشكل سلس ومنتج ومؤثر وممتع فى ذات الوقت , الثالث : التغذية الإرتجاعية ,(Feedback ) والتى تعطى فرصة صادقة وحقيقية لتقييم العمل ودراسة أوجه النجاح والفشل فيه بغرض التحسين المستمر والإستفادة من الأخطاء .
وتكاد تكون هذه العناصر غائبة بشكل خطير فى النسيج المصرى باستثناء بعض الأماكن القليلة , وهذا يجعلنا دائما نفشل فى الأنشطة التى تحتاج بشكل خاص إلى هذه الأشياء مثل المشروعات الصناعية الكبيرة أو المؤسسات الضخمة , أو الألعاب الرياضية الجماعية , وربما يفسر هذا فشلنا فى بناء أنظمة سياسية واقتصادية واجتماعية فاعلة على الرغم من وجود عدد كبير من العلماء المتميزين فى كل هذه المجالات , وعلى الرغم من حصول المصريين على أربعة جوائز نوبل فهم يأخذون صفرا مخزيا فى الصلاحية لاستضافة المونديال الكروى .
6- اكتساب مهارات ” حقيقية ” يحتاجها سوق العمل ” الحقيقى ” , ومعذرة لاستخدام كلمة ” الحقيقى ” طول الوقت , والسبب فى ذلك هو شعورنا بشبح “الشخصية الفهلوية ” تحاول القفز طول الوقت لإيهامنا بأننا نفعل ذلك ونحن لم نفعله . وهذه المهارات ليست فقط مهارات تقنية وإنما أيضا مهارات تنظيمية وإدارية كأن يتعلم مهارات القيادة الديموقراطية الحازمة والراعية , ومهارات الجندية الواعية بدورها وقيمته فى غير تمرد إو إفساد , ومهارات التخطيط , فالعمل فى دكان أو ورشة يختلف كثيرا عن العمل فى مصنع أو مؤسسة .
7 – إعادة الإعتبار لقيمة العمل الجاد والمتقن والمثابر , وذلاك بسحب الأضواء من الأفاقين والكذابين والمتسلقين والمرفهين والمهللين والمنافقين , وتسليطها على من يعملون ” بحق وحقيق ” وتكريمهم والرفع من شأنهم حتى يترسخ فى أذهان الناس وقلوبهم مرة أخرى القيمة العليا للعمل ” وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ” , فالعمل لابد أن يقدر ويقيم ويكافأ على كل المستويات , وتصبح المرتبات والمكافآت والترقيات مرتبطة ارتباطا دقيقا بحجم العمل ونوعيته وجدته .
8 – الإصلاح السياسى الجاد والحقيقى لإيجاد آليات تغلق الباب وللأبد أمام كل محاولات الإستبداد السياسى , ذلك الإستبداد الذى كان هو العنصر الأساس فى تشويه الشخصية المصرية على مر العصور رغم وجود عوامل صحة وقوة فى هذه الشخصية , لذلك يبدو الإصلاح السياسى عاملا علاجيا أوليا , وكان من المفترض أن نضعه فى مقدمة وسائل العلاج وآلياته لولا خوفنا من أن يبتلع بقية العناصر الفردية والإجتماعية ويلغيها أو يهمشها , ولكنه فى الحقيقة جدير بأن يوضع فى مقدمة المقدمة نظرا لخطورته وأهميته وعصيانه على العلاج على مدى قرون طويلة , وليس هنا مجال الحديث عن وسائل هذا الإصلاح وخطواته وآلياته وصعوباته .

مراجع الدراسة :

· جمال حمدان ( 1993 ) . شخصية مصر ( دراسة فى عبقرية المكان ) , كتاب الهلال , عدد 509
· حماده حسين , الفهلوة المتوحشة , روزاليوسف 30/3/2001( 3789 )
· رجب البنا , ” من الفهلوى إلى الهباش ” عن كتاب “المصريون فى المرآه” , مكتبة الأسرة 2000
· على سالم . ” وشاح الفهلوة ” , روزاليوسف , 30/3/2001 (3798 )
· عزه عزت ( 2000 ) . التحولات فى الشخصية المصرية , كتاب الهلال , العدد 598 , القاهرة
· نبيل راغب ( 1992 ) . الشخصية المصرية بين الحزن والمرح , دار الثقافة , القاهرة
· طارق حجى ( 1999) . نقد العقل العربى . سلسلة ” إقرأ ” الصادرة عن دار المعارف, القاهرة .
*Saint – Hilaire , Lettres sur l `Egypt , Paris 1857 , p 191


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.